جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
التنافس الروسي – الغربي حول ليبيا

هل تتوجه روسيا إلى الدخول على خط الأزمة الليبية؛ ومن ثم، فهي تريد التحرك على الساحة في ليبيا، بسياسات متشابهة لسياساتها في سوريا(؟).. تساؤل يطرحه الموقف الروسي في تعطيل المشروع الذي اقترحته بريطانيا، بدعم من الولايات المتحدة الأميركية، على بقية أعضاء مجلس الأمن (7 أبريل/نيسان الجاري)، لمطالبة الجيش الوطني الليبي بضرورة "وقف كل النشاطات العسكرية"، ولا سيما قرب العاصمة طرابلس؛ حيث رفضت روسيا "تسمية قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر بالإسم"، واقترحت وضع عبارة "كل القوات" بدلًا من ذلك؛ إلا أن بريطانيا رفضت المقترح الروسي. ثم، أن تُعيد بريطانيا المحاولة، بعد أسبوع واحد فقط، وتتقدم إلى مجلس الأمن (15 أبريل/نيسان الجاري)، بمشروع قرار يطالب بـ"وقف التصعيد فورًا"، والالتزام بـ"وقف النار في ليبيا، والعودة إلى الحوار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة"؛ فهذا يطرح التساؤل حول الاستهداف البريطاني في محاولة استصدار قرار من مجلس الأمن، ليس بشأن وقف التصعيد فقط؛ بل، وهذا هو الأهم، في أن يتضمن القرار توجيه اللوم إلى الجيش الوطني الليبي، على محاولته استرداد العاصمة الليبية طرابلس من سيطرة الميليشيات المسلحة. لعل المحاولات البريطانية، هذه، تدفع بالذاكرة إلى استحضار التقرير الذي نشرته صحيفة "ذا صن" البريطانية (9 أكتوبر/تشرين الماضي)، وأشارت فيه إلى أن أجهزة الاستخبارات البريطانية أبلغت رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، بأن روسيا سوف تستخدم وجودها على الساحة الليبية للتأثير على الغرب. ولعل هذا التقرير لا يتوقف فقط عند حدود التصريح بأن ثمة خططًا روسية لنشر قوات عسكرية في ليبيا؛ بل، يتجاوز ذلك إلى إثارة الاستفهام حول كيفية التأثير الروسي على الغرب، سلبيًا، عبر التواجد على الساحة الليبية(؟). بحسب الصحيفة البريطانية، نفسها، فإن روسيا تنتوي إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، من أجل "السيطرة" على أكبر طريق "غير شرعي" للهجرة إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن، عبر تأمل هذا المُبرر الذي تطرحة الصحيفة، فإن بريطانيا، كما هو واضح من سياستها الخارجية خلال الأشهر الأخيرة، لا تهتم بمصالح الاتحاد الأوروبي، بقدر اهتمامها بـ"الخروج" منه. أضف إلى ذلك، الابتعاد البريطاني عن الطريق الرئيس لتلك الهجرة غير الشرعية. ومن ثم، يبدو أن إثارة بريطانيا لهذه المسألة، في هذا التوقيت، إنما يستهدف جانبين: الأول، إعادة وضع بريطانيا في قلب أحداث الملف الليبي وتشابكاته المعقدة. إذ، لا يخفى أن بريطانيا التي لها، بالتأكيد، طموحاتها الخاصة بالعودة إلى شمال أفريقيا من خلال البوابة الليبية، تُريد لشركاتها ومستثمريها أن يكون لهم موطئ قدم في بلد به فرص جيدة للاستثمار، حال توافر الأمن. وبالتالي، لا مناص لبريطانيا من أن تكون شريكًا في صناعة الحد الأدنى من الاستقرار في ليبيا. على الجانب الآخر، يبدو أن بريطانيا تستهدف توجيه أنظار قوى أوروبية محددة، على رأسها إيطاليا، لمدى التأثير السلبي المتوقع من التواجد العسكري الروسي على الأراضي الليبية، خاصة أن الحديث يدور حول إنشاء قاعدة عسكرية روسية في الشرق الليبي، الذي يحتوي على النسبة العظمى من حقول النفط لهذا البلد، ناهيك بالطبع عن الغاز. لكن لماذا إيطاليا(؟).. من جهة، لأن الولايات المتحدة الأميركية، التي استبعدت المراهنة على تنظيمات الإسلام السياسي لقيادة المسار الانتقالي في شمال أفريقيا عمومًا، وفي ليبيا بشكل خاص، تثق كثيرًا في إيطاليا ـ أكثر، بالطبع، من ثقتها في فرنسا ـ كدولة تُعتبر "حليفًا وشريكًا استراتيجيًا" لليبيا، حيث تتوغل إيطاليا هناك عبر شركة "إيني" الإيطالية الحكومية. ومن جهة أخرى، لأن إيطاليا تقترب كثيرًا من الموقف البريطاني، الداعم لحكومة الوفاق الوطني، التي يرأسها فائز السراج. هذا، فضلًا عن كونها تبتعد بشكل واضح عن موقف فرنسا، حيث التنافس بينهما قائم على قدم وساق في ليبيا. إذ، لا يخفى أن فرنسا، البلد الأوروبي الذي يعتبر ليبيا المدخل الرئيس له بالعمق الأفريقي، تسعى إلى محاولة استغلال إرث القذافي السابق بأفريقيا، وما خلفته ليبيا بالقارة السمراء من استثمارات ضخمة؛ هذا، فضلًا عن أنها البلد الذي كان محتلًا للجنوب الليبي، ويعرف خبايا تلك المنطقة وكيفية التعامل مع القادة المحليين، من تبو وعرب وطوارق، وخلق فراغات بين هذه المكونات للاستفادة منها، لصالح مشروعها الاقتصادي والأمني بأفريقيا. في هذا السياق يبدو بوضوح التنافس الحاصل بين إيطاليا وفرنسا حول ليبيا؛ بل، يكفي أن نتأمل كيف أعربت وزيرة الدفاع الإيطالية، إليزابيتا ترينتا، عن موقف بلادها حينما قالت لنظيرتها الفرنسية، فلورنس بارلي، على هامش الاجتماع الوزاري بمقر الناتو في بروكسيل: "لنكن واضحين.. القيادة في ليبيا لنا"، وذلك بحسب ما ذكرته صحيفة "الجورنال" الإيطالية (3 يوليو/تموز الماضي). يكفي أن نلاحظ، أيضًا، كيف ساهم هذا التنافس في "شخصنة" الأزمة الليبية، واختزالها بين شخصي السراج وحفتر؛ حيث تدعم فرنسا الأخير، في حين توالي إيطاليا الآخر. المثير للانتباه في بانوراما هذا التنافس حول ليبيا، هو الموقف الروسي؛ الموقف الذي يلتقي، في الوقت نفسه، مع كلٍ من طرفي المنافسة. فروسيا، من ناحية، تلتقي مع فرنسا في دعم المشير خليفة حفتر، والجيش الوطني الليبي، بل وتتجاوز فرنسا في هذا الدعم؛ ومن ناحية أخرى، تلتقي روسيا، أيضًا، مع الجانب الإيطالي في تواصلها، عبر الحوار، مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة دوليًا، والتي تتخذ من طرابلس العاصمة مقرًا لها. والواقع أن التحركات الروسية بهذا الشكل، إنما تؤكد المساعي التي تبذلها موسكو للعودة إلى الساحة الليبية؛ بهدف الحصول على امتيازات اقتصادية، تمكنها من تعويض خسائرها المالية الناتجة عن سقوط نظام العقيد معمر القذافي؛ تلك المتعلقة بمشروعات الطاقة وتوريد الأسلحة، إضافة إلى مشروعات أخرى. وبالتالي، تأمل موسكو أن ينمو نفوذ المشير حفتر ليس، فقط، من أجل الحصول على تلك الامتيازات؛ ولكن، وهذا هو الأهم، بما يمكنها من تعزيز موقعها العسكري، والجغراستراتيجي، على سواحل البحر الأبيض المتوسط، مما يسمح لها باستعراض القوة بالقرب من سواحل أوروبا، وتعزيز وصولها إلى شمال أفريقيا، ومنه إلى العمق الأفريقي الذي فقدته بانهيار الاتحاد السوفياتي. وهكذا، يبدو الهدف الاستراتيجي لروسيا من العودة إلى البوابة الليبية؛ إذ، أن أكبر فائدة يمكن لها تحقيقها هو القدرة على إثبات ما تحاول إخبار العالم ومواطنيها به، طوال السنوات الأخيرة، نعني أنها يمكنها إصلاح ما أفسدته الولايات المتحدة الأميركية، والغرب عمومًا. وهذا، يساعدها على أن يكون لها دور محوري في تسوية الأزمات الإقليمية، وخصوصًا في منطقة تعج ملفاتها بالتشابك والتعقيد مثل منطقة الشرق الأوسط.. وفي القلب منها المنطقة العربية.الحياة


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة