جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصقيع الملتهب -11

المؤلف : محمد خير الوادي . عادت ناتاشا الى الغرفة حيث تسكن، وانهمكت في تحضير وجبة العشاء ، وترتيب ثيابها . ووضعت أطباقا وكأسين وابريق ماء على الطاولة ، وتناولت من الرف كتابا ،وجلست الى الطاولة تقرأ ريثما ياتي سالم.انقضت عدة ساعات ، ولم يحضر الشاب . ساورها قلق شديد ، وفتحت دفترا صغيرا يضم ارقام الهواتف ، واستفسرت عنه في كل مكان : في الكليٌة ، في بيت الطلبة ، اتصلت باصدقائه ، سالت صديقتها في الغرفة المجاورة ، وجاءها جواب واحد : لم نره . ازدادت خشيتها ، وزحفت الافتراضات السيئة الى رأسها : قد يكون سيرغي قد دبرله مكيدة جديدة ،  أو اختطف أو أعتقل ، وقد يكون والدها قد ضغط عليه ، أو .. أو.. وهرعت الى خزانة الملابس وفتحتها وتفقدت محتوياتها ،كان كل شيء في مكانه،ذهبت الى طاولة كتبه ، وهناك لا حظت ورقة مطوية ، فتحتها بيد راعشة وقلبها يخفق بشدة ، والتهمت عيناها الكلمات المكتوبة فيها : "سامحيني ،لا اريدك ان تتعذبي معي أكثر .وداعا . سالم" انقطع نفسُها ، وشعرت بالاقياء ،وأظلمت الدنيا في عينيها ، وفقدت توازنها ، وسقطت على الارض فاقدة للوعي محدثة دويا اثر سقوط الابريق على الارض وتحطمه.اسرعت صديقتها للاستفسار عن سبب الجلبة ، ورأت ناتاشا ممدة على الارض.ارتعبت الفتاة ، واتصلت بالاسعاف واخبرت نينا ادرييفنا . فتحت ناتاشا عينيها ، ورأت وجهي أمها وابيها ، والتفتت حولها باحثة عن وجوه أخرى .، وسألت : - اين انا ، وأين سالم ؟ - انت في المشفى – اجابت أمها -، وقد أخبرنا الطبيب انك حامل .ولم نعثر على اثر لسالم . أخفت الفتاة وجهها بغطاء السرير .فهي لا تريد رؤية احد . وعلا نحيبها ، وارتجف جسمها ، وضمت ركبتيها الى صدرها من شدة معاناتها .حاول ابوها الاقتراب منها للتخفيف عليها ، لكن نينا اندرييفنا افهمته باشارة من يدها : أن دعها وشأنها . فقد فاجأتها هذه الصدمة العنيفة ، و قلبت حياتها رأسا على عقب ، ودمرت احلامها . مضت عدة ايام على وجودها في المشفى ،وبدأت ناتاشا تسترد بالتدريج بعضا من صحتها المنهكة ،ولكن ارتدادات الهزة العنيفة التي اصابتها لا تزال تؤثر فيها . كما عذبتها اسئلة محمومة كثيرة حامت في رأسها: - لماذا اقدم سالم على فعلته هذه ؟ فهو قبل ايام فقط أخبرها انه سيبقى في روسيا ،وعكفا سوية على رسم حياتهما المشتركة على هذا الاساس . وتابعت ناتاشا بألم : - قد يكون سالم قد تعرض لضغط ما نظمه سيرغي ، أو والدها أو جهة أخرى ؟ ولكن لماذا تصرف لوحده ولم يخبرها بهذا القرار المصيري ؟ فهو كان يشركها باتفه الامور . وهل يعقل انه تراجع عن العلاقة معها؟ لم تجرؤ ناتاشا على التفكير في هذا الامر ، وحاولت بكل السبل التماس الاعذار لسالم ، ولكنها لم تستطع حجب الحقيقة الثقيلة التي تئن تحت وطأتها الآن : فهو قد تركها ،وفضل ان يختفي من حياتها .شعرت الفتاة ان فعلة سالم هذه قد امتهنت كرامتها ، وحطت من قدرها أمام اصدقائها وأهلها . وانتابها غضب شديد ،ورغبة في طي صفحة الماضي . حاولت ان تكره الشاب ، ولكنها عجزت . و تذكرت انها حامل منه ، وان جزءا منه ينمو في احشائها ، ثم ان الاوقات السعيدة التي امضتها معه ، ستبقى حية في ذاكرتها ، وحبها له لن تذروه رياح الزمن .ومع ذلك ، فهي لن تغفر له ، و لن تستجديه ابدا ، فكبرياؤها يمنعها من ذلك. بعد ان كتب رسالته القصيرة لناتاشا ، غادر سالم الغرفة محَطما ومحبطا ، ولم يأخذ معه سوى وثائق تخرجه ، وتوجه الى المطار ، واستقل اول طائرة مغادرة من موسكو . اسرع في ترتيبات سفره ، لأنه خاف ان يصادف الفتاة وان تثنيه عن قراره . فهو اقدم على هذه الخطوة، لاعتقاده انها الأفضل لناتاشا ، وتجنبها مزيدا من المشكلات ، ولأنه لم يعد يملك مخرجا آخر. كان القرار صعبا عليه ، فهوقد جزٌ عنق حبه بيده ، واوقد في كيانه كله نار المعاناة التي لن يخمد سعيرها .غادر بجسمه ، لكن روحه وقلبه بقيا في موسكو . وصل سالم الى مطار دمشق حزينا منهكا ، مشوش التفكير.حتى شهادة الدبلوم التي تفقد وجودها في حقيبة يده ، ،فقدت لذتها ولم تخرجه من كآبته، رغم انها كانت الغاية الرئيسية لسفره . خرج من مبنى المطار باحثا عن سيارة تقله الى البيت ، فهو لم يخبر ابيه انه قادم ، ولذلك لم يستقبله احد . ، كان الجو قائظا، خانقا ،رغم غروب الشمس ،وراى بعض الغيوم البيضاء المتناثرة في الطرف الغربي من السماء ، وقد تدثرت بلون اصفرمائل للحمرة ،وسكن الهواء تماما .شعر سالم بوطأة الحر ، وتصبب العرق منه ، فاضطر لخلع سترته السميكة والتي تصلح لأجواء موسكو . أحاط به عدد من السائقين وكل منهم يعرض خدماته . اختار واحدا منهم ، ودهش سائق التاكسي الذي اقله الى بيته ، عندما علم ان زبونه دون حقائب ، وبالمناسبة ، فقد ارتسمت الغرابة ايضا على وجوه مسؤولي المطار الذين نظروا الى المسافر بغرابة و ريبة لأنه لا يحمل شيئا. لم يصدق اخوه الاصغرعماد عينيه عندما فتح باب الدار ، ورأى سالم واقفا أمامه .وثب اليه وعانقه بحرارة ، وركض الى الداخل وهو يصرخ فرحا باعلى صوته : - عاد سالم .رجع سالم  .في صحن الدار ،التمٌت الاسرة كلها بسرعة حوله ، ما عدا ابيه الذي خرج ببطء من غرفته وصافح ابنه ،وقد ارتسمت على وجهه علامات استفها كثيرة .وارادت الام اطلاق زغرودة فرح بمناسبة عودة ابنها الذي لم تره منذ ثلاث سنوات ، ولكن سالم اسرع وعانقها وقبٌل رأسها ، وقال ضاحكا : - اردت ان اعمل لكم مفاجأة . سارت حياة سالم في دمشق وفق الترتيبات التي رسمها والده . فهو قد دخل الوظيفة أولا ، ومن ثم التحق بالخدمة الالزامية في الجيش. خلال وجوده في البيت ، لاحظت والدته ، ان تغييرا كبيرا طرأ على سلوك ابنها ، فهو فقد روحه المرحة ، وصار يلتزم الصمت ،ويؤثر العزلة والانزواء، وتراجعت شهيتة للطعام ، ونادرا ما كان يخرج مع اصدقائه القدامى للسهر . سألته ذات مرة : - ما حل بك ؟ نظر اليها بعينين حزينتين ، وأشاح بوجهه عنها ، وأراد الخروج من الغرفة . امسكت به والدته ، وأجلسته على كرسي أمامها ، وأعادت طرح السؤال مرة أخرى . - لا شيء .اجاب سالم بصوت راعش جاف. - انت تخفي عني شيئا ، وانا اعرفك جيدا ، جئت من روسيا ولم تعلمنا بموعد وصولك ، ولم تحضر معك شيئا، ورفضت اقامة عشاء لاقاربك بمناسبة حصولك على الشهادة وعودتك بالسلامة ،حتى خالاتك وعماتك اللواتي جئن لتهنئتك بسلامة العودة ، لاحظن انك اصبحت باردا وجامدا مثل قطعة جليد.اخبرني ماالذي يثقل عليك ؟ واصلت الام باصرار . تنهد سالم عميقا ، واراد الكلام واخبارها بما يثقل روحه ، ولكنه احجم عن ذلك . - هل السبب تلك البنت الروسية ؟- سارعت الام - وهل وقعت بحبها؟ بالمناسبة لم تعلمني هل اعجبتها الهدايا؟ - نعم – اجاب الشاب . - توقعت ذلك . قالت الام - وهل ستأتي هي الى دمشق ؟ ابن عمك محمود درس في الخارج وأحضر معه عروسا أجنبية مثل القمر . - والداها رفضا ، وخشيت ان اصطدم بابي . اجاب سالم بحزن . - ابوك؟ -علقت الام بامتعاض – هو لا يفقه شيئا في الحب ، امضيت معه سبعة وعشرين عاما ولم يقل لي كلمة واحدة حلوة وانت الآن تبدو مثله تماما ،"طنجرة وغطاها " . ، وتسير على خطاه ، ولا عحب في ذلك ، فالولد سر ابيه . يا ابني ياحبيبي ، من يحب ،يقاتل من أجل حبه ، وانت جبنت و استسلمت بسرعة .ختمت الام كلامها . نكأت هذه الكلمات جراحه كلها ،وشعر انها انغرزت كالمخارز في قلبه .أحقا هو استسلم بسرعة؟ وماذا كان عساه ان يفعل ؟ فالظروف كلها كانت ضده ،وهو اراد ان يجنب ناتاشا حياة صعبة . ولكن ،هل امه على حق ؟ وهل تخاذل حقا ؟وهل موقف امه هذا ازاء ناتاشا صادق ونابع من القلب ، ام انها قالت ذلك نكاية بوالده وبسعاد التي لا تروق لها ؟ اجتاحته دوامة عاتية من الالم والشعور بالذنب وعدم اليقين، ولم يعد يعرف ماذا سيفعل ،وراودته نفسه بالعودة فورا الى موسكو وتصحيح الخطأ الذي ارتكبه . لكن خوفه من سطوة ابيه ، شل عزيمته وكبل قواه ،وأقعده عن تنفيذ قراره.ثم انه قد انفق آخر فلوسه اثناء مغادرته المفاجئة من موسكو . لعن سالم نفسه ,وداخله شعورمرير بالندم و الاحتقار، لانه لا يملك الجرأة على معارضة رغبات والده ، وادرك انه اصبح كورقة عنب جافة ، تذروها الرياح . بعد عدة اسابيع ، جلس افراد الاسرة لتناول العشاء ، وتوجه الاب الى سالم والابتسامة تعلو وجهه قائلا : - لدي اخبار طيبة لك .لقد تم الاتفاق على موعد عرسك مع خطيبتك سعاد ، وحجزنا صالة كبيرة ، وسنبدأ بتوزيع الدعوات . رمقت الام ابنها بنظرة ملؤها الامتعاض والازدراء ، وغادرت بهدوء دون ان تنبس ببنت شفة .وشعر سالم بوطأة هذه النظرة ، وادرك معناها .فهي كأمرأة غير قادرة على الوقوف في وجه زوجها ، وقد عولت كثيرا على سالم ليكون رجلا يحدد مصيره بنفسه ، ولكن أملها خاب . انتفض من الداخل ، واراد الاعتراض على خطط ابيه والتمرد عليها . فهو لم يعد صغيرا حتى تُتخذ هذه القرارات المصيرية بمعزل عنه . ثم كيف يمكن تحديد موعد العرس واسماء المدعويين ،وهو عمليا لا يعرف العروس ،ولم يرها منذ عودته قبل اربعة اشهر ،الا مرة واحدة مع أخيها ، عندما جاءا للسلام عليه ؟ وعزم الشاب على الاحتجاج ، ولكن والده قاطعه بالقول: - لم اكمل حديثي بعد، فوالد خطيبتك ،قدم لك خدمة لا تقدر يثمن . فهو قد تمكن من فرزك الى وزارة النفط ، و ستمضي بقية خدمتك العسكرية هناك كموظف مدني ولكن دون راتب . - وأضاف الاب – ،كما اتفق مع احدى الشركات الخاصة لتعيينك خبيرا لديها بتعويضات مالية مجزية مع سيارة . فلن يعوزك شيء بعد الان ، وستحصل على منصب جيد في الدولة بعد ان تنهي العسكرية. هدأ سالم . ، فالاغراءات الى سمعها للتو ، اخمدت فورة الغضب والتحدي التي اشتعلت في نفسه .وفكر ببرود . هو لن يكون مضطرا بعد اليوم للنوم في مهاجع الجنود التي يضم الواحد منها عشرات الاسرٌة ، وأكل شوربة العدس المليئة بالبحص ، ولا قضاء الوقت واقفا تحت تحت اشعة الشمس الحارقة لتعلم درس تفكيك البارودة الروسية ، أو دروس النظام المنظم ،وتحمل معاملة المدربين الفجة ، والتذلل أمامهم من أجل نيل اجازة ساعية. سارت الامور وفق مشيئة الاب . تزوج سالم من فتاة لا يعرفها عمليا، ولا يحبها .وأحس ان قفص الزوجية لا يختلف كثيرا عن قفص السجن ، فكلاهما متشابهان ، ومن يدخلهما سيمضي أوقاته خلف القضبان . وعلى نقيض حياته الاسروية المتعثرة والباردة ، فقد حقق سالم نجاحات وقفزات كبيرة في السلم الوظيفي بعد انتهاء خدمته في الجيش. فقد انهالت عليه الترقيات ، ووصل الى منصب كبير .وباتت كلمته مسموعة بين الموظفين ، بفضل والد زوجته ، الذي دفع صهره باستمرار نحو الاعلى، ووفر له مظلة متينة من الحماية والرعاية . لم تغب ناتاشا عن مخيلة سالم . فهو كان على الدوام يقارن بينها وبين زوجته الحالية ، واقتنع ، انها مقارنة غير ممكنة ، بين الثرى والثريا ،وبين السماء والارض . فتلك فتاة ذكية ، تحترم نفسها ، وتحبه ومستعده للتضحية بكل شيء من أجله ، بينما لا هٌم لزوجته سعاد ، سوى الاهتمام بشكلها وزينتها ، والدخول في حوارات سخيفة تافهة لا معنى لها ، ومتابعة اخبار المطربين ، وتسريحات شعر المذيعات وممثلات الافلام . هي لا تقرأ ، وتمضي وقتها متنقلة بين الاسواق وبين المقاهي مع صديقاتها ، ولا تهتم بشؤون البيت ولا تجيد الطهي ،وهي قد دخلت الجامعة للوجاهة فقط .حتى والد سالم صار يمتعض من سلوك كنته، وندم على اختيارها زوجة لأبنه ، ولكنه صمت اكراما لأبيها ، بسبب معرفة تربطه به منذ عشرات السنين , و خدماته الجلى لسالم . انقضت سنوات على زواج سالم من سعاد ، وتبين انها عاقر .واقترح الاطباء عليها اجراء فحوص من اجل التلقيح الاصطناعي . وجاءت النتيجة مخيبة . فحتى عملية التلقيح غير مجدية في حالتها . فكر سالم ، قد تكون هذه عقوبة آلهية على تصرفه الشائن مع ناتاشا . وشعر بتبكيت غير مسبوق للضمير ، واشتعل في قلبه الحنين للفتاة ولموسكو ولروسيا ،التي عاش فيها اجمل سنوات حياته . لا بل انه همٌ –ذات مرة – الاتصال بناتاشا أو كتاية رسالة لها ، لكنه تراجع ، فماذا سيقول لها ؟ وبماذا سيعدها ؟ ووصل لقناعة ان الرسالة ستفاقم وضع الفتاة ، وستزيد من آلامها ، وهو لا يريد ذلك .واقلع عن الفكرة نهائيا .(يتبع)


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة