https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png
إن المرحلة الحالية وربما الانعطافية بالنسبة لروسيا تطرح عليها جملة من التحديات الجدية التي سيتوقف مستقبل البلاد على مدى نجاحها في مواجهتها. وأحد هذه التحديات هو الإسلام الراديكالي الذي راح في السنوات الأخيرة ينتشر في المناطق الإسلامية من روسيا انتشار النار في الهشيم. وقد نجد أنفسنا في المستقبل غير البعيد أمام حتمية حرب جديدة، لعلها الأطول مدى والأكثر دموية وتدميرا من الحرب الشيشانية الأولى والثانية. وهذه الحقيقة المحزنة تؤكدها بكل جلاء الأعمال الإرهابية الأخيرة في قازان، والتي حاولت وسائل الإعلام الموالية للسلطة تصويرها كنتيجة لتناقضات تجارية بين مسلمي تتارستان.
تشهد تتارستان عمليا الشروع منهجيا وبلا كلل بتطبيق السيناريو نفسه الذي أطلق قبل عشر سنين في الشيشان وانغوشيتيا وداغستان. إن الدولة الروسية وإذ لم تتمكن في حينه من إطفاء الحريق على تخومها الجنوبية، قد تجد نفسها الآن أمام خطر الانجرار إلى حرب جديدة مضنية في وسط البلاد هذه المرة. وهذه الحرب ستكون في البداية أهلية “باردة” يشنها ضدها منذ الآن دعاة الإسلام الراديكالي ومؤيدوه في مراكز النفوذ. وفي المستقبل القريب ستتحول إلى حرب ساخنة على غرار تلك التي يستعر أوزارها في داغستان منذ بضع سنوات. أما تصفية أولى المجموعات التكفيرية في غابات حوض الفولغا علي أيدي أجهزة حفظ النظام فتؤكد وحسب صواب مثل هذه التوقعات القاتمة. وثمة حقيقة قديمة قدم العالم مفادها ان معرفة العدو شرط للانتصار عليه. وبكل اسف يمكننا القول إن القسم الأعظم من الخبراء المستشرقين لا يدركون المدى الحقيقي ولا الأسباب الحقيقية للكارثة التي تتكشف أمام أعيننا.
وقبل الحديث عن طبيعة الإسلام الراديكالي في القوقاز لا بد من تأكيد ما يلي : إن عملية التهديم الجارية هناك للمجتمع العلماني واسس الدولة معه ليست إلا مظهرا هامشيا من مظاهر أزمة هائلة تعانيها الدول ذات النمط الأوروبي في العالم الإسلامي، وتمتد في حيز شاسع من تونس حتى أفغانستان، ومن كوسوفو حتى السودان والصومال. إن القوقاز الروسي انجر إلى هذه الأزمة جزئيا لأسباب موضوعية منها فتح الحدود بعد العهد السوفيتي ولكونه أيضا منطقة إسلامية. وثمة أسباب ذاتية منها وجود قوى معينة لها مصلحة مباشرة في تدمير المجتمع العلماني وتأجيج نيران الحرب.
وهكذا ، فإن العالم الإسلامي وقع في فخ الحضارة الغربية. إن السلفيين يعتمدون اساسا على العقيدة التي ترتكز على قاعدة من السنن والشرائع ومعايير السلوك المستمدة مباشرة من مصادر دينية قروسطية ( القرآن والسنة ) ، وهم بذلك ينكرون عمليا إمكانية التطور غير الديني ، بل والديني في جوهر الأمر. أما المحاولات التي بذلتها أنظمة الحكم العلمانية في البلدان العربية في النصف الثاني من القرن العشرين لإيجاد تسوية عقلانية بين ثوابت العقيدة ومفاهيم العالم الحديث ، فقد اعتبرها الأصوليون إثما كبيرا وانحرافا عن طريق “الإسلام الصحيح”. والسؤال هنا : اية حداثة وأي تطور إذا كان كل شيء مرسوما من الأعلى في المصادر التي لا يرقى إليها الشك ولا يجوز لأحد تفسيرها بطريقته؟
وكما لاحظ في حينه، وبحق، المفكر الروسي ألكسندر زينوفييف، فإن الحضارة الإسلامية حضارة مكتملة. في القرن العشرين وقع العالم الإسلامي تحت تأثير الدول الأوروبية الكبرى، بل وتحت إدارتها المباشرة، واشاد دوله الناشئة حديثا وفق النماذج الغربية، على قاعدة الإيديولوجيا الغربية أيضا، ولكن هذا العالم ايقظ داخله قوى جبارة كانت غافية قبل ذلك ، هي قوى رد الفعل الحضاري. وهذه القوى التي استيقظت بادرت بحمية خيالية إلى تدمير النظام الاجتماعي والدولتي الغريب عنها.
لن نكابر، وسنعترف أن المبدأ العلماني القائل ” لله ما لله ، ولقيصر ما للقيصر” ، الذي تقوم عليه الدول الأوروبية، ومنها روسيا ، هو مبدأ مسيحي بحت. وهو بالأساس غريب عن الإسلام الذي يرفض هذه القسمة، فهل من المستغرب ألا يكون الغرب والصهيونية العالمية العدو الرئيس للراديكاليين الإسلاميين، بل دولهم ونظمهم السياسية التي خانت ” الدين الحق” ؟
وكان الإسلاميون الراديكاليون الأداة الرئيسية لاسقاط نظامي حسني مبارك ومعمر القذافي. ولم تكن كراهيتهم الشديدة للنظامين بسبب انتشار الفساد بشكل كبير، أو بسبب عدم كفاية الضمانات الاجتماعية للسكان، بل بسبب بناء مجتمع لا يتماشى مع قيم “الإسلام الصحيح”. إن أداة التهديد التي يلوح بها الغرب، والأنظمة الأكثر رجعية في الشرق الأوسط، هي التي تهدم الآن النظام البعثي في سورية، ولذلك فان الحريق الذي قد يشب فعلا في شمال القوقاز سيكون وقوده من السلفيين المتزمتين.
صحيفة “زافترا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube