جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصقيع الملتهب- 7

.المؤلف: محمد خير الوادي وصل سالم الى موسكو ، وكانت ناتاشا بانتظاره في المطار. عانقته بحرارة ،وهمست له بخجل : - لقد اشتقت اليك كثيرا ، و طرت فرحا عندما اخبرتني انك ستعود مبكرا . كان الزمن يزحف علي ثقيلا بطيئا كالسلحفاة ، و كنت احصي الايام والساعات انتظارا لعودتك .لقد آلمني فراقك ،وصرت مقتعة ان حياتي دونك صعبة ، ولا أريد ان يتكرر الامر ثانية . ضغط سالم على يدها ، واراد تقبيلها ، لكنه استحى من وجود ركاب آخرين في الحافلة واكتفى بضمها ، وقلبه يكاد ان يقفز من صدره فرحا . فهو لم يصدق أذنيه وهو يسمع من ناتاشا هذه البوح الحار الصادق النابع من القلب . لقد اراد ان يبثها ما كابده ايضا ،وكيف كان يحلم بها ، يذوب في ذكراها ، لكن الحياء غالبه .ثم انه اعتقد، ان كلمات الغرام والحب تفقد بريقها سخونتها وطلاوتها ،ان هي قيلت على الملأ ،لا سيما وسط حافلة مزدحمة ، حيث بالكاد تجد موقعا لقدميك. كان على سالم ان يلتفت الى معالجة مسألة الندوة التي اخترعها ، والتي تذرع بها لتقديم سفره من دمشق . فهو يعرف ان حبل الكذب قصير ، وان افتضاح أمره سيخرب علاقاته بوالده .بعد ان قلب الامور لعدة ايام ، اهتدى الى فكرة اعجبته ،وهي تسطير رسالة الى ابيه يعلمه فيها ، ان الندوة هي فعالية محلية تنظمها كليته ، ولا تشارك فيها وفود أجنبية ، وانه سيلقى محاضرة فيها . نعود الان الى سيرغي .كان هذا الشخص مصابا بداء الغرور ،.وقد ارشدته انانيته المفرطة الى فرز الآخرين وفق معادلة :من يخضع لنزواته فهو معه، ومن يعارضه فهو في حكم العدو .وكان المحيطون به يهابونه لا لقوة في شخصيته او منطق في تفكيره ، وانما دفعا لشره، وكان مصدر قوته يكمن في علاقته مع بعض اجهزة الامن وقدرته على تدبيج التقارير السرية المؤذية او الرسائل المغفلة التوقيع. ويملك هذا النمط من البشر -عادة - ذاكرة قوية ولسانا سليطا ،وتتحكم به رغبة جامحة للانتقام من كل يقف من بوجهه.لم ينس سيرغي ما مافعلته به ناتاشا ، وكيف عرٌته و ادمت غروره الشخصي .ولذلك قرر تصفية حسابه معها ، وبدأ – فيما اعتقد ه - بالحلقة الاضعف والنقطة الاكثر ايلاما لها ,وهو سالم . بعد عدة شهور ،علمت ناتاشا من صديقة لها تعمل في مكتب الطلبة الاجانب في الجامعة ، ان عدة اشخاص قابلوا العميد ، واستفسروا منه عن سلوك سالم ومستوى دراسته ، ومواقفه السياسية ، وان " الزوار " قد حملوا معهم تقريرا يلصق تهما خطيرة بالشاب . فهو- وفق التقرير- يقيم علاقات مع ابناء اشخاص روس ذوي مراكزهامة ، ويستغل ذلك لجمع معلوما ت حساسة لصالح جهات أجنبية ،وختمت صديقتها حديثها بالقول : - لقد نفى العميد كل هذه الاتهامات ، وأكد بان الطالب من دولة صديقة، وهو متفوق في دراسته ،ويشارك بفاعلية في انشطة الجامعة الفنية والثقافية . ادركت ناتاشا ان سيرغي يقف وارء هذا كله ،وصعقت من الانحطاط الاخلاقي الذي انزلق اليه احد قادة منظمة الشبيبة ، ومن دناءته ، وافترضت ، انها هي المقصودة من فعلته الحقيرة هذه . فسالم صديقها ، ووالدها يعمل في مركز حساس في الجيش. قررت الفتاة عدم التراجع امام سلوك سيرغي الدنئء ،ولذلك ضاعفت من لقاءاتها بسالم ،وباتت تجلس معه في مقهى الجامعة,وتلاطفه أمام الجميع . لا بل انها طلبت منه – ذات مرة –ان ينتظرها امام غرفة قيادة منظمة الشبيبة ، حيث شاركت هي في اجتماع هناك ، وعندما خرجت هرولت باتجاهه ،ملقية على من حولها نظرات فيها الكثير من التحدي ، و امسكت بذراعه بقوة وسارت معه . كانت الفتاة ترمي من وراء هذه الخطوة اغاظة سيرغي، وافهامه انها لا تخشاه ،وان تصرفاته المنحطة لا تؤثر فيها. رأي سيرغي الشابين وهما ملتصقان ببعضهما في ممر الجامعة ، فاشتعل غضبا وغلى الدم في عروقه .وأكثر ما ضايقه ، هي ان زملاءه كلهم باتوا يعرفون ،ان ناتاشا هي التي نبذته وفضلت شخصا آخر عليه . وأدرك سيرغي ان استمرار هذا الامر- سيرتد عليه وبالا، وسينال من هيبته ويضعف موقعه ونفوذه في الجامعة .ولذلك قرر الحد منه باي ثمن . في احدى امسيات الشتاء القارص ، وبينما كان سالم عائدا الى بيت الطلبة من لقائه بناتاشا ،اعترضه رجلان يرتديان معطفين سميكين ،ويلفان جيديهما بوشاحين صوفيين اخفيا معالم وجهيمها.لم يعر الشاب اهتماما للرجل الذي اعترض طريقه ، وظنه احد السكارى الذين افرطوا بالشراب ويترنح على غير هدى مصطدما بالمارة. كان الثلج يتساقط بغزارة ، واضواء مصابيح الشارع المثبتة على اعمدة عالية ، بالكاد تخترق العتمة . حاول سالم الابتعاد .لكن الرجل عاد مرة اخرى ووقف أمامه . دار نحو الوراء واراد العودة ، واذ بشخص اخر يمنعه من المشي .وشعر سالم ان الامر مقصود ، وان الرجلين يحاولان النيل منه .اقترب احدهم منه وخاطبه بلهجة فجة : - انت ايها الحشرة السوداء ،اذا لم تترك بنتنا ، سنحطم اضلاعك . وحاول توجيه لكمة له ، لكن سالم ابتعد قليلا وأحنى رأسه بخفة، فذهبت اللكمة في الهواء واختل توازن الرجل وسقط على الارض. عندها عاجله الشخص الاخر بضربة قوية عل كتفه . ورد سالم بتوجيه ركله قوية من حذائه السميك الى ساق الرجل ،الذي سقط على الارض وهو يصرخ من الالم .ادرك سالم ، انه وقع في مصيدة ، ولذلك اطلق ساقيه للريح .ركض الطالب ولحقه احد الرجلين ، وتمكن الطالب من الوصول بسلام الى بوابة دخول الجامعة . اخبر الشاب صديقته بما جرى معه ليلة أمس .هالها الخبر ، وارتعبت من وصول الحماقة بسيرغي حد التخطيط بالحاق الاذى بسالم . بعد تفكير ملي قالت الفتاة : - اظن انه من الافضل، حتى اعالج الامر ،ان نلتقي ، في اماكن تعج بالناس ، وفي اوقات تكثر فيها المارة في الحدائق .- نصحت ناتاشا ،واردفت متسائلة : - هل رايت وجهي الرجلين ، وهل تتذكر ملامح اي منهما ؟ - لا – اجاب سالم -، كل ما اذكره انني ركلت احدهما في ساقه وسقط على الارض. بعد اسبوع ، حضرت ناتاشا اجتماعا للشبيبة ، ورأت سيرغي وهو يعرج من رجله اليسرى . داخلها الشك، وكلفت احدى زميلاتها الاستفسار عن سبب عرجه ، وجاءها الجواب : - هوقال انه تزلحق على الجليد في الشارع ، وارتطم بعامود هناك واصيبت ساقه برضوض بسيطة ، وأخبره الطبيب انه سيتعافى قريبا . بعد الاجتماع ، اقتربت ناتاشا من سيرغي ، وسألته : - ماذا حدث لك ، وهل الاصابة خطيرة ؟ ذهل سيرغي من مبادرة ناتاشا الحديث معه، واحمر وجهه واجاب متلعثما : - انه حادث بسيط . – وكرر ما رواه سابقا لصديقتها . اعتقد سيرغي ان ما حدث قد ارعب ناتاشا ودفعها لمراجعة حساباتها، وانها على وشك اعادة النظر بعلاقتها مع صديقها الاجنبي ، ولذلك بادرها بالقول ملاطفا: - ناتاش،شكرا لاستفسارك عن صحتي ، وآمل ان ينتهي سوء الفهم الذي حصل بيننا ، فانا اقدر عملك كثيرا واريد .. لكنه ناتاشا لم تعطه فرصة الاسترسال في حديث لا تريده ، وتدخلت بلهجة حازمة: - لو كان كلامك صحيحا لما قدمت شكوى ضدي الى قيادة الشبيبة . - كانت هفوة سخيفة من جانبي ، وارجو ان تفهمي دافعي لذلك . - تمتم سيرغي-. قاطعته ناتاشا بغضب : - دعني اكمل حديثي . لقد بت ، متأكدة الآن ، ان ما جرى لرجلك لم يكن نتيجة ارتطام بعامود ، بل بسبب آخر انت تعرفه . مارأيك ، في اخبار الشرطة وتقديم دعوى رسمية بحقك بتهمة محاولة قتل مواطن اجنبى ؟ - محاولة قتل ؟ انت تهذرين . لم ارتكب شيئا مخالفا للقانون .صرخ سيرغي. - هناك من رآك اثناء الحادثة وانت تنهض وتنفض الثلج عن سروالك وتمشي وانت تعرج ، وقد عرفك وهو مستعد للشهادة أمام الشرطة والقضاء .اضافت ناتاشا بهدوء . وستقوم لجان طبية بفحص رجلك ، والوقوف على سبب الاصابة .وانت تعرف الاهوال السوداء التي تنتظرك . اضطرت ناتاشا لاختراع مسألة الشاهد لتخويف سيرغي ، فهي تعرفه جيدا ، فهو جبان أمام وجود ادلة دامغة. صعق سيرغي واحتقن وجهه ،وصار يتمتم بكلمات غير مفهومة .وارتعدت مفاصله خوفا ، وشعر بعجزه التام . وصمت برهة ثم قال بلهجة تصالحية مخاطبا الفتاة: - نحن زملاء في منظمة الشبيبة ، ولا حاجة لتعقيد الامور . وكل ما حدث كان سببه حرصي على الصداقة معك . - الصداقة معي – علقت ناتاشا بلهجة ساخرة –، شوهت سمعتي في منظمة الشبيبة ، واحرجتني أمام زملائي ،واردت الايقاع بطالب اجنبي بريء بسبب صداقته معي واعتديت عليه ، والآن تتحدث عن الصداقة معي ! - ناتاش ، دعنا نسوي الامور بيننا ، وننهي خصامنا- رجا سيرغي . - انا لم ابدأ الخصام معك ، ولا اريد التصعيد ، دعني وابعد عن طريقي ، وانا لن امسٌك ولن اتدخل في شؤونك.- وتابعت الفتاة - انت شاب طموح ، و ينبغي ان تفهم، ان تعاملك مع الناس باسلوب الابتزازوالتخويف لن يثمر معي . - حسنا .. حسنا، فلنتصالح الان وليسير كل منا في حال سبيله ، وننسى ما حصل ، وانا اعدك انه لن يتكرر.قال سيرغي بصوت خنوع. - آمل ذلك .علقت الفتاة وغادرت دون وداعه. تراجع سيرغي ،ولكن ، الى حين، وبقيت جذوة الانتقام من ناتاشا ملتهبة في نفسه . فهو لن ينسى ابدا ، انها الفتاة الوحيدة التي اذلته امام زملائه ، وانها اليوم تفوقت عليه مرة أخرى . وقال في نفسه : -انا خسرت معركة ، ولم أخسر حربا ، وليس انا من يقبل الهزيمة .والايام بيننا . (يتبع)


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة