جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
كراباخ والنفخ في النار

كتب محمد خير الوادي : تجدد الصراع حول اقليم ناغورني كاراباخ بين اذربيجان وارمينيا، يعني انفجار واحدة من اخطرالقنابل الموقوتة التي تهدد الامن والاستقرار في منطقة القوقاز كلها .

ومشكلة ناغورني كارباخ والتي نشأت 1992 بعد الاجتياح الارمني للاقليم ، ليست سهلة الحل نظرا لتعقد عواملها الداخلية والاقليمية والخارجية .فمن ناحية القانون الدولي، يعتبر الاقليم ارضا اذرية ، في حين تمكن السكان الارمن الذين يمثلون الاغلبية فيه، من تأسيس جمهورية خاصة بهم عام 1994، لا يعترف بها احد من العالم بما في ذلك ارمينيا التي تدعمهم . كما يظهر وجه التعقيد في هذه المسألة كذلك في خارطة التحالفات الاقليمية لدول المنطقة . فروسيا الحليف الاول للارمن ، ترتبط بآن واحد بعلاقات جيدة مع اذربيجان ، ولا يمكن لموسكو ان تنحاز نهائيا الى جانب ارمينيا الارثوذكسة وتخسر باكو . لذلك تحاول روسيا ان تلعب دور الوسيط مع ميل واضح نحو يريفان .ووضع تركيا في هذه الازمة اسهل . فانقرا ،بحكم العداء التاريخي مع الارمن واعتبار اذربيجان احدى الدول التركية الست في العالم ، تتخذ موقفا صريحا في دعم باكو ، لا بل ان اردوغان قد صرح قبل ايام بانه يصلي من اجل انتصار اذربيجان وان تركيا ستقف مع باكو حتى النهاية .ويبدو الموقف الايراني ازاء هذه الازمة مثير للغرابة . فايران الجارة الكبرى لكل من ارمينيا واذربيجان، اتخذت مواقف لا تنسجم مع توجهاتها الدينية المعروفة . منطقيا ، كان المتوقع من طهران ان تقف مع اذربيجان ذات الاغلبية الشيعية، لكن القيادة الايرانية ساندت بقوة الارمن الاثوذكس .ويبدو ان ايران قد اتخذت هذا الموقف العجيب بسبب وجود نحو ثمانية ملايين اذري داخل ايران يطالبون بحقوقهم بما في ذلك الانفصال . وتخشى طهران من تقارب مواطنيها الاذريين مع جمهورية اذربيجان .والموقف الامريكي لا يقل غرابة عن الموقف الايراني . فرغم ان واشنطن تعتبر اذربيجان احدى مناطق نفوذها النفطية في المنطقة ، لا بل انها ساعدتها في مد انابيب لنقل النفط الاذري الى اوربا وتركيا بعيدا عن روسيا ، الا ان الكونغرس الامريكي يقرر تقديم مساعدات سنوية لأرمينا تفوق احيانا ميزانية هذه الدولة . ويعود ذلك الى التأثير الكبير الذي يتمتع به اللوبي الارمني القوي في امريكا. ووجه التعقيد في هذه الازمة يظهر كذلك في الطبيعة الجغرافية للحدود بين كل من ارمينيا واذربيجان .فالحسم العسكري بالنسبة لباكو القوية عسكريا مقيد بوجود مشكلة اخرى في العلاقات بين البلدين هي اقليم ناخيتشفان . فهذا الاقليم مفصول جغرافيا عن اذربيجان ، وتحيط به ارمينيا وايران مع ثغرة لا تتعدى عدة كيلو مترات مع تركيا . من الناحية العسكرية ، فان هذا الاقليم الاذربيجاني يقع تحت تهديد اجتياح ارمني دائم .لا بل ان القوات الارمنية قد بادرت عام 2014 الى التقدم باتجاه الاقليم واحتلت نحو 100 كم2 من اراضيه . وهذا يعني انه في حال اجتياح الجيش الاذري لاقليم ناغورني كارباخ ، فان القوات الارمنية ستجتاح اقليم ناخيتشيفان . وبسبب هذه التعقيدات كلها ، لم تتمكن الدول التي رعت اتفاق مينسك بخصوص مشكلة ناغورني كارباخ وهي روسيا وامريكا وفرنسا من العثور على حل نهائي يوافق عليه الجانبان . فاذربيجان تعتبر ان الأرمن باجتياحهم عام 1992 لناغورني كاراباخ ومقاطعات اخرى ، قد سلخوا 20% من الاراضي الأذرية وشردوا مئات الالاف من سكانها الاذريين .ولا يستطيع اي حاكم td لباكوو ان يفرط بهذه " الحقوق في التاريخية للامة الاذرية " .وبالمقابل ، فان يريفان تعتبرهذا الاقليم ارضا تاريخية لها لان معظم سكانه من الارمن ،ولا يقبل اي مسؤول ارمني مجرد التفكير بالتنازل عن هذه الارض ! لقد تحدثت عن تعقيدات ازمة ناغورني كارباخ ،ومع ذلك فقد ظلت الامور هناك هادئة نسبيا طيلة ربع القرن الاخير . اما لماذا تم تسخين عوامل هذا الصراع الآن، فان ذلك يعود الى اسباب متعلقة بالازمة القائمة الآن بين روسيا وتركيا .لقد تحركت موسكو بعد اسقاط طائرتها من قبل المقاتلات التركية باتجاه ازعاج انقرة اقتصاديا عبر العقوبات ، وعسكريا عبر دعم ميليشيات صالح مسلم الكردية ، والتي تعتبر امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يقاتل السلطات التركية . وكرد على الاجراءات الروسية ، بادرت انقرا الى التحرك باتجاه حليفتها الموثوقة في القفقاس وهي اذربيجان ، وشجعتها على تسخين مشكلة ناغورني كاراباخ من اجل ازعاج اقرب حلفاء روسيا ،وهي ارمينيا، وبالتالي خلق ارباكات جديدة لموسكو .وهكذا ، فان الحسابات التركية هي التي صبت الزيت على نار ناغورني كاراباخ ، والتي كانت خامدة نسبيا . والسؤال الذي ينهض الآن : الى ان ستسير الامور بين ارمينيا واذربيجان ؟ لاشك ان بعض دول الاقليم مثل تركيا وجورجيا تساندها اوكرانيا وحتى امريكا ، ستسعى الى تصعيد الاوضاع العسكرية بين يريفان وباكو وصولا الى مواجهة شاملة بينهما . والهدف النهائي من وراء اشعال حريق شامل في القوقاز هو اشغال روسيا ودفعها للغرق في مستنقع جديد .ويبدو ان موسكو قد ادركت خطورة هذا المخطط ، ولذلك دعت الجانبين المتخاصمين الى وقف اطلاق النار وتنشيط جهود الدول الراعية لاتفاق مينسك من اجل البحث عن مخرج للازمة . ولا بد أخيرا من القول ،ان تطور الامور في ناغورني كارباخ مرتبط بالدرجة الاولى بحكمة قيادتي كل من اذربيجان وارمينيا وادراكهما ان الحرب ليست هي الحل ، لا بل على النقيض فان الصدام العسكري سيقوض النهوض الاقتصادي للبلدين وسيدمر كل ما بنياه خلال العقدين الماضيين ،وان الحل يكمن في جلوس الجانبين الى مائدة المفاوضات من اجل العثور على سبيل لنزع فتيل الحرب ،وايجاد مخرج سلمي مبدع يحفظ حقوق الجانبين وكرامتهما.


الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق

عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة