جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
ترامب وتصفية الحسابات

كتب محمد خير الوادي :
تمهلتُ في الكتابة عن ترامب ، حتى اتبين الخيط الابيض من الاسود ازاء هذه الشخصية الغامضة  ،التي اتت من خارج المؤسسات الامريكية التقليدية، لتتقلد اعلى منصب في أمريكا . والآن ، وبعد ان هدأت نسبيا الزوابع التي اثارها انتصار ترامب ،

لا بد من طرح سؤالين اساسيين هما :لماذا اتي ترامب ؟ والى اين سيمضي في سياسته وما هي حدوده؟ برأي ، ان ترامب لم يشق طريقه الى البيت الابيض بفضل قدراته الشخصية الاستعراضية ، ولا بسبب سطوة امبراطوريته الاحتكارية ، بل جاء لان قوى وازنة في المجتمع الامريكي تمردت على النظام التقليدي القائم هناك . وقد وجدت هذه القوى في ترامب وسيلة لتصفية حساباتها وتغيير الوضع القائم في واشنطن . وأعتقد ، ان عاملين اثنين قد سهٌلا وصول ترامب الى البيت الابيض، وهما : الغضب المتنامي الذي اعتمل في نفوس قادة الشركات الامريكية المتضررة من التطبيقات الخاطئة لنظام العولمة ، والرغبة العنصرية للفئات الانكلو -ساكسونية البيضاء في المجتمع الامريكي "لتنظيف امريكا من البقع السوداء التي تركها حكم الملونيين والاقليات ممثلا بأوباما . فيما يخص العامل الاول ، فقد ارست القوى الحاكمة في امريكا خلال العقود الاربعة الماضية ما سمي بنظام العولمة ، الذي قام على اساس استخدام الدولار والنظام المالي الامريكي وسيلة للهيمنة الاقتصادية على العالم وامتصاص خيراته . وخلال هذه العقود الاربعة حققت امريكا من سياسة العولمة هذه ،ارباحا تقدر بعشرات التريليونات من الدولارات. وكانت عملية تكديس هذه الثروات الطائلة بسيطة للغاية : فقد كان كافيا القيام بتصدير الدولار الورقي المطبوع في امريكا دونما رصيد من الذهب، والمدعوم بالقوة العسكرية الامريكية ،الى الدول الاخرى. وبهذه الطريقة اصبح الدولار وسيلة اساسية لنهب الاخرين وزيادة ثروات الطغمة المالية والبنكية الامريكية . لكن الادمان الطويل الامد على سياسة العولمة - وهنا بيت القصيد -، ترك مشكلات خطيرة داخلية وخارجية لأمريكا . وأولى المشكلات الداخلية تجلت في انحراف مركز الثقل في الاقتصاد الامريكي من القطاع المنتج ، الى قطاع المضاربات المالية .وقد خلف هذا الانحراف موجة من الازمات العميقة ، كتلك التي ضربت قطاع العقارات عام 2008 ، والازمة الحالية التي سببت اغلاق سبعين الف معمل صناعي امريكي ،والقت في شارع البطالة بملايين العمال والفنيين من الطبقة الوسطى .كما تفاقمت الامور المعاشية والخدمية لعشرات الملايين من الشعب الامريكي .و مما زاد الطين بلة ، ان تلك الاموال الطائلة التي حصلت عليها امريكا نتيجة سياسة العولمة ،لم تنفق على ازدهار البلاد والسكان ، بل طار نصفها على المغامرات العسكرية التي قامت بها الادارات المتعاقبة في كل من افغانستان والعراق وغيرهما .والنصف الآخر دخل جيوب الطغمة المالية البنكية . وثاني هذه المشكلات الداخلية ، تمثلت في اقصاء المجمع الصناعي- الانتاجي الذي صنع المعجزة الامريكية ،عن مركز القرار في البلاد . لا بل ان اغلبية الشركات العملاقة التي اسهمت في بناء مجد امريكا ، وجدت نفسها اما مُفلسة واما مضطرة لنقل فعاليتاها الانتاجية الى خارج أمريكا ، او عرضة لمنافسة الشركات الاجنبية التي اقتحمت السوق الامريكية بتقنية عالية وسلع منخفضة التكلفة . هذا التحول خلق نقمة عارمة في نفوس ملايين الامريكيين على النظام القائم في البلاد . والمشكلة الثالثة للعولمة على الصعيد الداخلي ،تجلت في انعدام الاصلاحات الاقتصادية والسياسية الجذرية. لقد اعتبرت النخب السياسة الحاكمة في امريكا ان الوضع القائم مريح لها ، وانه لم تعد هناك حاجة لتجديد البرامج والقيادات السياسية ،وان الاسلوب التقليدي السائد هو الافضل لادارة البلاد .ولذلك وقفت بعض قيادات الحزب الجمهوري ضد ترشيح ترامب . اضافة الى عداوة الحزب الديمقراطي الطبيعية له . اما المشكلات الخارجية التي خلفتها العولمة بالنسبة لامريكا ،فقد تمثلت في بروز الصين كمنافس قوي.لقد كانت الصين في طليعة دول العالم التي استفادت من العولمة الامريكية .فهذه العولمة فتحت الاسواق الامريكية امام البضائع الصينية الرخيصة ، حيث وصل حجم التبادل التجاري السنوي بين البلدين الى 560 مليار دولار 80% منه لصالح الصين ، اضافة الى نحو الف مليار دولار وظفتها الحكومة الصينية في سندات الخزانة الامريكية . ثم ان الصناعة الصينية قد حصلت على التقانة والاستثمارات الامريكية المتقدمة ، وهناك مئات الالاف من الطلاب الصينيين الذي درسوا في امريكا ، وهم الان يقودون الاقتصاد الصيني .وليس مصادفة ان يتهم ترامب الصين بالتسبب في افلاس المصانع الامريكية وظهور ما يسمى بحزام المعامل الصدئة الامريكية .ولا بد من الاشارة كذلك في هذا الاطار الى اعلان الصين تمسكها بسياسة العولمة ردا على تصريحات ترامب -، لا بل ان الرئيس الصيني شي جين بينغ كان ارفع مسؤول صيني منذ العام 1971 - يشارك في منتدى دافوس الاقتصادي ، الذي يعتبر رمزا للعولمة . والمشكلة الخارجية الاخرى التي تمس العولمة ، تبرز في قناعة الامريكيين – او على الاصح جزء كبير منهم - ،في ان قسما كبيرا من الاموال الامريكية قد ضُخ الى الى الخارج ، وان هذه الاموال قد اسهمت في خلق منافسين حقيقيين لأمريكا ، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأوربا والمكسيك والبرازيل . لقد باتت فئات سياسية واقتصادية في أمريكا تنتقد سياسة العولمة التي مارستها الادارات المتعاقبة في امريكا، وتطالب بالتخلي عنها . وقد ركب ترامب هذه الموجة من أجل الدخول الى البيت الابيض ، ولذلك سارع الى الخروج من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي التي تضم حلفاء امريكا ، والتي لم يصادق الكونغرس عليها اصلا . (بالمناسبة الصين، وهي المتهمة الاولى من جانب ترامب في افلاس المعامل الامريكية ، ليست عضوة في هذه الاتفاقية ، لا بل ان ادارة أوباما صممت هذه الاتفاقية لعزل بكين )!. وفيما يخص العامل الثاني الذي سهل لترامب الوصول الى البيت الابيض، فان النزعات العنصرية البيضاء في المجتمع الامريكي ، قد وجدت في ترامب ضالتها " للثأر" من حكم الملونين ، والتخلص من نفوذ الاقليات الذي ازداد في ظل ادارة اوباما .وقد تحول ترامب الى ما يشبه "البلدوزر " العنصري لمسح آثار أوباما الداخلية كلها . وقد تجلت مشاعر ترامب العنصرية هذه في مواقفه المعادية للمواطنين الامريكيين من اصل اسود وللسكان المنحدرين من دول أمريكا اللاتينية ، و لمسلمي امريكا . حتى الهنود الحمر لم يسلموا من موجة الثأر هذه . وجسد ترامب مشاعر الكراهية والاستعلاء هذه ازاء " الاقليات " الامريكية بالقرارات الاستعراضية التي اتخذها ، والتي لاتنم عن عقل دولة ناضج. فهو قد قلص بمرات، عدد السود في ادارته ، وأطلق تصريحات معادية للمسلمين ،ومنع مواطني سبع دول مسلمة من دخول امريكا، وبدأ حملة "لاصياد" المهاجرين من أمريكا اللاتينية ،ويضغط لبناء جدار الفصل العنصري على الحدود مع المكسيك - الصديق والجار التاريخي لامريكا ، وضرب عرض الحائط بكل اعتراضات الهنود الحمر واحتجاجتهم ، عندما اصدر قرارا بالموافقة على بناء خط لانابيب النفط عبر اراضيهم . وكان أوباما قد رفض التوقيع على تنفيذ هذا الخط بسبب اعتراضات الهنود الحمر . ونعود الان الى السؤال الثاني : الى اين سيمضي ترامب ؟ اعتقد ان الاهداف التي اراد ترامب تحقيقها من قراراته الاستعراضية الاخيرة هي : أولا ، ارضاء القوى التي صوتت الى جانبه ، وثانيا ،اثبات مصداقية الوعود التي اطلقها في حملته الانتخابية ، وثالثا ابتزاز الاطراف والدول التي استهدفها بمراسيمه من أجل الحصول على شروط تفاوضية افضل مستقبلا . ورابعا ،ارضاء نزعته في التميز عمن سبقوه من الرؤوساء . وسيستمر ترامب في التعبير عن مصالح القوى التي دعمته ، والتي تتلخص في توفير ظروف افضل لانتعاش الصناعة الامريكية وابتزاز الشركات الاجنبية لتقديم تنازلات للامريكيين .ولكن هذا التوجه يحمل في طياته مخاطر جسيمة ، منها هروب الاستثمارت الاجنبية من أمريكا الى دول آمنة أكثر ، والاصطدام بحيتان المال والبنوك الامريكيين الذي اعتادوا تحقيق ارباح خيالية بسهولة ويسر . وهذا سيفجر مشكلات حقيقية في وجه ترامب .ولذلك ،فان هذه الموجة الاستعراضية من القرارات لن تدوم طويلا لعدة اسباب اخرى ،منها ، ان النظام السياسي الامريكي يمنع ظهور ما يسمى بالزعيم الاوحد، حتى ولو كان ترامب يطمح الى ذلك . فهناك عقبات كأداء دون هذا الامر ، منها النظام الفيدرالي الذي يوفر لكل ولاية حرية عدم الالتزام بقرارات الحكومة الفيدرالية ، ووجود مجلسي للكونغرس يملكان صلاحيات حقيقية في مراقبة تصرفات الرئيس وسياسته الداخلية والخارجية ، ووجود الدولة العميقة القائمة على مؤسسات مالية واقتصادية وعسكرية واعلامية قوية .صحيح ان الاغلبية البرلمانية هي من الجمهوريين - حزب الرئيس ، ولكن الصحيح ايضا ان تصرفات ترامب قد تصطدم ايضا يالقيادات التقليدية المحافظة من الجمهوريين ، الذين لن يكونوا – بالتأكيد - سعداء بقرارات متسرعة لا تأخذ رأيهم .كما يجب ان نأخذ بعين الاعتبار كذلك ، ان مواقف ترامب العنصرية ازاء مواطني امريكا الملونين ، ستسبب صداعات عميقة في المجتمع الامريكي في طليعتها ، انهيار قيم الديمقراطية والمساواة التي فاخرت بها أمريكا منذ تأسيسها .ثم انه لا بد من الاشارة كذلك الى ان العولمة ليست كلها مساويء – كما يقول انصار ترامب ، فالعولمة وفرت لأمريكا سبل نهب ثروات العالم ، و اعطتها امكانية الهيمنة السياسية على القرارالدولي . واذا كان موالو ترامب يتحدثون اليوم عن مثالب العولمة ، فان الجزء الاكبر من الطبقة السياسية الامريكية لها رأي آخر مناقض ، وهي تعتقد ان المشكلة ان- كانت موجودة اصلا – لاتكمن في العولمة بذاتها ، بل في السياسات الخاطئة التي طبقها كل من بوش الابن واوباما . وهذان الاثنان خرجا من السلطة . وفي حقيقة الامر ، فان ترامب لا يستطيع – حتى ولو اراد – ان يغلق ابواب التعاون الاقتصادي الامريكي مع العالم ،وان يبني الاسوار حول امريكا . فنظرة واحدة الى طبيعة الاقتصاد والتطور في أمريكا تشير ، الى ان معظم الاستثمارات في الاقتصاد الامريكي اليوم ليست امريكية بل هي هولندية وصينية وروسية وخليجية عربية ، اضافة الى ان التقدم العلمي الامريكي قائم في معظمه على اصطياد العقول الاجنبية وترغيبها في العمل في امريكا .فضلا عن مساهمة الشركات الاجنبية الكبرى في جعل امريكا تتربع حتى الان على عرش الاقتصاد العالمي .ولذلك نقول لأولئك الذي روجوا لمقولة ان مجيء ترامب سينهي العولمة وسينهي الدور الامريكي في العالم ، بانهم قد تسرعوا في اطلاق هذا الحكم . يمكن ان يولي ترامب اهتماما اكبر في سنته الاولى للقضايا الداخلية وللسعي الى تضميد الجراح العنصرية التي سببها للاقليات اللاتينية والافريقية والاسلامية والهندية في امريكا ، لكن ينبغي ان لا نتوقع بان أمريكا ستكف في عهد ترامب ، عن سياستها العدوانية التوسعية ،وعن دعم العدوان الاسرائيلي والتدخل في شؤون الدول الاخرى .لقد رفع ترامب شعارنهوض امريكا و تخفيض الاعباء عن سياستها الخارجية ،لا تغييرها ، وهذا يعني ان نزعة الهيمنة والعدوان لن تنتهي في هذه السياسة ، وان جل ما في الامر ،ان ترامب سيحاول اجبار حلفائه واصدقائه على تحمل تمويل هذه السياسة ودفع نفقات المغامرات الامريكية التي ستتواصل في العالم . 30/1/2017


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة