جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الأقليات المسلمة في جنوب شرق آسيا

إن قضية الأقليات المسلمة في دول جنوب شرق آسيا ينبغي أن يتمَّ تناولُها بشكل مختلف؛ ويَرجع ذلك إلى أسبابها متعددة الجوانب، النابعة من وجود هذه الأقليات بين أغلبية من البوذيين والنصارى. هناك تغيرات حقيقية تَحدُث في دول جنوب شرق آسيا منذ فترة، فبينما يحتل النجاح النسبي الذي حقَّقته المنطقة في مجال التنمية الاقتصادية الصدارة، بدأت البِنية الاجتماعية لهذه الدول في التغير، وبينما يتحدَّث العالم في مختلف أنحائه عن (التقلص) الاقتصادي والمجتمعي، نرى هذه المنطقة تَفرِض نفسها في الوقت الراهن كبديل بما تمتاز به في العديد من المجالات، والقوى الغربية التي كانت قد وصلت إلى هذه الأراضي في عصر الاستعمار، تسعى إلى تعزيز موقفها من جديد في ظل الظروف الراهنة بإستراتيجيات مختلفة، ولا شك أننا سنشهد في الفترة القادمة بشكل أكثر كثافة مزيدًا من الصراعات بين هذه القوى التي تتبارى في توجيه هذه التغيرات لمصالحها الشخصية. إلا أنه هناك موضوع يجب الانتباه إليه في إطار هذه التطورات، ألا وهو قضية الأقليات المسلمة، وحقيقة المشكلات التي تتعرَّض لها هذه الدول التي يُمثِّل المسلمون جزءًا ليس بقليل من تَعدادها السكاني بسبب ما يحدث، لنتركْ هذا جانبًا الآن، حيث ينبغي تناول قضية الأقليات المسلمة من بُعْد مختلف بجوانبها المتعددة النابعة من وجود هذه الأقليات وسط أغلبية بوذية ونصرانية، فمناطق مثل: (باطاني) في تايلاند، وجزر (منداناو) في الفلبين، و(أراكان) في ميانمار، تتراءى على صعيد الأحداث من حين لآخر نتيجة لهذه التغيرات، وهناك أيضًا مناطق في سريلانكا وتيمور الشرقية وباباو وكامبوديا تُناضِل فيها الأقليات المسلمة من أجل الحياة، وهذه الأقليات ينبغي أن نأخذها في الحسبان هي الأخرى حتى لو كانت في مناطق لا تَبرُز للأعين؛ كونها لا تُعَد مناطق "للصراعات". ويَجدُر بنا الوقوف على هذه التعددية بمختلف تفرُّعاتها، فمن ناحية يلفت الانتباهَ عدمُ قدرة هذه الدول المعنيَّة على حلِّ مشكلاتها على مرِّ عشرات السنوات، وعدم إبدائها أي رد فعلٍ، ووقوعها في هُوَّة الحَيرة والتذبذب بشأن النيَّة في إيجاد حلول، أو اتخاذها خطوات تُجاه هذه الحلول، ومن ناحية أخرى التنافس المستمر بين القوى المختلفة داخل مجتمعات الأقليات المسلمة المذكورة، وبخلاف هذين العنصرين إذا نظرنا إلى هذه القضية من المنظور العالمي، نجد أن هناك محورين ينبغي تسليط الضوء عليهما: أحدهما: تأثُّر هذه الدول بالعناصر الغربيَّة، والآخر: هو أساليب تعامُل المؤسسات العالمية الإسلامية المفترَض أنها تتولى مسؤولية الحماية والإشراف على الأقليات المسلمة. وهذه البِنية بعواملها المتعددة تَعمل على استمرارية القهر الذي يتعرَّض له الأطفال والنساء يوميًّا في خضمِّ الحياة، وفئة العمال الكادحين والشباب المحروم من التعليم، وفرص العمل في مجتمعات الأقليات المسلمة، وبينما يُناضِل هؤلاء من أجل البقاء في "أوطانهم الأم"، هناك الكثير من الأزواج والإخوة يلجؤون إلى الهجرة؛ بهدف العثور على مخرجٍ للنجاة، ويُفنون أعمارهم في أعمال غير آدمية في بلاد الغربة، وفي سبيل ماذا؟ في سبيل إرسال ما يتبقى من مرتباتهم التي لا تتعدَّى بضع المئات من الدولارات إلى أقربائهم، كما تلوح أمامهم إمكانية استقدام باقي أقاربهم إلى الدولة التي يقيمون فيها إذا سنحت لهم الفرصة كخيط أخير من الأمل يَربِطهم بالعالم الخارجي. من الواضح أن ما يحدث من مشكلات يتعدَّى فكرةَ النضال من أجل الحصول على حقهم من عدمه، إلى معنى البقاء والكينونة نفسه، ومن هذا المُنطلق نرى أن هناك زعماء الكثير من الدول في بعض المناطق - ولا سيما الدول التي يُمثِّل فيها المسلمون الأغلبية السكانية - يُرجعون مشكلات مسلمي المنطقة إلى تخلُّفها الاقتصادي فحسب، ويذكرون أنه يمكن تغيير قَدَرِ المسلمين الذين يُمثِّلون الأقليات من خلال مجموعة من برامج التنمية الاقتصادية المتعاقبة، وهذا بلا شك إن لم نَصِفه (بالخيانة) فهو على الأقل تقليل من شأن القضية، وفي هذا النقطة تحديدًا ينبغي طرح سؤال: "ألم تكن هذه المجتمعات الإسلامية هي الفئة التي ضحَّت بها القوى الاستعمارية من أجل مصالحها الاقتصادية في فترة ليست ببعيدة من التاريخ؟". إن القوى الغربية سعتْ قبل ذلك لإدراج شعوب المنطقة، وكذلك القيمة الاقتصادية للأقليات المسلمة هناك، ضمن الاقتصاد العالمي بما أسَّسته من أنظمة حُكم على تلك الأراضي التي استعمرتها، والآن تتجدَّد المساعي ذاتها لنَفْس القوى، ولكن ضمن أطر مختلفة، والحقيقة أن هناك شكوكًا حول ما إذا كانت آراء ومقترحات الشعوب في مناطق المسلمين التي تسعى للحياة في سلام في مجالات مثل: التعليم والثقافة والدين والبنية الاجتماعية وآليات الإدارة، بجانب الاقتصاد الذي تودُّ الجماهير التي تعبِّر عن هذه الشعوبِ طرحَه على مائدة الاتفاقيات - تحصل على الدعم الذي تستحقه أم لا، ومن المعروف أن الدعم الذي يمكن ذِكره في هذا الصدد في هذه المجالات أو الانطباع بوجود هذا الدعم هو في الواقع ممنوح من أنظمة الدول التي تستضيف هذه الأقليات المسلمة، وهي تعلم أن هذا الدعم (سيؤتي ثماره)، إذًا ينبغي أن يتخذ في الحسبان ما إذا كانت النيَّة الحقيقية لهذه الدول التي تُشارِك في العديد من جهود السلام المتعلقة بهذه الأقليات هي "تخفيف آلامها" حقًّا، أم أن المكاسب الاقتصادية التي حقَّقتها القوى الغربية دون مجهود تهدف إلى السيطرة على موارد المنطقة، سواء في باطن الأرض أو فوقها في مراحل قادمة تَعقُب مساعيها الافتراضية للحصول على السلام حاليًّا؟ أما إذا كان القضية هي فعلاً هذه الأقلية وتنمية الأوضاع الاقتصادية لمسلمي هذه الأقلية، فينبغي أن نطرح كذلك قضية تركهم مضطرين لتحمُّل ظروف اقتصادية واجتماعية شاقة في تلك البلاد التي يقيمون فيها بصفتهم (عمالاً مهاجرين). من المهم معرفة القوة التي يُمثِّلها مَن يَبرُز في الآفاق باسم الأقليات المسلمة ويلعب دورًا في مساعي السلام، أما القوى التي لا تسمح بتشكل المجتمع المدني، فهي تواجِه عائقًا حقيقيًّا في قضية الأقليات المسلمة ومشاكلها، والتي تعد ميدان المجتمع المدني نفسه، والقوة التي تتمتَّع بها مؤسسات المجتمع المدني في بلدان المنطقة معلومة، فجزء كبير منهم هو مؤسسات تؤدي دورها باسم الحكومة / الدولة في (المواقف الصعبة)، التي تَبرُز فيها بشكل يؤيِّد سياسات الدولة، وعلى هذا ليس محتملاً أن تكون هذه المؤسسات التي تتحرَّك بأمر الدولة، وتقف بأمرها - قادرةً على التوافق مع مسيرة الاستقرار. ومن المؤكد أن (تذكرة) المجتمع الدولي ببقاء هؤلاء الناس على قيد الحياة وسط كل هذا الكم من المشاكل، وكذلك بقاؤهم تحت رحمة منظمات حقوق الإنسان الغربية والمؤسسات الحكومية - من الموضوعات المؤرِّقة للغاية، إذًا يمكننا أن نبدأ في العثور على إجابة للسؤال التالي: "ما هي المبادرة الحقيقية التي نحتاجها؟".القدس


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة