جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
ترامب بداية مأساوية واخطاء قاتلة

  جاء الخطاب السياسي للرئيس ترمب قبل الانتخابات، وكذلك أداؤه وقراراته بعدها، حاملا عناصر مقلقة ومتناقضا تماما مع توقعاتنا. أولا، بدلا من مبادئ استيعاب المُهمشين صار التفرد وإقصاء الآخرين هو السمة المميزة للقرارات الهامة لهذه الإدارة الجديدة منذ الانتخابات. إذ إن خطاب حملة ترمب حول المهاجرين والناس من مختلف الهويات، خاصة المهاجرين المكسيكيين والإسلام والمسلمين، كان ضارا أو إشكاليا على أحسن تقدير. هذه الطبيعة الإقصائية للسياسة الداخلية في الولايات المتحدة نحو مواطنيها والمقيمين والأشخاص الذين يعيشون على الأراضي الأميركية تحدد مسارا خطيرا، وسابقة ستحذو حذوها أحزاب اليمين المتطرف في مناطق أخرى، وسوف تشوه صورة الولايات المتحدة في العالم، وتدمر أساس القوة الناعمة لديها، التي شكلت جزءا كبيرا من القوة الشاملة الولايات المتحدة ومكانتها في العالم. ثانيا، بدلا من التعددية، عادت الأحادية غير المثمرة مرة أخرى إلى الساحة. اختارت الإدارة الجديدة الأحادية التي ستؤدي إلى نتيجة عكسية: بدءا من الحظر المفروض على مواطني سبع دول ذات غالبية مسلمة ومرورا بقرار بناء جدار على طول حدود الولايات المتحدة مع المكسيك. بل هي مفارقة في الوقت الذي أمرت فيه الإدارة الأميركية الجديدة وزارة الدفاع بوضع خطة لتوجيه ضربة قاضية إلى داعش في العراق وسوريا، ها هي تفرض حظرا على المسلمين. لا يمكن تصور هدية أفضل لداعش من مثل هذا الحظر غير المنطقي على المسلمين. وإنه لمن سخرية القدر أن يوقع الرئيس ترمب قرار حظر دخول المسلمين يوم ذكرى المحرقة. لا ينبغي أن يكون إحياء هذه الذكرى بوصم أي شخص أو دين أو مجتمع بشكل جماعي. وبالمثل، كانت الفكرة وراء 11 سبتمبر/أيلول هي الوقيعة بين الناس والأديان والمجتمعات والحضارات. لقد هاجم منفذو هجمات 11 سبتمبر/أيلول أولا وقبل كل شيء قيم استيعاب المُهمشين للمجتمعات، وفكرة التعايش، وظاهرة تعدد الثقافات. إذا استمر هذا الحظر -حظر المسلمين- فسيعتبر بمثابة مكافأة لهؤلاء الجناة بهدية لم يكونوا ليتصوروها من قبل. سيكون هذا الحظر بمثابة إضفاء طابع مؤسسي على كراهية الإسلام، كسياسة حكومة دولة عظمى، مما سيؤدي هذا إلى زيادة الاستقطاب في جميع أنحاء العالم، وتعميق الشروخ الاجتماعية والسياسية بين المجتمعات والأديان والحضارات. لا ينبغي استغلال المخاوف لتحقيق مكاسب سياسية. المبادئ الجامعة، واحترام كرامة الإنسان والتمسك بالحقوق والحريات ستكون أقوى وسائل مواجهة الأيديولوجية الملتوية لمنفذي هجمات 11 سبتمبر/أيلول وجبن داعش. أما التخلي عن هذه المبادئ والقيم، في المقابل، فسيكون بمثابة بث الروح في الأيديولوجية الميتة والمتحللة لمرتكبي هذه الجرائم. إن إقصاء الإسلام والمسلمين سيعمق الصدع، ليس فقط بين الولايات المتحدة ومواطنيها المسلمين، ولكن أيضا بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي الكبير. ثالثا، يجب أن ترتكز سياسة الولايات المتحدة تجاه منطقة الشرق الأوسط على فهم متطور للمنطقة. وفي هذا الصدد، أعلن ترمب عن نيته لنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس، وفي حال تنفيذ هذا، ستكون بداية مأساوية وخطأ فادحا. وسيكون هذا ضد مصالح الولايات المتحدة، وسيسبب التوتر والصراعات الدموية شبه المؤكدة بين فلسطين وإسرائيل، وينسف أي فرصة لتحقيق حل الدولتين. وكذلك سيشعل دورة من العنف وإراقة الدماء، ويوفر أرضية سياسية خصبة لازدهار كافة أنواع التطرف في المنطقة. فالقدس ليست مجرد مدينة؛ إنها ليست مجرد قضية متنازع عليها بين إسرائيل وفلسطين أو حتى العرب ككل، ولكن مصدرا محتملا للاحتكاك أكبر بكثير. سيكون التأثير المشترك لهذه النقاط الثلاث مزيدا من تقلص دور الولايات المتحدة ووجودها في المنطقة والعالم. في المقابل، سيوفر هذا المزيد من الفرص للقوى الأخرى، سواء كانت روسيا أو الصين، لاستغلال الفراغ الناجم عن ضعف العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين في الشرق الأوسط، وتهميش دور الولايات المتحدة في المنطقة، بل في العالم كله. رابعا، إذا لم يتراجع ترمب عن التقليل من شأن مشروع التكامل الأوروبي والتقليل من أهمية الناتو، سوف تهتز الروابط بين جانبي الأطلسي، مما سيؤدي مرة أخرى إلى نتائج مضادة للمصالح الوطنية للولايات المتحدة. لا سيما أن ثناءه على انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وتشجيع تكراره في سياقات أخرى، فضلا عن مغازلة الحركات الشعبوية في جميع أنحاء القارة، يعد تأجيجا لتحديات أمنية متنوعة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. إن الانعكاس والتراجع عن مشروع التكامل الأوروبي سيكون أحد أخطر الأخطاء منذ الحرب العالمية الثانية، وستكون عواقبه عميقة وبعيدة المدى. هذه العملية قد تؤدي إلى إحياء التساؤل القديم حول ميزان القوى في أوروبا مرة أخرى. لن يكون هذا حدثا مأساويا بالنسبة لأوروبا وحسب، بل سيكون له أثر مباشر وفوري على تقويض مكانة الولايات المتحدة عالميا. لذلك يجب على إدارة ترمب أن تسعى جاهدة إلى استعادة ثقة حلفائها التقليديين، سواء كانوا في الشرق الأوسط أو آسيا أو أوروبا، وترسيخ الروابط القائمة. ويجب أن يحفز إرث سياسة أوباما الخارجية الباهتة الإدارة الأميركية الجديدة على استنباط سياسة جديدة، تتوجه نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن تكون سياسة خارجية صديقة للشعوب. ينبغي أن تعزز علاقاتها مع حلفائها الحاليين وتبحث عن حلفاء جدد. على العالم بأسره تحمل عبء منع مزيد من الدمار، ووقف الانجراف العالمي نحو الاستبداد. إن احتياجات البشرية اليوم واضحة: إنها نظام دولي يميل بصورة أكبر إلى تبني القيم الجامعة، والتعددية والقيم الإنسانية.


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة