جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
قمة هلسنكي وتقاطعات السياسة

لا ينبغي أن نستغرب تسارع وتيرة التصريحات «المزاجية» المتقلّبة لدونالد ترامب في الأيام الأخيرة. وقد لا يكون مستغرباً أيضاً، أن يتسارع إيقاع النشاطات واللقاءات الديبلوماسية والسياسية في الآونة الأخيرة. فالأنظار المشدودة إلى لقاء القمة المرتقب بين ترامب وفلاديمير بوتين في هلسنكي، تحضّ غير طرف من أطراف النزاعات المتعددة والمتقاطعة على التذكير بموقعه وضرورة أخذ هذا الموقع في حسابات الرئيسين اللذين سيبحثان ملفات كبيرة في منتصف الشهر الجاري. غني عن القول إن ملفات هذه القمة شائكة وفي كل واحد منها شبكة تقاطعات معقدة تزيد من تعقيدات اللعبة في إطارها الداخلي المباشر أو الإقليمي المرتسم كحديقة خلفية لما يتبدى كحقل سيادات وطنية ودولتية. إذا صدقت التقديرات المعلنة لجدول أعمال القمة، فإن ملف الاتفاق النووي الإيراني ومحاولة التوافق على مشروع حل سياسي للأزمة السورية سيكونان في صدارة القضايا المطروحة للبحث. وليس مستبعداً أن يجري التطرق إلى ما بات يُعرف بـ «صفقة القرن» الواعدة بوضوح وصلف كبيرين بتصفية القضية الفلسطينية واعتبار كل القرارات الدولية المتعلقة بها ضرباً من السخاء الحقوقي الزائد. من بين التصريحات المتضاربة التي أطلقها ترامب أخيراً، قوله الاتهامي والدعوي أن ألمانيا باتت رهينة لروسيا. نعلم أنه تراجع عن موقفه هذا بعد رد ألماني ساخن ظل في حدود الديبلوماسية. في تراجعه، اعتبر ترامب أن العلاقة مع ألمانيا ومع أنغيلا ميركل ممتازة. وعلى المنوال نفسه، طلب بلغة أبوية صارمة من حلفائه في حلف الأطلسي، لمناسبة انعقاد القمة الأطلسية في بروكسيل قبل أربعة أيام، أن يضاعفوا من حجم إنفاقهم المالي على المؤسسة الأطلسية التي تشكل الحاضنة الاستراتيجية للقوة العالمية بقيادة الولايات المتحدة. توالت الردود على كلام ترامب من رؤساء وقادة دول أطلسية لتأكيد اضطلاعهم بمستلزمات الحفاظ على القوة الاستراتيجية للحلف الموروث عن الحرب الباردة، لكن من دون رفع النبرة إلى مستوى السجال الحاد. وبذلك يفصح غير رئيس أطلسي، أوروبي خصوصاً، عن تصرف يزعم الرشد إلى حد اعتبار تصريحات ترامب مواقف هوائية تتسم بالخفة والطيش البلاغي وتستدعي التعامل معها بعقلية تعليمية وتربوية. ثمة من يرى أن تصريحات ترامب المتصفة بالخفة المزاجية واللمعان الاستعراضي، قد تكون مدروسة وتخدم تصوراً معيناً عن كيفية المزاوجة بين القوة الراسخة عالمياً وبين الانكفاء على فكرة ضيقة عن السيادة الوطنية يصفها كثيرون بالانعزالية. تميل تقديرات المتابعين إلى ترجيح عدم تطرق ترامب في القمة المرتقبة، إلى مسألة ضم روسيا شبه جزيرة القرم. لا يمنع هذا من أن تكون العلاقة المتوترة بين روسيا وأوكرانيا من بين القضايا التي سيثيرها ترامب لتعزيز الاعتقاد بقوة تحالفه مع أوروبا. ومع أن ترامب ألمح إلى احتمال تطرقه إلى قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، فإن قصر هذا التطرق على الجانب الإعلامي يبقى راجحاً. أما المسائل الشائكة المتعلقة بالشرق الأوسط فهي، كما أشرنا، ستحظى بنصيب كبير من البحث بين الرئيسين. وليس من قبيل المصادفة أن يلتقي بوتين عشية القمة وفي وقت واحد تقريباً، برئيس الحكومة الإسرائيلية وبمستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي كمبعوث خاص لخامنئي ولرئيس الجمهورية الإيرانية حسن روحاني. ما رشح عن لقاء نتانياهو وبوتين يتعلق بتطورات الميدان السوري بعد تقدّم قوات النظام في منطقة درعا والجنوب السوري وحصول مناوشات متقطعة بين القوات الإسرائيلية والقوات السورية في منطقة القنيطرة المتاخمة لهضبة الجولان المحتلّة. ويبدو أنه حصل تفاهم في درعا بين قوات النظام وبين فصائل معارضة بارزة، الأمر الذي يخشى الإسرائيليون أن يتحول إلى ورقة تهديد إيرانية. سعي نتانياهو الى تحجيم الدور الإيراني في سورية، بل شطبه من المعادلة، بات هدفاً استراتيجياً معلناً. جزء مهم من الصفقات التي ستُبحث في هلسنكي يدور بالضبط على التعامل مع الدور الإيراني المتعاظم في سورية والمنطقة. ومع إقدام ترامب على نقل سفارة بلده إلى القدس والترويج لصفقة القرن العتيدة بالتزامن مع الخروج من الاتفاق النووي الإيراني، يتّضح أن الدور الإيراني في المنطقة، لا سيما في سورية وغزة ولبنان، يقلق إسرائيل الطامحة إلى لعب دور القوة العظمى في الشرق الوسط بطريقة شبه بديهية، بحيث يصبح أي حديث عن ضغط دولي عليها ضرباً من العبث ومن التطاول. لا نبالغ إذا قلنا إن دونالد ترامب يستلهم مثاله في السياسة وفرض النفوذ من النموذج الإسرائيلي. ففي حالة الدولة العبرية، يجري استبطان أرجحية أخلاقية وحقوقية تعود إلى اضطهاد اليهود ومحرقتهم في أوروبا واستخدامها في سياسات عدوانية وتوسعية وكولونيالية صريحة ومكشوفة. في عرف نتانياهو وأمثاله، تتمتع إسرائيل بهذه الأرجحية لا بفضل سلوكها وممارستها بل بفضل امتياز بيولوجي هو صفة ثابتة وجودياً. ترامب لا يتصرف بطريقة مختلفة. فهو أيضاً، ومعه جزء كبير من قاعدته الانتخابية، يستبطن أرجحية مفترضة للمجتمع والتجربة الأميركيين، بفضل العراقة الديموقراطية ورصيد الترسانة الحقوقية الراعية للحريات والنشاط الليبرالي، ويعتبر بطريقة مرضية وعظامية أن الآخرين يحسدون أميركا ويتمنون خرابها لأنها تحمل في هويتها الجوهرية وجه التفوق كصفة أنطولوجية ملازمة للشخصية الأميركية. الرئيسان اللذان سيبحثان في قمة هلسنكي قضايا كبيرة، يقفان اليوم في نفس الحقل المعولم للرأسمالية المنتصرة والجامحة إلى الربحية والنفوذ وفرض السطوة بعد الحرب الباردة. لكنهما لا يتمتعان بالرصيد السياسي والرمزي والمعنوي نفسه. التقابل بينهما هو من طراز سابق على زمن الحرب الباردة. فروسيا البوتينية لا تزعم تقديم نموذج نقيض للرأسمالية كما كانت الحال في زمن الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية. ولا يهم كثيراً، ههنا، إشهار موقف من هذه المنظومة واعتبارها كاذبة. فهذا قد يكون مفيداً في ما يخص خلقية القناعة والموقف العقائدي. لكنه لا يفيد كثيراً في فهم خلقية المسؤولية السياسية وفي فهم جزء معتبر من تاريخ العالم الحديث طوال سبعة عقود على الأقل. هذا التمييز الذي قدمه ماكس فيبر قبل قرن تقريباً، لا يزال ضرورياً إذا شئنا مقاربة السياسة وتبدلات صورتها واشتغالها في زمننا هذا. ومن أكبر المفارقات أن يكون بوتين السلطوي أقرب من ترامب الفرجوي إلى فهم السياسة الحياة


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة