جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
قميص شيفارنادزا وانهيار الاتحاد السوفياتي

كتب محمد خير الوادي:
لم تكن لقاءاتي مع ادوار شيفارنادزة مبرمجة  او معدة مسبقا ، ولم تحمل الطابع الصحفي ، بل تمت  في معظمها على هامش احداث وجدت نفسي موجودا  او مشاركا فيها . فضلا عن ان هذه  اللقاءات  كانت متقطعة و جرت  في  فترات زمنية متباعدة امتدت نحو عقدين

. ومع ذلك ،اتذكر لقاءين مهمين جمعاني مع ادوارد شيفارنادزا وزير الخارجية السوفياتي وفيما بعد رئيس جمهورية جورجيا ، الاول تم في بكين عام 2003 بمبادرة من السفير الجيورجي في الصين في اطار مجموعة السفراء الناطقين بالروسية في الصين – وكنت واحدا منهم - ، واللقاء الثاني جرى عام 2009 في اطار مؤتمر فالداي الفكري التي تدعو اليه سنويا السلطات الروسية ، ويحضره عدد كبير من السياسيين والمهتمين بقضايا روسيا والعالم .كان الموضوع الاساسي الذي شغل بالي في هذه اللقاءات هو ،كيف يفسر احد السياسين الكبار في الاتحاد السوفياتي انهيار هذه الدولة العظمى ، وماهي اسباب ذلك – من وجهة نظره ، وهل صحيحة المقولة التي اعجبت شيفارنادزا ومفادها ،ان جورجيا انجبت شخصيتين كبيرتين ، الاولى وهو ستالين الذي بنى الاتحاد السفوياتي ، والثانية وهي شيفارنادزا ، الذي اسهم في انهيار هذه الدولة ، وما سر سعي شيفارنادزا الدائم للتقرب من الغرب .وقد طرحت الاسئلة المتعلقة بهذه الموضوعات على آخر وزير خارجية سوفياتي بين اعوام 1985- 1990، وثاني رئيس جمهورية لجورجيا المستقلة .وفي كل مرة ، لم اشعر ان شيفارنادزا كان ممتعضا من ذلك ، ولم يحاول التهرب من الاجابة ، بل كان يردد باستمرار: مشكلتي الاساسية هي عدم كفاية الوقت وانا ارغب فعلا في ان يعرف الناس الحقيقة . في بكين التقيت به خلال لقاء خاص نظمه السفير الجيورجي هناك لعدد من السفراء الناطقين بالروسية .كانت الاسئلة تدور حول نتائج زيارته كرئيس لجورجيا الى الصين ، وحول التحركات الشعبية العارمة التي كانت تجري في بلاده . لم اتكمن من لجم رغبتي في الاستفادة من هذا اللقاء النادر لطرح السؤال الذي شغلني لسنوات وهو : لماذا انهار الاتحاد السوفياتي ؟ ساد الحضور صمت عام وبدا بعض الحرج على السفير الجيورجي . نظر اليٌ الرئيس شيفارنادزة بتمعن وببعض الاستغراب ، وكان معه حق ، فالسؤال كان خارجا عن السياق العام للقاء الذي خصص للعلاقات الصينية الجيورجية . لكن المزاج الطيب للرئيس اثر زيارته الناجحة للصين ، والتأثير السحري للنبيذ الجيورجي المشهور الذي كان يتناوله، رطبا الجو . قال شيفي ( وهو اللقب المحبب اليه في الغرب وفي بلاده ): يهئء لي انني التقينا سابقا : اجبينه نعم عدة مرات في موسكو على هامش زيارات لوفود سورية. قال ، اهلا بك. لقد زرت سورية منذ فترة طويلة ، وتركت هذه الزيارة عندي انطباعات لا تنسى عن جمال بلدكم وكرم ضيافة شعبه المماثلة للشعب الجورجي.فيما يتعلق بسؤالك المهم ، اعتقد ان بذور انهيار الاتحاد السوفياتي كانت موجودة في الاساس الذي اشيدت عليه هذه الدولة . وقد تجلى ذلك في التمسك بمقولة ان لكل جمهورية الحق في الخروج الطوعي من الاتحاد ،وكذلك في بناء الدولة السوفياتية على اساس عرقي وليس وطني . فكل قومية حافظت على كيانها الثقافي والتاريخي ، وحتى هياكل السلطة المحلية في الجمهوريات الاتحادية كانت تعكس ذلك وتشجع على الانفصال . لذلك ،عندما ضعفت الروابط الاتحادية اثر تفاقم المشكلات وزياة التعفن في حلقات السلطة الاتحادية العليا ، اكتشفت الجمهوريات الاتحادية انها قادرة على الوجود المستقل خارج الاتحاد .كما فاقمت الازمة الاقتصادية الاوضاع ، واستنزف سباق التسلح الرهيب الموارد الاقتصادية، وتراخت القبضة الحديدية للسلطة المركزية . لم يعد الوجود داخل كيان الاتحاد مغريا – كما كان في السابق -، ولذلك شهدنا موجات من السباق بين الجمهوريات المكونة للدولة الاتحادية للخروج منها . تناول الرئيس جرعة من النبيذ ونظر الى بود وقال : هل هناك اسئلة اخرى ؟ اجبته: هناك الكثير . قال : مسموح ان تطرح سؤالا آخرا فقط ، لان الوقت يداهمني . قلت له : لقد امضيتم فترة طويلة في هرم السلطة الحزبية والسياسية في الاتحاد السوفياتي ، لماذ لم تحاولوا اصلاح الامور وتفادي هذا السقوط المأساوي لهذه الدولة العظيمة ؟ اجاب :لا اوفق على تقيمك بان سقوط الاتحاد السوفياتي كان مأساويا .واعتقد بان الرأي نفسه موجود لدى زملائي في اغلب الجمهوريات التي كانت مكونة للاتحاد – بما في ذلك روسيا الاتحادية -.معضمنا اعتبر انه اكتسب الاستقلال والحرية والسيادة ، وهذا مؤشر على عمق الازمة التي كانت موجودة في الاتحاد السوفياتي . على الصعيد الشخصي بذلت جهودا مخلصة لمكافحة مرضين الما بحالة الاتحاد هما ، الفساد وسباق التسلح . عندما كنت مسؤلا في جورجيا نظمت حملة شاملة لاستئصال مافيات اقتصاد الظل والقضاء عليها ، ولكنني اعترف بانني اخفقت في ذلك لانني كلما حاصرتهم في مكان محدد ، كانو يتسربون الى امكنة اخرى خارج سيطرتي . شعرت بان الفساد كان محميا ومفيدا للبعض . وبالنسبة للتحدي الاخر الذي واجه الاتحاد السوفياتي وتمثل في تفاقم زيادة التسلح وانتقاله الى الفضاء ، فقد وضعت نصب عيني هدفا منذ تعييني وزيرا للخارجية السوفياتي عام 1985- عندما غادراندريه غروميكو هذا المنصب ليصبح رئيسا لمجلس السوفيات الاعلى – هدفا اساسيا وهو تطبيع العلاقات مع الغرب . لقد فتحت اقنية واسعة للحوار مع الغرب وخاصة مع الولايات المتحدة ، وشعرت بان العقبة الاساسية التي تعترض تطبيع علاقاتنا مع الدول الغربية ،تمثلت في غلبة لغة الاحلاف العسكرية وقعقة السلاح على الدبلوماسية الهادئة . بت مقتنعا بان وجودنا العسكري في الدول الاخرى بات مضرا بمصالحنا ويعطي نتائج عكسية على الاوضاع الداخلية في دول ما كان يعرف بمنظومة معاهدة وارسو . لقد شعر قادة هذا الدول بانهم محميٌون بالدبابات السوفياتية ، ولذلك رفضوا كل دعوة للاصلاح الداخلي ، ومارسوا سياسات غير شعبية وباتوا في النهاية عبئا علينا وليس سندا لنا .ولذلك دعمتُ التوجه الى سحب القوات السوفياتية من المانيا الديمقراطية عام 1989. وعندما فعلنا ذلك انكشف ضعف الوضع السياسي هناك وانهار جدار برلين .وكنت على قناعة بضرورة التخلص من حلف وارصو لعدة اسباب ، الاول: لانه اصبح وسيلة لحماية الاستبداد الداخلي في الدول المشاركة فيه في اروبا الشرقية ، ولم يعد حاميا للامن والسلام والاستقرار في تلك المنطقة ، والثاني لانه شكل عبئا ماليا كبيرا على موازنة الاتحاد السوفياتي ، والثالث لان وجوده يغذي استمرار الحرب الباردة وسباق التسلح ،ويمنع تطبيع العلاقات مع الغرب واقامة البيت الاوربي الموحد .واضاف شيفارنادزا: المشكلة ان الوقت التي مارسنا فيه هذه الاصلاحات في السياسة الخارجية لم يكن ملائما ، والاحداث الجارفة التي اجتاحت بعض دول اوربا الشرقة – واقصد الانتفاضات الشعبية هناك – عقدت كثيرا مهمة الاصلاح وعجلت بالانهيار .انهى الرئيس شيفارنادزا حديثه ووجه نظرة اليٌ قائلا :المس في عينيك تعطشا لمزيد من الاسئلة ، لكنه الوقت . والتفت الى سفيره الجالس الى جانبي وسأله مبتسما: هل يمكن ان تعطي سفير سورية ، وهي البلد العزيز على نفسي ، امكانية طرح سؤال اخير ؟ ارتبك السفير ولم يعرف ماذا يقول ، فعاجله "شيفي" بالقول : يبدو ان الصمت علامة الموافقة . وتوجه اليٌ قائلا: هل لديك سؤال آخير : قلت له سيادة الرئيس اشكركم على هذه الفرصة النادرة والتي قد لا تكرر ، لدى سؤال عن دوركم في الحرب التي شنتها امريكا على العراق ، يقال الكثير عن ذلك ،بما في ذلك انكم ساندتم هذه الحرب التي خربت العراق .تجهم وجه الرئبس ، و اختفت ملامح الود والمجاملة من وجهه، وثبت نظرة صارمة نحوي وقال : هذا اتهام باطل ، نحن لم نساند السياسة الامريكية ازاء العراق.عام 1990 بذلت جهودا كبيرة من أجل عدم مفاقمة العلاقات بين بغداد وواشنطن . كانت المشكلة الاساسية هناك ان صدام قد احتجز ملايين المواطنيين الاجانب بما في ذلك امريكيين وغربيين ، اضافة الى غزوه للكويت .اخبرني جيمس بيكر وزير الخارجية الامريكية –آنذاك -، ان هناك سخطا شديدا في واشنطن على صدام ، وان البنتاغون يرغب في تلقينه درسا لا ينساه لانه اهان امريكا . كان بيكر – والكلام لشيفارنادزا- يتحدث بغضب وانفعال ويطلب مساندة موسكو في الجهود العالمية ضد صدام . وقد وصل الامر الى حد ، ان وزير الخارجية الامريكي قد اقترح علينا ان نرسل قوات وسفنا حربيا للمرابطة في الخليج .كان هذا الاقتراح جذابا لانه - لو تنفذ - تكون أول مرة في التاريخ الحديث تدخل فيها القوات السوفياتية مناطق نفوذ امريكية وترابط فيها . واعلمني بيكر ان دول الخليج – بما في ذلك السعودية – لا تعارض وجودا عسكريا سوفياتيا هناك .وهدأت من غضب بيكر وطلبت اليه افساح المجال للتحرك الدبلوماسي علنا نقنع صدام باخلاء الرهائن والانسحاب من الكويت . ووجهت القيادة السوفياتية رسالة الى صدام بهذا المعنى . وجاء سعدون حماده نائب رئيس مجلس الوزراء العراقي الى موسكو، وظننا انه يحمل الجواب ، ولكن مهمته اقتصرت على تقديم المبررات لغزو الكويت ،وفيما يتعلق بالرهائن قال : ان صدام قد يعيد التفكير بالامر .أصر بيكر من خلال اتصالاته وزياراته المتكررة آنذاك الى الاتحاد السوفياتي على موقف واشنطن المطالب بانسحاب العراق من الكويت واطلاق سراح المواطنيين الغربين .وقال ان لديكم يومان لاقناع صدام ، ويأمل الرئيس بوش في ان يتخذ مجلس الامن قرارا حازما ضد مغامرات صدام وتصرفاته الاستفززية. وواصل شيفارنادزا حديثه وقد احمر وجهه الابيض الابيض الناصع وانتفخت أوداجه : اعلمني بيكر بان الرئيس بوش متضايق حدا من مماطلتنا ، وهو – اي بوش - يتعرض لضغط كبير من حزبه ومن البنتاغون الذي يطلب السماح باستخدام القوة لفرض الحصار بدون انتظار دعم الامم المتحدة . فقلت لبيكر : أعرف ذلك. فلدينا المشكلة ذاتها مع قواتنا المسلحة التي يعتقد افرادها اننا نقترف خطأ بدعمكم ، ويقولون ان لكم هدف واحد وهو ترسيخ التواجد العسكري الدائم في الشرق الاوسط . اتسم جواب بيكر بالغموض ، واضاف ، نأمل ان تساندوا القرار الذي سنطرحه في مجلس الامن حول العقوبات على صدام . قلت له والكلام للزعيم الجورجي : لقد وجه الرئيس غورباتشوف رسالة تحذيرية الى صدام وطالبه بالانسحاب من الكويت وإخلاء سبيل جميع الاجانب وجاء في الرسالة : ان موسكو قد أجلت كثيرا التصويت على قرار مجلس الامن ، ونأمل ان تساندونا في ابطال مسوغات القرار ، ونحن ننتظر الجواب خلال يوم واحد على ابعد تقدير .واضاف شيفارنادزا بلهجة غاضبة : بدل ان يساعدنا صدام ، ارسل جوابا يرفض فيها كل طلباتنا . وكان هذا كافيا لان نساند قرار مجلس الامن رقم 666 لعام 1990 . انتهى كلام شيفانادزة في اللقاء الذي ضمني معه في بكين عام2003، ولي تعقيب على بعض القضايا التي طرحها : اولا: صحيح ان صدام قد ركب رأسه ورفض كل نصائح الاصدقاء والاشقاء في التراجع عن غزو الكويت ، ولكن هذا الموقف الصدٌامي المتعنت لم يكن كافيا لموافقة الاتحاد السوفياتي آنذاك ،على قرار مجلس الامن رقم 666 الذي فرض حصارا جائرا على الشعب العراقي وليس على النظام ، واجاز استخدام القوة ضد العراق . وكلنا نعرف النتائج الكارثية لهذا القرار على العراق والمنطقة ، وهي نتائج اسهمت في كسر شوكة الاتحاد السوفياتي ،و سرٌعت الاستفراد الامريكي بالمنطقة ،وخلقت حالة الفوضى الحالية في الشرق الاوسط . ثانيا: ان ما ذكره شيفرنادزه عن رغبته في اصلاح العلاقة مع الغرب واحلال التفاهم مكان الدبابة في السياسة الدولية ، قد انقلب في حقيقة الامرالى مجموعة شائنة من التنازلات المجانية التي اقدمت عليها الدبلوماسية السوفياتية عندما كان شيفرنادزه وزيرا للخارجية ، اهمها حلٌ حلف وارصودون ثمن والابقاء على حلف الاطلسي ،والموافقة على سحب الجيوش السوفياتية من البلدان الاشتراكية السابقة دون الحصول على تعهد غربي مكتوب بعدم تمدد حلف الناتو الى الشرق – الى الحدود الروسية ، وهو ما يحصل اليوم . ولم يشرح وزير الخارجية السوفياتي آنذاك اسباب توقيعه على اتفاق يتنازل بموجبه الاتحاد السوفياتي عن السيادة على مضيق بيرينغ لصالح امريكا . صحيح ان مجلس السوفيات الاعلى رفض التصديق على الاتفاقية ، ولكن الامريكان سارعوا الى تثبيت سيطرتهم على المضيق والاستفراد بثرواته النفطية والغازية والسمكية الهائلة . وهناك اوساط روسية اعتبرت خطوة شيفانادزه هذه خيانة ضد روسيا . لم تنتهي لقاءاتي مع شيفارنادزه، واللقاء المهم التالي تم عام 2009 في روسيا على هامش ندوة فالداي الفكرية السنوية التي تقيمها السلطات الروسية .ولا بد من القول ، انهخلال الفترة التي التي لم ارى فيها شيفارنادزه ، جرت احداث كبيرة مسٌت مصيره الشخصي .فهو قد اُجبر عام 2003 على التنازل عن منصب رئاسة الجمهورية الجورجية نتيجة ما سمي آنذاك بثورة الورود التي انفجرت بالبلاد احتجاجا على الفساد وسوء ادرارة الرئيس .كما تقاعد شيفانادزة عن العمل السياسي ،وانهى في حزيران عام 2006 كتابة مذكراته ونشرها تحت عنوان "أفكار حول الماضي والمستقبل"، تحدث فيها عن حياة روسيا السياسية، في أعوام الثمانينيات والتسعينيات، والوضع في القوقاز، وذكرياته مع رونالد ريغان ومارغريت تاتشر وجيمس بيكر. دُعي شيفارنادزة الى ندوة فالداي باعتباره سياسيا سابقا .كانت قائمة الحضور لافتة فعلا ، فقد تضمنت اسماء كل من بوتين ومدفيدوف ورؤوساء ومسؤولون سابقون من اوربا وآسيا . صافحت شيفانادزة الذي ظهرت عليه علامات الوهن اثر تقدمه في السن ، فقد كان عمره آنذاك 81 عاما. وذكرته بلقاءاتي السابقة معه ، وقلت له : كثيرا ما يتحدثون عن علاقاتك المتينة مع غورباتشوف، وقد وصل الامر الى انهم اعتبروك شريكا له في البيريستويكا. ولفت انتباهي اليوم انه بالرغم من ذلك ، فانتما تجلسان متباعدين في القاعة ، اهي صدفة ام لا توجد رغبة في اللقاء ؟ جال شيفي بنظره على الحاضرين ولما تأكد من وجود رئيسه السابق ، تغير شكله واصبحت ملامحه اكثر صرامة. وقال : لم اثق يوما بميخائيل سرغييفتش ( غورباتشوف) ولم يكن قط ودودا معي .منذ ان كنت وزيرا للامن العام في جورجيا ومن ثم امينا عاما للحزب هناك . لقد نظمتُ حملة شاملة ضد رموز الفساد والمافيا في الجمهورية ، وكان غورباتشوف مسؤولا في تلك الفترة في منطقة ستافرابول القريب من جورجيا . وقد هرب معظم الفاسدين من جورجيا مع أموالهم الى هناك وأمن لهم غوراتشوف ملجا آمنا . لم تكن لي سلطة على المنطقة التي يديرها ميخائيل سرغييفتش ، واعتبرت ذلك آنذاك طعنة في الظهر .وبالمناسبة فقد تحول اقليم ستافرابول الى منطقة الاستجمام الاولى للقادة السوفيات الذين تقاطروا الى هناك ، وكان غورباتشوف يوفر لهم سبل الراحة كلها على حساب المافيا الجورجية التي احتضنها ، واعتقد جازما بان علاقاته المشبوهة هذه ، هي التي وفرت له المنافذ للقدوم الى موسكو وتبوء مناصب قيادية في الحزب . في هذه الاثناء ، تم الاعلان عن بداية جلسة المؤتمر ، واعتذر شيفارنادزا ، وسارعت لرجائه باستمرار الحديث بعد الجلسة . في الحقيقة صعقت لصراحة شيفارنادزا وحديثه غير الودي تجاه غورباتشوف .في المقهى الملحق بقاعة المؤتمرات ، شاهدت "شيفي " وهو يحتسي بعض الشاي . اقتربت منه والقيت عليه السلام ،وهنا التفت وقال : هذه انت من جديد .مالذي يدفعك الى معرفة وقائع مضى عليها نحو عقدين من الزمن . اجبته : انا صحفي واريد معرفة ما جرى آنذاك من المصادر الاولى . اجاب "شيفي " لكنك سفير ، قلت له كنت كذلك والان عدت الى مهنتي الاساسية وهي الصحافة . بانت علامات الارتياح على وجه شيفي ، وقال : كنت دائما احترم الصحفيين واقول لهم الحقيقة . والان ماذا تريد ؟ قلت له : قبل الجلسة كنت تتحدث عن علاقاتك مع غورباتشيوف... لم ينتظر بقية كلامي وبادرني بالقول : مشكلة ميخائيل سرغييفتش انه لا يمكن الامساك به ولا الركون الى وعوده ، فهو كالسمكة الرطبة التي تتزحلق من اليد . عنده رغبة دائمة في حب الظهور والوصول والتمسك بالسلطة حتى لوكان ذلك على حساب البلد .وهو المسؤول الاول عن انهيار الاتحاد السوفياتي .قلت له : لكنه اختارك وزيرا لخارجية الاتحاد السوفياتي ، وهذا بحد ذاته دليل تقديره لكم . اجاب شيفي : عندما كنت في المكتب السياسي للحزب كنت معارضا صلبا لاسلوب ادارة غورباتشيف في المسائل الداخلية وفي السياسة الاقتصادية ، واعتقد بان ميخائيل سرغييفتش اراد ابعادي عن السياسة الداخلية باقترح تعييني وزيرا للخارجية ، علما ان هذا المجال لم يكن في دائرة اهتمامي ، ولم أكن اعرف اية لغة اجنبية ،وليست لي علاقات خارجية .بكلمة واحدة غورباتشوف اراد التخلص من معارضتي لسياسته الداخلية .قلت له: لكنك كنت شريكا له في السياسة الخارجية طيلة خمس سنوات . اجاب : كان ميخائييل سرغييفتش يريد اصلاح العلاقة المتوترة مع الغرب ، وكان يريد التخلص من اعباء سباق التسلح واعباء شركائنا في الدول الاشتراكية . وكانت هذه قناعاتي انا . وهنا التقينا . لكن المشكلة انه لم يكن مبدئيا في مواقفه وكان مستبدا في رأيه.ثم انني اكتشفت ان زوجته راييسا كانت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة ، من تعيين السفراء الى تحديد الوفود الخارجية ، حتى انها كانت تتدخل في تفاصيل الاتفاقات الدولية . وكل ذلك اثار حفيظة اعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي . وقد اخبرني يلتسين فيما بعد عن المواجهة الحادة التي جرت بينهما في آخر اجتماع لهما ، حيث قال يلتسين لميخائيل سرغييفتش : لن نسمح بعد اليوم بان يقرر كعب حذاء نسائي سياسة البلاد ، في اشارة الى تأثير راييسا زوجة غورباتشوف على القرارات الحزبية والسياسية . وسألته: الان وانت في هذا العمر ، هل تعتقد ان مواقفك بالتقارب مع الغرب كانت صحيحة ؟ وماهي النصيحة التي تتركها للاجيال القادمة ؟ اجاب شيفارنادزا: الغرب ليس كتلة واحدة ، هناك فئات تؤمن فعلا بقيم الحرية والديمقراطية والمساواة ، وهناك قوى اخرى تسعى الى التدخل في شؤون الاخرين والهيمنة عليهم . وللاسف ، فان الغلبة الان في الغرب لقوى الشر . تصور – والكلام لشيفنادزة – ان هذه القوى ممثلة بالثري (سورس) حاولوا تكرار السيناريو اليوغسلافى فى جورجيا، وحركوا الشارع ضدي عام 2003،ومما صعقت له ، ان واشنطن الرسمية أرسلت صديقي جيمس بيكر للضغط علىّ من اجل استقالتي عوضا عن دعمي . هذه القوى لا يمكن الوثوق بها ، وهي تغير حلفاءها مثل ما تغير قفازات اليدين . ليس لها اصدقاء ، ولا تقيم وزنا لقيم الصداقة والتعاون . لقد فكرت كثيرا فى ذلك كله ووصلت الى نتيجة ، ان قوة اي سياسي تنبع من علاقته المتينة بشعبه ، فكلما ازدادت وتعمقت هذ العلاقة ، بات السياسي اقوى وتضاعفت قدرته على خدمة بلاده .نصيحتي هي ان نتذكر دائما المثل القائل : ان قميصك اقرب الى جسمك ، وقميص اي سياسي هو الشعب ومصالحه .لم التقي بعد ذلك بشيفارنادزا ، الذي عاش حياة حافلة بالانجازات والانكسارات وتوفي العام 2914 .ونظرة واحدة الى سجل هذا السياسي المخضرم تشير الى الازدواجية التي عاشها. فبالرغم من كونه أحد رموز النظامِ السوفيتيِ إلا أنه لَعبَ دوراً بارزاً في تَفكيك الاتحاد السوفياتي . في بداية حياته السياسية قدم نفسه على انه مناضل شرس ضد الفسادِ السياسيِ،لكن الشعب الجورجي ثارعليه عام 2003 متهما اياه بالفساد.عمل المستحيل من اجل الانفتاح على الغرب، وقدم تنازلات هائلة امامه ، لكن الغرب خذله وشجع على الاطاحة به .نادى بالديمقراطية والمساواة في بلاده ، لكنه اتُهم فيما بعد بتزوير الانتخابات . وصف غورباتشوف بالديكتاتور واستقال عام 1990 احتجاجا على ذلك ، لكن خصومه قالوا عنه فيما بعد بانه كان عدوا للديمقراطية ! لم يكن شيفارنادزة مبدئيا في مواقفه السياسية ، بل كانت تتحكم فيه نزوات آنية وكان سريع الغضب والانفعال . ومع ذلك ، فقد لعب شيفارنادزه دورا بارزا في السنوات الاخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي ، وتمكن من فرض الاستقرار وانهاء الحروب الاهلية في جورجيا .20/12/2016


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة