جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الثورات الكبرى لجواهر نهرو

كان جواهر لال نهرو عام 1930 في السجن الذي أمضى فيه 12 عاماً من حياته. كان الرجل الذي صار في ما بعد رئيساً لوزراء الهند يناضل مع غاندي الذي يصفه بأنه سحابة «اتسعت حتى غطت سماء الهند كلها» وان صوته الخفيض المليء بالرجاء كان «أعلى من جميع الصيحات التي يطلقها الآخرون».
من سجنه كان جواهر نهرو يوجه رسائله إلى ابنته انديرا التي صارت هي الأخرى رئيسة لوزراء الهند قبل أن تغتالها يد متعصبين من حرسها، في هذه الرسائل حاول نهرو أن ينقل إلى ابنته الشابة (ولدت 1917) معلوماته عن التاريخ والثورات والحضارة الحديثة. هذه الرسائل التي استمرت ثلاث سنوات متصلة صارت بعد مؤلفاً كاملاً. يقتطف منه «الكتاب للجميع» بعض فصوله.
عن التاريخ يقول نهرو أن دراسته «تعلمنا كيف أن العالم تطور ببطء» ويقول اننا ننظر إلى «فترات معينة فلا نصدق أن المثل الأعلى قد تقدم فيها كثيراً» وفي كلامه على آسيا وأوروبا يعود إلى الماضي الذي كانت فيه آسيا مسيطرة وأوروبا امتداد ضئيل لها. اما الثراء فبدأ منذ ان صار الطعام يفيض عن الاستهلاك فكان لا بد أن يخزن. التفاتة إلى الماضي الإنكليزي يتوقف فيها عند ثورة كرومويل الذي قطع رأس الملك وحل محله ديكتاتوراً.
أولى الثورات هي الثورة الصناعية في إنكلترا منذ اخترعت آلة جديدة للغزل والآلة البخارية والنول الآلي. كان معظم المخترعين من العمال اليدويين. لقد تطورت وسائل الإنتاج وتغيرت علاقات الإنتاج وظهرت طبقات جديدة. بعد الثورة الاقتصادية تأتي ثورة الاستقلال الأميركي. كان السبب الأول اقتصاديا فقد أرادت إنكلترا ان تفرض على سكان المستعمرات شراء الشاي الذي تبيعه شركة الهند الشرقية. كان ذلك يعني اهمال الشاي المحلي، الأمر الذي لم يطيقه الأهالي فتصدوا في مرفأ بوسطن لمن حاول تفريغ شاي شركة الهند بالقوة. ثارت المستعمرات ولم تكن ثورتها في البدء من أجل الاستقلال لكنها سرعان ما تحولت إلى ذلك.
الثورة الفرنسية هي الثانية بعد ثورة الاستقلال، كانت فرنسا مشحونة بعقلية جديدة انغمس فيها حتى رجال الكنيسة والاقطاع. هكذا ألغى برلمان فرنسا حقوق الاقطاع وأصدرت الجمعية الوطنية «اعلان حقوق الإنسان». كان سقوط الباستيل وزحفت الجيوش الأوروبية على فرنسا وانهزم جيشها أمامها. كان المفهوم ان الملك متحالف مع الأعداء الزاحفين فوضع في السجن وما لبث أن أعدم وغرقت فرنسا بعد ذلك في الدماء.
عام 1848 كان عام الثورات، كانت ثورات استقلال خاضتها بولندا وهنغاريا ضد النمسا وأصدرت إنكلترا قانون الإصلاح الذي أعطى حق التصويت لأعداد كبيرة من الطبقة الوسطى.
ثورة داروين العلمية هي أيضاً من الثورات لقد أرسى داروين مبدأ تطور الأنواع بفعل الاختبار الطبيعي الذي يحدث بفعل قابلية التلاؤم والتكيف مع الظروف المحيطة. الديموقراطية ثورة هي الأخرى. لم تقر المساواة وحدها بل أباحت الانتقاد بكل أشكاله: انتقاد الدين وانتقاد النظم الاجتماعية كما بسطهما كونت وجون ستيوارت ما لم ترس الديموقراطية المساواة ما دام الفقر والتفاوت الاقتصادي غالبين. عانى العمال القهر فكان لا بد ان ينتظموا في جمعيات سرية تحرمها القوانين. من هنا جاءت الأفكار الاشتراكية. تمتع العمال الإنكليز بقدر من الوفرة جعلتهم أكثر اعتدالاً فكانت الحركة الفابيانية. حركة الفابيانية التي تؤمن بالمداورة وتتجنب المعركة الحاسمة. كانت الفوضوية دعوة إلى مجتمع بلا سلطة ولم تحفل هذه الدعوة بالتنظيم مما عجل في انحلالها فخمدت إلا في اسبانيا (أيام نهرو في السجن أي في أعوام الثلاثين من القرن الماضي) يتوقف نهرو عند كارل ماركس لكنه يبسط تاريخه النضالي «في أوروبا الآن قوة سادسة هي الثورة» ولا يتطرق كثيراً إلى النظرية الماركسية نفسها ماراً بالأممية الأولى والأممية الثانية وما نتج عنهما.
في فصل اقتصادي يصف نهرو إنكلترا بأنها دائنة العالم، الوفرة الاقتصادية جعلت الأموال الإنكليزية تتدفق إلى الخارج وتحولت إنكلترا إلى دائن يتقاضى ديونه سلعا وخامات ومواد أولية. خفضت إنكلترا الحواجز الجمركية لتسمح لهذه المواد الخام بالدخول لكن أميركا وضعت حداً للتفوق الإنكليزي. وتحولت اميركا الشمالية إلى سلطة تتحكم بجمهوريات اميركا الجنوبية.
يفاجئنا نهرو بأنه يخوض في تحليل اقتصادي للهند ويتكلم بقدر من التعاطف عن ثورة أكتوبر السوفياتية ويمتدح كثيراً لينين لكنه أيضاً لا يتطرق كثيراً لنظرياته بينما يتوقف طويلاً عند حدسه السياسي وعند تاكتيكاته «لقد أدرك بعبقرية الزعيم الحقيقي الموقف كله من الوهلة الأولى


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة