جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصقيع الملتهب- 12

المؤلف: محمد خير الوادي .
طيلة عقد ونصف من الزمان ، كان سالم يتجنب السفر الى روسيا، للمشاركة في الندوات والمؤتمرات العالمية الى كانت تجري في موسكو ، والتي كانت تمس صميم عمله.وكان يؤثر ارسال مختصين آخرين. منعته الندامة والشعور بالذنب من محاولة أحياء الماضي، لا بل انه كان يحمر خجلا ، ويعتصر قلبه وتنقبض نفسه ،عندما يتذكر انه هجر ناتاشا ، ولم يصارع لانقاذ حبه لها . فضلا عن ان عامل الزمن ، عادة مايقصي  المسائل المؤلمة  الى آخر سلم الاهتمامات ويخفف من حدتها. ولكن في حالة سالم ، فان ذكريات الماضي ابت الدخول في عالم النسيان ،و بقيت تفصيلاتها حية في وجدانه.ومع ذلك طبق بطلنا القاعدة الذهبية للهروب من آثام الماضي وآلامه : دع القديم على قدمه ، ولا تنكأ جراحه . في يوم خميس، انهى سالم يوم عمل حافل ، وقرر الخلود للراحة في منزله .لكن هاتفه رن بعناد .ولم يكن هناك بد من رفع السماعة. كان المتصل من جهة عليا ، واعلمه ان ندوة دولية مهمة ستعقد في موسكو في مجال الطاقة ، وان دولا وشركات كبرى ستكون موجودة فيها ،وان ذلك يمثل فرصة جيدة لجذب الاستثمارات الاجنبة الى قطاع الطاقة في سورية ، وانه سيكون عضوا مهما في الوفد ، باعتباره خريج موسكو ،ويجيد اللغة الروسية .لم يستطع سالم التهرب بذريعة انشغاله بقضايا مهمة .

جلست ناتاشا في مكتبها ، المطل على ساحة غاغارين في موسكو، وراقبت رتلا من اطفال الحضانة برفقة معلماتهم وهو يقطع الشارع .تشابكت ايدي الاطفال ، ومن بينهم فتاة صغيرة  كانت تتلكأ في السير ، وترنو بنظرها الى الاعلى ،محدقة في نصب الصاروخ المنطلق الى السماء ، والذي اقيم وسط الساحة تكريما لأول رائد فضاء في العالم . لكن الصبي السائر أمامها ، جرها بسرعة ، فتعثرت الطفلة ووقعت على الارض واستلقت على ظهرها وهي تصرخ و تبكي وتحرك رجليها في الهواء , خاف الصبي وهرب الى مقدمة الصف وسار بشكل عادي ، وكأن شيئا لم يحدث . ابتسمت ناتاشا ،وهزت رأسها بسخرية وفكرت : - يا للرجال ، انهم يتهربون من المسؤولية منذ نعومة اظفارهم . جلست المرأة خلف طاولتها ، وفتحت مغلفا يضم اسماء المشاركين في الندوة الدولية للطاقة ، التي تنظمها المؤسسة التي تعمل فيها، واستعرضت من باب الفضول اسماء اعضاء الوفد السوري ، وارتجفت عندما وقع نظرها على اسم" سالم غسان السعيد " .عرفت انه سيلقي في المؤتمربحثا عن فرص الاستثمار في مجال الطاقة بسورية .ودققت في الصفحة التي تحتوى سير حياة اعضاء الوفد ، وقرأت عن سالم مايلي:" تخرج من جامعة موسكو الحكومية عام 1990 ، ويعمل الان في وزارة النفط والثروة المعدنية . - انه هو- صرخت الفتاة بعفوية - انه هو . لقد انقضت خمسة عشرعاما لم تره ، ولم تسمع شيئا عنه .خلال هذه المدة ،تذوقت ناتاشا مرارة الحياة وعايشت شظفها. توفي والدها ، انهارت الدولة التي ولدت فيها ،عاشت تحت تهديد مافيات جبارة ، تحكمت بمصير البلاد والعباد ، واكتوت بنار العازة.ولكنها لم تستسلم، ولم تغرق في هذا المستنقع الآسن القذر ، ولم تنكسرارادتها امام هذا المد الاهوج من الشر .لقد صقلتها هذه المصائب ، وجعلت عودها اصلب ، وشكيمتها أقوى . ساعدها على ذلك ، تعلقها الدائم بالحياة ، وثقتها بقدرة الخير على الفوز ، اضافة لوجود طفل جميل ،أنار، حياتها ،واشاع فيها البهجة والسرور ،واحيا في نفسها شعلة الأمل . في عتمة ذلك الزمن الرديء ،كانت ناتاشا تتمنى ان يصلها خبرواحد، كلمة مفرحة من سالم ، لا سيما بعد رحيل والدها ، لكنه التزم صمت القبور .وكانت تحلم ، انه سيأتي على حصان ابيض ، ياخذ بيدها ، ينتشلها من احزانها ، لكنه لم يحضر . رفضت عروض الزواج كلها للعناية بابنها ،ولأنها لم تتصور الحياة مع رجل آخر .والان هو في موسكو . ماذا ستقول له ؟ هل ستوبخه على جفاه ؟ هل ستبوح له بهمومها ؟ لن تفعل ذلك ، ولن تظهر ضعفها امامه . لقد ادعى انه اختفى لانه لا يود مفاقمة مشكلاتها .ولكن ما حدث في الواقع ، ان معاناتها قد تضاعفت .على كل حال - فكرت ناتاشا - لقد تبدد ليلها المظلم ، وهي الان قادرة ،مع سالم أودونه، على تدبير امورها بنفسها . هي بالتأكيد لا تزال تحبه ، ولكن ليس الى درجة الهيام، ثم ان دفء هذا الحب وطلاوته ، انتقلا الى مخلوق جديد ، خرج منها ، انه سالم الصغير ،الذي نذرت نفسها لتنشئتة . ولذلك قررت ناتاشا ، عندما ستلتقي سالم، ان لا تقابله بالغضب الجارف ، ولا بالشوق المفرط، وان تكون هادئة وعادية معه.


عندما تيقن سالم من انه لا مفر من السفر الى موسكو ، داهمته عشرات الاسئلة : كيف سيلتقي ناتاشا ؟ وماذا سيقول لها؟.وهل سيذهب الى بيتها ؟ وكيف تبدو الآن ؟ انتعش في قلبه الشوق والحنين اليها ، وتوهجت روحه من جديد ،وتمنى لو يطير اليها في الحال ليعانقها ،ليضمها ، ليدفء كيانه من الصقيع الذي يعيشه . واقتنع سالم ان سنوات الفراق الطويلة ، لم تنل من حبه لناتاشا ، فهو لا يزال مغرما بها . ذهب سالم الى بيت اهله لزيارة والدته . اخبرها انه سيسافر الى موسكو ويمكن ان يلتقي ناتاشا هناك ، ورجاها ان تساعده في شراء هدايا لها ولأمها ، كما فعلت سابقا.هزت الام راسها ، وخاطبته بلهجة لا تخلو من سخرية ومرارة : - يا لك من وفي ! على كل حال ،حسنا انك تذكرتها بعد هذه السنين كلها . واضافت متنهدة : - غدا ابعث لي سيارة ، وسأذهب الى السوق . اعد سالم نفسه للسفر ، وبحث عن رقم منزل ناتاشا ، واراد الاتصال بها واخبارها انه قادم . ولكنه بعد ان ضغط على معظم الارقام في قرص الهاتف ، تلكأ في الاستمرار ، وشعر بارتخاء في يده ، واعاد وضع السماعة الى موقعها . خاف سالم من الاتصال . فماذا عساه ان يقول لناتاشا ان كانت هي المتكلمة ؟ وكيف سيبرر هجرانه الطويل لها خلال عقد ونصف من الزمن ؟ وكيف سيشرح اتصاله ،ان ظهر على الجانب الآخر من خط الهاتف صوت رجل ؟ ومع ذلك ، كان يداخله شعور ، انها لا تزال تنتظره ، ولذلك ، فمن الافضل ان يذهب الى بيتها ويقابلها وجها لوجه . فلغة العيون ابلغ دائما من الكلمات . بعد ان وصل الى موسكو ، حصل سالم على غرفة في احدى الفنادق ، واعلم بقية اعضاء الوفد ، انه سيزور بعض اصدقائه القدامى . - اصدقاء ام صديقات ؟ سأل احد اعضاء الوفد مازحا - هنيئا لك يا عم .وضحك . لم يعلق سالم ، واكتفى بتوجيه نظرة جادة اليه ، فهو لا يعرف هذا الرجل جيدا ، فقد التقى به مرة أو اثنتين في اجتماعات عمل، وهذا لا يمنحه الحق في المزاح معه ، لا سيما في مسائل شخصية. اتصل سالم عدة مرات بهاتف بيت ناتاشا ، لكن احدا لم يجب . عندها اوصى على سيارة تاكسي ، وذهب الى هناك .في الطريق ، لاحظ الرجل تغييرات كبيرة طرأت على المدينة . فقد ظهرت ناطحات السحاب الزجاجية ، وحلت اعلانات السلع وادوات التجميل ومرابع القمار ، مكان اللوحات التي كانت تمجد العمل ،والحزب الشيوعي السوفياتي ،والصداقة مع شعوب العالم .وطغت التسميات الاجنبية على المحلات الجارية ،وباتت الطرقات مليئة بانواع مختلفة من السيارات الاجنبية .ووجد سالم ، ان المدينة صارت أجمل ،والوانها ازهى. كان النهار في منتصفه . قرع سالم جرس الباب ، ولم يظهر احد . وكرر المحاولة عدة مرات .ولكن دون نتيجة . الصق على الباب قصاصة كتب فيها ، انه في موسكو ، ودوٌن عنوان الفندق والغرفة ، وذكر انه سيعيد الاتصال بهم . كانت نينا اندرييفنا أول العائدين الى البيت ،اخذت القصاصة ، ووضعتها على الطاولة ، وأخرجت نظاراتها الطبية السميكة وثبتتها باتقان على عينيها ، وقرأت العبارات المكتوبة فيها . خارت قواها من هول المفاجأة ،وهوت على الكرسي . اخذت نفسا عميقا وصارت تفكر كيف ستتصرف .فهي لا تستطيع اخفاء القصاصة عن ابنتها ، لأنه سيتصل بالهاتف ،أوربما يأتي مرة أخرى ، وآنذاك ستتوتر علاقتها مع ناتاشا من جديد . لم يبق امامها خيار سوى اخبار ابنتها . وتابعت المعلمة مناجاتها مع نفسها : - قد يكون ظهور سالم المفاجيء في هذه الاوقات مفيدا . فحفيدها الذي دخل مرحلة المراهقة ، صار صعب المراس ،ولا يطيق النقد او التوجيه . فهو يعتقد انه الاذكى ، وصاحب القيادة في البيت، وان الكبار متخلفون عن الزمن ، وهو يعاني الوحدة . ووجود أبيه قد يساعده على تجاوز هذه المرحلة العمرية الخطرة. ثم ان السبب الاساسي الذي دعاها للوقوف في وجه سالم ، وهو وضع زوجها الوظيفي ، انتهى مع وفاة زوجها . وواصلت الام تفكيرها : - على الرغم من ان الوضع المادي في الاسرة معقول ، ولكن وجود سالم سيجعله أفضل ، ويمكنه ان يسهم في تحمل جزء من نفقات ابنه المتنامية . واخيرا سيخفف ظهور سالم من معاناة ابنتها وحزنها المكتوم ، وقد يجعلها سعيدة مرة أخرى . بعد فترة وجيزة حضرت ناتاشا برفقة سالم ، وقد ارتسمت على وجهها علامات الارتياح ، وسالت أمها بصوت مرح : - ماذا لدينا اليوم على العشاء ، فانا جائعة جدا . - وانا كذلك . صرخ سالم من الغرفة الاخرى. وأضاف بلهجة آمرة : - احضروا لي الطعام، فانا اتابع مباراة بكرة القدم على التلفزيون. بعد العشاء ، اخبرت الام ابنتها بأمر القصاصة .وسرت موجة من الارتياح في كيان ناتاشا، التي اعتبرت ، ان ذهاب سالم الى بيتها مبادرة طيبة ، وهي تعني انها لم تغب عن باله . وخاطبت الام ابنتها بلهجة النصح : - ارجو الا تقسي عليه كثيرا ، فهو اجمالا ليس سيئا. - انت تقولى لي هذا ؟ قاطعتهاناتاشا بسخرية - يا الهي كيف تتغير الامور . - - اسمعيني ياابنتي – تابعت نينا اندرييفنا بصوت مرتجف – اريد ان اعترف لك بامر مهم يثقل كثيرا على روحي ، انا التي طلبت من سالم ان يختفي من حياتنا . فعلت ذلك حفاظا على ابيك وعلى اسرتنا .وأرجو ان تتفهمي دوافعي وتسامحيني . - كيف اقدمت على ذلك ؟- صرخت ناتاشا وقد احتقن وجهها من الغضب- وكيف اسامحك ؟ لقد افسدت حياتي ، دمرتي حبي ، قتلت سعادتي . واجهشت الابنة في بكاء مر .فقد صعقت من تصرف أمها ، وزادتها الاسئلة التالية هيجانا : كيف تجرأت أمهاعلى ذلك ؟ ومن منحها الحق في تقرير حياتها؟ وماذا ستفعل بها الآن؟ علا نحيب ناتاشا ، واقتربت نينا اندرييفنا من ابنتها ، وحاولت تهدئتها ، ومسحت بلطف وحنان شعر ابنتها . والتفتت ناتاشا وعانقت امها . بكت المرأتان بحرقة : البنت ندما على سنوات ضاعت من عمرها ، والام حزنا ومواساة لابنتها. انهمرت دموعهما حارة ، غزيرة صادقة . انها الدموع التي تغسل القلوب ،وتطهٌر النفوس من كل خصومة .ادركت المرأتان ، ان نبش الماضي يمكن ان يحرق عيشهما المشترك ، ولذلك قررتا الالتفات الى الحاضر ومواجهة تحدياته (يتبع)


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة