جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
انتشار اللغة العربية في إندونيسيا

إن الحديث عن دخول اللغة العربية وانتشارها في إندونيسيا هو الحديث عن دخول الإسلام وانتشاره في هذا البلد، وذلك لما بينهما من علاقة وطيدة كما لو كانا وجهان لعملة واحدة. فاللغة العربية هي لغة ينطق بها المصدر الأساسي للدين الإسلامي: القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، مما يعني أن انتشار هذه اللغة يتزامن دائما مع انتشار الإسلام، فلا يتدين قوم بهذا الدين الحنيف إلا وهم يتعاملون مع لغته العربية. لذلك من الضرورة الإشارة إلى تاريخ دخول الإسلام في إندونيسيا قبل الحديث عن دخول اللغة العربية وانتشارها في هذا البلد.

رغم أن المؤرخين لا يختلفون في تزامن بين دخول اللغة العربية ودخول الإسلام في إندونيسيا لما يقوم بينهما من علاقة وثيقة تحرم الفصل بينهما إلا أنه من الصعوبة تحديد متي وصلت هذه اللغة أراضي إندونيسيا وتعامل بها أهل هذا البلد للمرة الأولى. ومما يقف وراء ذلك عدم ما يكفي من الوثائق التاريخية التي تلقي الضوء على الأيام الأولى من دخول الإسلام في إندونيسيا نتيجة الاهتمام الضئيل لدى العلماء الذين عاشوا أيام دخول الإسلام بضرورة تدوين التاريخ. وإلى جانب ذلك كان المؤرخون أنفسهم يختلفون في تفسير الوثائق التاريخية لتحديد متي دخول الإسلام إلى جزر إندونيسيا فتباينت لديهم الآراء في ذلك حيث يدعى كل منها الأرجح.

ويمكن تقسيم آراء المؤرخين عن بداية دخول الإسلام في إندونيسيا إلى قسمين رئيسين، هما:

1. نظرية الهند: تزعم هذه النظرية أن الإسلام دخل أول ما دخل في إندونيسيا في القرن السابع الهجري أو القرن الثالث عشر الميلادي عن طريق الهند على أيدي التجار المسلمين. ومن رواد هذه النظرية المستشرق الهولندي سنوك هور جرونجيه (Snouck Hurgronje) الذي يستدل في نظريته بوثائق تاريخية كثيرة منها رواية الرحالة ماركوبولو (Marco Polo) الذي زار جزيرة سومطرة ومكث فيه مدة طويلة أن الإسلام كان منتشرا في مدينة بيرلاك (Perlak) عام 1292م وأن أمير ميراسيسلا أحد حكام المقاطعات كان قد أسلم وسمي نفسه تسمية إسلامية بالملك الصالح. ومنها أخبار زيارتي ابن بطوطة نفسه حيث زار جزيرة سومطرة مرة عام 1345م والتقى بملك سومطرة الشمالية (تعرف الآن باسم "آتشيه") الملك الظاهر بن الملك الصالح، ثم زارها مرة أخرى لما رجع من الصين عام 1346م ليحضر حفلة الزفاف لنجل الملك الظاهر الأمير زين العابدين.

هذه النظرية كانت في البداية سائدة وتؤثر تأثيرًا واسعًا على اتجاه تدوين تاريخ دخول الإسلام في إندونيسيا ويستند إليها كثير من المؤرخين سواء كانوا من الإندونيسيين أم من المستشرقين. إلا أن المؤرخين الناقدين اكتشفوا لاحقـًا أن الإسلام في القرن الثالث عشر هو الإسلام الذي قد انتشر ولم يعد في مرحلة البدء أو الطلوع وإنما قد شاع قبوله لدى المجتمع الإندونيسي ويؤثر على حياتهم الاجتماعية والسياسية. ومما يدل على ذلك اعتناق الأمراء والحكام من الإمارات الساحلية في سومطرة الشمالية الدين الإسلامي وذلك بدون أدنى شك لا يحدث فجأة لحظة وصول الإسلام تلك المناطق السواحلية وإنما بعد أن انتشر ووجد قبولاً واسعًا لدى أهل المناطق.

2. نظرية مكة: وتزعم -ردًا على نظرية الهند- أن الإسلام دخل أول ما دخل في إندونيسيا في القرن الأول الهجري أو القرن السابع الميلادي على أيدي العرب الذين جاءوا من مكة المكرمة مباشرة. ويرى أ.د. الحاج عبد الملك كريم أمر الله المشهور بـ "بويا حامكا" صاحب هذه النظرية أن الرأي القائل إن الإسلام وصل سواحل إندونيسيا في الثالث عشر الهجري يفتقر إلى المبرر التاريخي إذ إن في تلك الفترة قد ثبتت القوة السياسية الإسلامية التي مثتلها المملكة الإسلامية مما يعني أن الإسلام قد جاء قبل ذلك بأمد بعيد وانتشر إلى أن أصبح قوة سياسية.

ذهب كثير من المؤرخين بما فيهم المستشرقون إلى أن هذه النظرية هي الأرجح لتناغمها مع عدة وثائق تاريخية، منها وأهمها ما اكتشفه بويا حامكا من وثائق صينية تقول إن في عهد ملكة "سيما" بمملكة كالنجاء (Kalingga) الهيندوكية بجاوا الوسطى جاء إليها مبعوث من ملك العرب لاستطلاع أحوال البلد، وملك العرب يومها معاوية بن أبي سفيان. إلى جانب ذلك كانت هذه النظرية –نظرية مكة- قد أثبتت صحتها عدة مؤتمرات عن دخول الإسلام في إندونيسيا منها مؤتمر "تاريخ دخول الإسلام في إندونيسيا" المنعقد عام 1963م، ومؤتمر "تاريخ الإسلام في مينان كابو" المنعقد عام 1969م ,ومؤتمر "تاريخ رياو" المنعقد عام 1975م، ومؤتمر "تاريخ دخول الإسلام في كاليمانتان" المنعقد عام1976 م.

هذا فيمكن الخروج من الحديث عن دخول الإسلام في إندونيسيا بأن هذا الدين الحنيف دخل أول ما دخل في إندونيسيا في القرن الأول الهجري أو القرن السابع الميلادي. وهذا يعني أن اللغة العربية أيضا دخلت في إندونيسيا منذ تلك الفترة.

كما شهد الإسلام من انتشار واسع وما وجد من قبول حسن فانتشرت اللغة العربية بدورها انتشارًا واسعًا ووجدت قبولا حسنا من قبل المجتمع الإندونيسي. فكان انتشار اللغة العربية قد مر بصورة متدرجة بعدة مراحل منذ أن كان ينتشر عن طريق ألفاظ الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والأدعية والأذكار التي حفظها المسلمون الإندونيسيون إلى أن انتشر من خلال برامج تعليم اللغة العربية التابعة للمدارس والمعاهد والمؤسسات الحديثة. ويمكن تصنيف هذه المراحل الطويلة من انتشار اللغة العربية وتطورها في إندونيسيا إلى أربع مراحل، وهي:

المرحلة الأولى: وهي بداية دراسة ألفاظ العربية في العبادات والأذكار والأدعية وقراءة القرآن.

المرحلة الثانية: وهي مرحلة الاطلاع على الكتب العربية عن طريق الترجمة والشرح باللغة المحلية وذلك بهدف التعمق في الدين الإسلامي.

المرحلة الثالثة: وهي مرحلة نهضة تعليم اللغة العربية في إندونيسيا وظهور المدارس الإسلامية الحديثة التي تدرس اللغة العربية بوصفها لغة التخاطب ولغة الأخوة الدينية الإسلامية.

المرحلة الرابعة: مرحلة نشأة المؤسسات التعليمية للغة العربية أهلية كانت أم حكومية باتباع مناهج معينة لتعليم اللغة.

وهذا الانتشار الملحوظ للغة العربية لا يأتي من فراغ كما لا يحدث فجأة وإنما هو عبارة عن عملية طويلة تقف ورائها عدة عوامل وأسباب. وهناك عدة عوامل تؤدي إلى انتشار اللغة العربية أهمها ما يلي:

1. العامل الديني. معروف أن مما يترتب عليه وجود العلاقة الوثيقة بين اللغة العربية والإسلام هو انتشار هذه اللغة مواكبة لانتشار هذا الدين الحنيف. فلما وجد الإسلام قبولا حسنا لدى المجتمع الإندونيسي وجدت هذه اللغة أيضًا قبولاً حسنًا. فكونها لغة الدين الإسلامي قد أدّى بكل التأكيد دورا في غاية الأهمية لانتشارها الواسع وحسن قبولها لدى المجتمع الإندونيسي.

2. العامل اللغوي. إن انتشار اللغة العربية وقبولها لدى المجتمع لا ينعكس عند شيوع استخدامها في الحياة الدينية فحسب وإنما ينعكس كذلك على الحياة اللغوية إذ إن هذه اللغة تؤثر على اللغة الإندونيسية وتغني خزانتها. فتطورت عدة جوانب في خزانة اللغة الإندونيسية نتيجة تأثرها باللغة العربية ولعل أهم وجوه هذا التأثر دخول أصوات اللغة العربية واقتراض كلماتها إلى اللغة الإندونيسية. فالأصوات الفاء (f) والشين (sy)، والزاي (z)، على سبيل المثال لا الحصر، ليست من الأصوات الإندونيسية الأصلية وإنما هي أصوات عربية دخلت إلى اللغة الإندونيسية من خلال اقتراض الكلمات مثل: فهم (Faham) شرط (Syarat) زيارة (Ziarah). وكذلك على مستوى المفردات فالكلمات Tafsir , Syukur , Zakat على سبيل المثال لا الحصر ليست من الكلمات الإندونيسية الأصلية وإنما هي اقتراضات من الكلمات العربية وهي: تفسير، وشكر، وزكاة. ومما ينتج من هذا التأثير اللغوي وجود التشابه بين اللغة العربية واللغة الإندونيسية، الأمر الذي بدوره يساعد الإندونيسيين على تعلم اللغة العربية بسهولة بدون مشقة، وهذا بدوره يؤدي إلى انتشار هذه اللغة.

3. العامل الاجتماعي. قد أثبت التاريخ أن الإسلام دخل إندونيسيا على أيدي التجار العرب مما يعني أن المعاملات التجارية بينهم وبين أهل المناطق في إندونيسيا كانت بوسيلة اللغة العربية فضلا عن اللغة الإندونيسية. كما يعني أن هذه المعاملات التجارية نقلت اللغة العربية إلى لسان أهل المناطق وتصبح لغة التعامل التجاري بين الطرفين. فتعلم الإندونيسيون اللغة العربية ليس فقط للأهداف الدينية وإنما أيضا للأخرى التجارية التي لا تقل أهمية إذ إن التجارة كانت يومها من أبرز الحركات الاجتماعية.

4. العامل التربوي. إن اللغة العربية لا يكتسبها الإندونيسيون نتيجة تعاملهم التجاري مع التجار العرب فقط كما لا يكتسبونها من خلال حفظهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأدعية في الصلاة فحسب وإنما يكتسبونها أيضا بأسلوب منظم ومنهجي من خلال عملية التربية والتعليم. لقد اهتمت المعاهد الإسلامية منذ قديم الزمان بتعليم اللغة العربية لأبناء المسلمين بهدف تزويدهم بالقدرة اللغوية حتى يتمكنوا من استيعاب القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وغيرها من مصادر القيم والعلوم الإسلامية. كما اهتمت المعاهد بإلحاق أبناءها بالمعاهد والمدارس في الشرق الأوسط ليكتسبوا اللغة العربية في بيئتها الطبيعية ويتعاملوا مع الناطقين الأصليين بها. ولما أكملوا دراستهم وعادوا إلى إندونيسيا ساهم هؤلاء في نشر اللغة العربية سواء كان ذلك عن طريق تأليف الكتب أو تأسيس المدارس والمعاهد.

إن هذه العوامل الأربعة قد لعبت دورًا لا يمكن تجاهله في انتشار اللغة العربية في إندونيسيا منذ اللحظة الأولى وصلت فيها إلى هذا البلد. ولكن إذا ألقينا النظر إلى الوضع الآني لوجدنا أن اللغة العربية قد انتشرت بشكل لا ينحصر إلى حد كبير على المجال الديني كما كان وضعها في الماضي وإنما قد انتشرت مواكبة للتطورات في كل مجالات الحياة. كما لا تسهم في انتشارها تلك العوامل الأربعة المتقدم ذكرها فقط وإنما يستعين انتشارها كذلك بالعوامل الأخرى مثل وسائل الإعلام. فتعليم اللغة العربية مثلا يتطور ويتم عن طريق برامج تبثها قنوات تلفزيون حكومية كانت مثل تلفزيون الحكومة الإندونيسية (TVRI) أو أهلية مثل تلفزيون التربية الإندونيسية (TPI). بل توجد هناك وسيلة الإعلام العربية مثل المجلة الشهرية :آلو إندونيسيا" التي تصدر باللغة العربية.

بفضل كل هذه العوامل انتشرت وتطورت اللغة العربية منذ اللحظة الأولى من دخولها إلى إندونيسيا عن طريق ألفاظ الآيات القرآنية والأذكار والأدعية إلى أن نجدها تحتل مكانًا عاليًا ضمن اللغات الأجنبية التي يهتم بها الإندونيسيون ويدرسونها في كل المراحل التعليمية ويستخدمونها في شتى مجالات الحياة.

_______________________



المراجع:

أحمد فؤاد أفندي، وجودية اللغة العربية في إندونيسيا، مقال غير منشور، كلية التربية الجامعة الإسلامية الحكومية مالانج، 1986م

جمال الدين الرمادي، الإسلام في المشارق والمغارب، مطابع الشعب، القاهرة، 1960م

ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، دار الصادر للطباعة والنشر، ودار البيروت، بيروت،1960م



Ahmad Mansur Surya Negara, Menemukan Sejarah,(إيجاد التاريخ) Bandung, Mizan, 1998


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة