https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

كتب محمد خير الوادي :
التقيت غورباتشوف مرتين : الاولى في مأدبة اقامها السفير الروسي في بكين ،عندما كان الرئيس السوفياتي السابق في زيارة خاصة للصين ، والثانية في موسكو عندما نظمت جامعة موسكو عام 2009 فعالية خاصة لتكريم خريجيها ، وكان غورباتشوف هو ضيف الشرف ، باعتباره احد خريجي تلك الجامعة . وبالمناسبة ، فقد حضرت انا المناسبة لانني انهيت الجامعة نفسها .
في المرة الاولى ، حاول غورباتشوف تفنيد الاتهامات الموجهة اليه ازاء مسؤوليته عن سقوط الاتحاد السوفياتي ، حيث اعلن انه على النقيض من ذلك ، فهو عمل جاهدا من اجل الحفاظ على الاتحاد وتطويره وتجديده ،عبر برنامج الاصلاحات الاقتصادية الهادفة الى ادماج الاقتصادد السوفياتي في الاقتصاد العالمي خلال 500 يوم .وسياسيا ،عبر انهاء السيطرة الحديدية للحزب الشيوعي واجهزة امنه ، واطلاق الحريات العامة في البلاد .
وفي المرة الثانية ، تحدث الرجل عن انجازاته الدولية ، واهمها وضع حد للحرب في افغانستان ، وانهاء الحرب الباردة والتوقيع على اتفاقية ازالة الصواربخ المتوسطة والاقل مدى ، وفتح صفحة جديدة من الشراكة والتعاون مع الغرب .
وفي كلتا المرتين ، لم يكن هناك مجال لمناقشة آراء هذا الزعيم السياسي ، الذي يستمر – حتى بعد مماته – في اثارة عواصف من التشكيك والعداء خاصة داخل روسيا ، و من التقدير والاحترام في الغرب .
وفي واقع الحال ، فان غورباتشوف قد اجتهد لتجديد الحياة السياسية في الاتحاد السوفياتي عبر مقولتي البيريسترويكا ( اعادة البناء ) والغلاسنت ( الشفافية )، ولكن نيات الرجل اصطدمت بعقبات كأداء منها الموضوعية : كالمشكلات السياسية والاقتصادية والقومية الحادة التي طفت على السطح . ومنها الذاتية ، والمتمثلة بسوء التقدير، واللهفة لانجاز تغيير سريع في بنى متكلسة ،والثقة المفرطة بالغرب ، وهي امور وضعت في دائرة الشك الولاء الوطني لغورباتشوف نفسه .
وفي حقيقة الامر ،فان الوضع الاقتصادي في البلاد لم يكن على ما يرام عندما جاء غورباتشوف. كان هناك تفاقما للازمات التي بدأت منذ عهد بريجنيف ، الذي جمٌد الاقتصاد ، ومنع كوسيغين من تنفيذ اصلاحات اقتصادية طموحة ، واستبدل تحفيز الانتاج المحلي بمبادلة الثروات الخام بالسلع الاستهلاكية المستوردة .
وسياسيا ، اصطدم غورباتشوف بتكلس الهياكل الفكرية والتنظيمية في الحزب الشيوعي ،وغرق كوادره القيادية في مستنقع الصراعات على السلطة.كما بدأت نذر الحرائق القومية المخفية بعمق تعلن عن نفسها . ثم ان الحرب في افغانستان و سباق التسلح المهلك الذي فرضه الغرب ،لعبا دورا كبيرا في اضعاف الاتحاد السوفياتي واستنزاف موارده المالية .
لقد ورث غورباتشوف هذه الاوضاع ،وحاول اصلاحها عبر اضفاء مسحة من الديمقراطية والتسامح . لكنه اخفق في ذلك لانه سلك دربا غير مألوف هناك . كما ان غورباتشوف تردد – بل تخاذل – عند معالجة المشكلات التي هددت وجود الاتحاد وعلى راسها – الانفصال.
لم يكن غورباتشوف يعلم انه بسلوكه ” الحضاري ” هذا ، قد فتح صندوق “باندورا اليوناني – اي صندوق الشٌر ، الذي انطلقت منه قوى الانفصال القومي، مصدٌعة اسس الدولة السوفياتية .فقد تحركت القوى القومية في مناطق البلطيق الثلاثة : ليتوانيا ولاتفيا واستونيا ، واعلنت انقسامها عن الاتحاد السوفياتي. والمشكلة ، ان غورباتشوف لم يكتف برفض استخدام القوة لمنع انفصال هذه الجمهوريات الثلاثة ، بل صعق الجميع عندما اعترف باستقلالها . كما انفجرت الاوضاع في جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية ، وفي مناطق القفقاس، واشتعلت الحرب مجددا في منطقة ناغورنوكراباخ . واصرٌ غورباتشوف على عدم استخدام القوات المسلحة لوقف هذه الاضطرابات ، بحجة ان ذلك سيشعل حربا اهليه في البلاد. لكن الضربة التي قصمت ظهر الاتحاد السوفياتي ،تمثلت في الاتفاق الثلاثي الذي وقعه يلتسين في كانون اول 1991 مع قادة كل من اوكرانيا وبيلوروسيا ، والذي تضمن اعلانا بزوال الاتحاد السوفياتي . ورغم ذلك ، فقد رفض غورباتشوف اعتقال يلتسين ، معللا موقفه هذا بقوله :” لا قيمة قانونية لهذا الاتفاق “.
لم يستغل غورباتشوف شيئا من ادوات السلطة والصلاحيات الموجودة لديه لمواجهة هذه التطورات الخطيرة ، اللهم سوى ارسال قوة عسكرية محدودة لقمع المظاهرات التي نظمتها قوى انفصالية محلية عام 1991 في اذربيجان.
نعم، تردد غورباتشوف وتحاذل ،ولم يفعل شيئا لوقف تفتت الدولة السوفياتية .ولذلك اتهمه المدعي العام السوفياتي عام 1991 بالخيانة العظمى . و بدل محاسبة غورباتشوف ، تمت اقالة المدعي العام !
وعلى الصعيد الخارجي ، اطلق غورباتشوف مقولة ” التفكير الجديد” الهادفه الى انهاء المواجهة مع الغرب ، واقامة علاقات شراكة وتعاون معه ،ونزع السلاح النووي وانهاء الحرب الباردة . وفي هذا المجال اتخذ غورباتشيوف خطوات كثيرة من جانب واحد لاظهار حسن النية تجاه الغرب . فهو قد سحب القوات السوفياتية من المانيا ومن دول اروبية شرقية ، كما الغى عام 1990 حلف وارصو ، وجمٌد التجارب النووية السوفياتية ، واعلن عدم التدخل في شؤون دول المعسكر الاشتراكي الداخلية . وقد افضت هذه الاجراءات الى انهيار جدار برلين واعادة توحيد المانيا ، وسقوط المعسكر الاشتراكي .واللافت ان هذه الخطوات كلها التي اقدم علي
غورباتشوف ، لم تقابل باجراءات مماثلة من دول الغرب . فلم يتم – مثلا – حل الناتو ، ولم توقف الدول الغربية تجاربها النووية ، ولم تسحب امريكا قواتها من اوربا . والاتفاق الوحيد الذي تم مع امريكا عام 1998 ـ هو معاهدة ازالة الصوريخ المتوسطة والاقل مدى . وقد اسهمت امريكا في دفع نفقات اتلاف الترسانة السوفياتية من هذه الصواريخ .
هذا كله افضى الى ضمور دور الدولة السوفياتية في السياسة الدولية ،وبروز سياسة الهيمنة الامريكية .
ومن اجل الموضوعية، لا بد من القول ، ان عهد غورباتشوف لم يكن كله اسودا ومليئا بالاخطاء والتراجعات ، بل كانت فيه صفحات ناصعة .فهو قد اعترف بالملكية الخاصة في الانتاج ،ورد الاعتبار لكل المعتقلين السياسيين الموتى ، واطلق سراح الاحياء منهم ، وسمح بعودة المفكرين المنشقين وعلى رأسهم ساخاروف ، واطلق حرية العمل السياسي ، وحمى حرية الاعلام والاديان والفن والثقافة ،وسعى الى اقامة نظام سياسي تبادلي مع انتخابات نزيهة ، وانهى الحرب الباردة وحرب افغانستان ، واقام تعاونا حقيقيا مع اوربا وامريكا .
والان ، وبعد ان رحل غورباتشوف عن هذا العالم ، فاننا نترك للتاريخ وللشعوب مهمة اصدار الحكم النهائي على مرحلته ـ التي هزٌت الكرة الارضية واعادة تشكيل خارطتها السياسية .
6/9/2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube