https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

سامح عودة

في الثاني من يوليو/تموز عام 2019، خرج آلاف الإسرائيليين من طائفة الفلاشة لتشييع جثمان فقيدهم الشاب “سولومون تاكا”، البالغ من العمر 18 عاما، والذي قتلته رصاصات شرطي قبل يومين، لتنقلب الجنازة إلى مظاهرات واعتصامات عمّت أرجاء دولة الاحتلال، في اعتراض صارخ على سياسات التفرقة العنصرية التي يلاقيها يهود الفلاشا ذوو الأصل الإثيوبي منذ هجرتهم إلى فلسطين المحتلة في ثمانينيات القرن الماضي.

تلك الحادثة التي أيقظت ماضيا لم يندثر أثره، وأبرزت وجها آخر من أوجه الانقسام في الكيان المحتل، لم تكن فريدة من نوعها، وإنما يمكن اعتبارها مظهرا من مظاهر التشظي الثقافي والاجتماعي في المجتمع الصهيوني، وامتدادا لتاريخ من الشقاق بين الأعراق والطوائف، فإمّا صراعات طائفية ومذهبية كالتي بين المحافظين (الحريديم) والعلمانيين[*]، وإمّا صراعات عرقية وطبقية كالصراع الأبدي بين الأشكناز (يهود الغرب وأوروبا) والسفارديم (يهود الشرق)، وحديثا بين الأشكناز والفلاشا (يهود الحبشة).

فمنذ نكبة عام 1948 والمجتمع الإسرائيلي يعاني من العنصرية الحادة بين الأشكناز والسفارديم، فبينما كان الأشكناز أفضل تعليما وأكثر ثراء وميلا نحو الحداثة والعلمانية، كان يهود الشرق السفارديم -على العكس من ذلك- يعانون من نقص المهارات التعليمية والثقافية، فضلا عن الفقر الشديد والجنوح الثقافي عن حداثة أوروبا وعلمانيتها.

انعكست هذه الفوارق بدورها على التمثيل السياسي لكل من الفريقين في المناصب السيادية والعسكرية، إذ استحوذ الأشكناز على كل شيء، بينما وجد السفارديم نصيبهم في بعض الفتات، الأمر الذي عمّق قناعات السفارديم بأن الدولة هي دولة الأشكناز وحدهم، وأنهم مجرد مواطنين من الدرجة الثانية لا أكثر من ذلك[1]. هذا الواقع الذي يثير التساؤل حول جذور هذه الهيمنة وسر هذا التمييز الذي يمارسه نصف المجتمع الإسرائيلي تجاه نصفه الآخر، ويقودنا للبحث في ملمح آخر من ملامح الانقسام على الذات في الكيان المغتصب.
جذور الخلاف

في كتابه “بين الأمة والدين (Zwischen Nation und Religion)”، يذكر المؤرخ الإسرائيلي “موشي زيمرمان” أن ثمّة التباسا في التمييز بين مصطلحي الأشكناز والسفارديم، إلا أنه -على الرغم من ذلك- ثمة صراع واضح بين يهوديتين: اليهودية التي جاءت إلى فلسطين من العالم المسيحي، وتلك التي جاءت إليه متأثرة بالمجتمعات الإسلامية.
كتاب “بين الأمة والدين (Zwischen Nation und Religion)”، لـ “موشي زيمرمان”

تكشف هذه الحقيقة الأصل التاريخي لنزاع الأشكناز والسفارديم، أو بتعريف “عمر كامل”، أستاذ العلوم السياسية بجامعة لايبزج، نزاع يهود المسيحية ويهود الإسلام[2]. ففي مرحلة ما قبل الدولة، ساد نزاع بارد بين الطرفين حول الشريعة اليهودية وقوانينها المستمدة من التلمود، ولكن هذا النزاع حمل -بوضوح- الصبغة التي تأثر بها كل فريق من ثقافة المجتمعات التي احتوته، وهو ما عبر عنه الحاخام “هيرش جاكوب” بقوله: “لم يوجد مجال واحد لم يختلف فيه الفريقان”[3].

وقد برز هذا الخلاف بوضوح في الإنتاج العلمي لكل من الفريقين، خاصة السفارديم الذين تأثروا بشدة بالمدونات الإسلامية، ففي عصر ما بعد التلمود -بين القرنين السابع والثالث عشر ميلاديا- وبينما شكّل يهود أوروبا المسيحية أقلية مهمشة لا قيمة لها، عاش السواد الأعظم والأكثر نشاطا من الشعب اليهودي في ديار السيادة الإسلامية، وتحديدا في بلاد الأندلس، ما ساعد على اتصالهم بالنتاج العلمي لفقهاء المسلمين وعلمائهم، فقرروا إخراج الشريعة اليهودية من مساحة المشافهة إلى مساحة التدوين، متشبهين في ذلك بحركة التدوين الإسلامي الواسعة، لتخرج المحاولة الأولى لصياغة فقه الشرع اليهودي على يد الحاخام “إسحاق بن يعقوب الفاسي” -متأثرا بالمذهب المالكي- تحت عنوان كتاب الشرائع “سيفر هاهالاخوت”[4].

وما هي إلا سنوات حتى تبعه الأب الروحي للفقه اليهودي، وأشهر منظّري اليهودية القدماء، “موسى بن ميمون القرطبي”، والذي تعرّف في مصر على طائفة اليهود القرّائين، فدفعه الخوف من انتشار مذهبهم واندثار اليهودية الحاخامية إلى تدوين أهم كتب الشريعة اليهودية إلى يومنا الحالي، وهو كتاب تكرار الشرائع أو “مشناه توراه”، والذي بدا فيه تأثره الجلي بالتراث الإسلامي في تقسيم “ابن ميمون” للأدلة الشرعية اليهودية، على غرار تقسيم الإمام الشافعي للأدلة الشرعية (قرآن، سُنّة، إجماع، قياس)، فجعل التوراة في منزلة الدليل الأول، يتلوها إجماع الحاخامات، ثم القياس[5].
موسى بن ميمون القرطبي

هذا التفوق العلمي ليهود الإسلام دفع بدوره يهود المسيحية إلى اكتشاف كتابات الفاسي وابن ميمون وغيرهما، بل والتتلمذ على أيديهم كما حدث في مدرسة “لوسينا” التي أسسها الفارسي بعد ارتحاله إلى الأندلس، لتبرز طبقة عملية أشكنازية مقابلة لطبقة السفارديم تنازعها السيادة اليهودية وتحاول إبراز أثرها التشريعي.

على الرغم من ذلك فإن اليهود في الأندلس كانوا “ينظرون إلى أنفسهم على أنهم أكثر تميزا عن إخوانهم في الشمال الأشكنازي”[6]، ونجد ذلك جليا في تصريح الحاخام السفاردي الشهير “إبراهيم بن داوود” بأنه لا يوجد أي حاخام أشكنازي يستحق الاقتباس من أعماله إلا “يعقوب بن مائير”[7]، تماما كما اعتقد “موسى بن ميمون” بعدم أحقية اليهود الأشكناز في الحديث عن الأمور التشريعية لافتقادهم الأهلية الكافية لذلك[8].

كل هذه الأمور، وأكثر منها، أظهرت حجم التفوق المعنوي للسفارديم على الأشكناز في ذلك الوقت، إلى أن جاءت عائلة “ابن يخيل” التي ألف منها الأب “آشر بن يخيل” وابنه “يعقوب بن آشر” مصنفات في التشريع اليهودي، حاول من خلالها “يعقوب” -لإلمامه الكبير بالمذهبين- التقريب بين المذاهب التشريعية لكلا الفريقين في قانون تشريعي موحد، إلا أن سقوط الأندلس قد حال دون ذلك، ليتشرذم بعدها يهود الأندلس في شمال أفريقيا وبلدان العرب، وتتسع الهوة رويدا رويدا بين يهود الثقافتين، كل في موطنه وثقافته الغريبة عن الآخر، قبل أن تجمعهما التجربة الصهيونية ويشتعل بينهما الصراع مجددا.
اليشوف الجديد

حتى وقت متأخر من القرن التاسع عشر، وقبل موجات الهجرة الجماعية إلى أرض فلسطين، لم يطأ البلاد إلا عدد قليل جدا من اليهود الأشكناز مقارنة بأقرانهم السفارديم، والذين كانت لهم السيادة على المجتمع اليهودي في صورة “حاخام باشا” الذي يمثل السلطة الدينية الأكبر لدى اليهود، ويفصل بين الفريقين في الخلافات التي لم تهدأ أبدا بينهما. وقد ظل الوضع على هيئته تلك حتى بدأت موجات الهجرة الصهيونية الأشكنازية إلى فلسطين عام 1882، لتبدأ المرحلة الأكثر محورية في تاريخ اليهود الحديث.

وللتفرقة بين اليهود القدماء، المقيمين بفلسطين لأسباب دينية، واليهود الأشكناز، المهاجرين لأسباب صهيونية، أُطلِق على الفصيل الأول لقب اليشوف القديم، بما في ذلك الأشكناز القدماء، بينما سُمّي الفريق الثاني اليشوف الجديد، والذي مثّل التدعيم الأول للحركة الصهيونية وعماد خطتها لاستيطان فلسطين وتحويلها إلى وطن يهودي قومي[9].

في هذا السياق، يذكر الدكتور “عمر كامل” في كتابه “اليهود العرب في إسرائيل” أثر هذه الهجرات على تغيير بنية الجالية اليهودية بفلسطين، فالمهاجرون الجدد لم تحملهم الدوافع الدينية كسابقيهم، فهم جاؤوا من أجل الاستيطان لا من أجل الصلاة، وبذلك تغير البناء الداخلي للسكان اليهود على مستويين: أولهما ديمغرافي تمثل في زيادة أعداد الأشكناز في مقابل السفارديم، وثانيهما اقتصادي حدث مع قدوم رؤوس الأموال الأشكنازية، وما تبع هذا وذاك من تبدل خارطة القوى وميل الكفّة السيادية لصالح اليشوف الجديد.

وعلى الرغم من وجود الاتجاهات الدينية داخل اليشوف الجديد، فإن علمانية الحركة الصهيونية قد فرضت نفسها من خلال قيادتها الأشكنازية التي همّشت من دور “حاخام باشا”، وأجبرت السفارديم على إعادة هيكلة المؤسسات الدينية بما يتوافق مع الوضع الجديد، لينتهي الوضع في 23 فبراير/شباط من عام 1921 إلى لجنة مكونة من ستة حاخامات، ثلاثة لكل فريق، على أن يرأس اللجنة حاخام سفاردي وآخر أشكنازي، لتخرج السيادة من أيدي السفارديم إلى غير رجعة.
هيمنة الروّاد
وعند الحديث عن الكيان الصهيوني، فلا يمكن رواية ما حدث دون التطرق الكثيف لشخص “ديفيد بن جوريون” بوصفه الأب الروحي للكيان وقائده الأشكنازي الأول

في الكتيب الأول من رسائل السجن، يشرح الفيلسوف الماركسي “أنطونيو غرامشي” تصوره عن الهيمنة، والتي تبدأ بالتمييز بين مصطلحي الزعامة والسلطة، فيرى أن الطبقة التي تريد السلطة يجب أن تسيطر على الطبقات المضادة لها، أي أنها يجب أن تتزعم قبل أن تتولى السلطة. فالهيمنة عنده هي الخضوع الإيجابي الحر الذي يستطيع من خلاله الطرف المهيمن إخضاع المجتمع له بكامل إرادته وقناعته.

في هذا الصدد، وعند الحديث عن الكيان الصهيوني، فلا يمكن رواية ما حدث دون التطرق الكثيف لشخص “ديفيد بن جوريون” بوصفه الأب الروحي للكيان وقائده الأشكنازي الأول، بل إن البعض يعتبرون[10] أن كينونة الدولة الصهيونية ذاتها يمكن اعتبارها انعكاسا لأفكار “بن جوريون” نفسه، والذي يمكن اعتباره الحاكم المطلق الأول للكيان، أو حسب وصف أستاذ العلوم السياسية الإسرائيلي “بيتر ميدينج”[11]: “الديكتاتور ضعيف الفكر والسياسة، الذي يمتلك أكبر الأثر في مستمعيه ومريديه”.

لكن، وعلى الرغم من هذا التوصيف “الأكاديمي”، فإن “كامل” لا يرى في كاريزما “بن جوريون” التفسير الكافي لهيمنته، لأن “تطور اليشوف إلى دولة تُسمّى بإسرائيل لا يمكن تفسيره من خلال ذلك فقط”، لذا فهو يستدعي لتفسير ذلك أفكار “ميكافيللي” حول الزعيم الحديث الذي يتوصل إلى زعامته “بواسطة أسلحته الشخصية من البراعة والمهارة”[12]. وقد كانت الوكالة اليهودية، تحت قيادة “بن جوريون”، هي هذا الزعيم الحديث الذي سيحرر يهود أوروبا من قمعهم ويمنحهم الحياة في وطن جديد، فلا عجب إذن أن رأى “بن جوريون” في نفسه منقذ اليهود من شتاتهم ونبيهم الجديد، إذ كان على قناعة بأنه لا يمكن تحرير اليهود من الاضطهاد العالمي لهم -حسب زعمه- بمجرد جلبهم إلى فلسطين، وإنما بإقامة دولة لهم هناك يكون هو -وهو فقط- المسؤول عنها[13].

ولفهم آليات الهيمنة للقيادي الأشكنازي، يأخذنا “كامل” -عبر “غرامشي”- إلى رحلة تحليلية ترصد علاقة “بن جوريون” بطبقة العمال، وكيفية صعودها تحت قيادته لقمة الهرم الاجتماعي والسياسي في الكيان، وهو ما يعني بدوره هيمنة الأشكناز على كل شيء. فـ”غرامشي” يخبرنا أن “الزعيم الحديث ليس شخصا حقيقيا ولا يمكن أن يكون فردا مجسما، فهو لا يمكن إلا أن يكون كيانا مؤسسيا قادرا على تأسيس نمط جديد للدولة”[14].

لقد علم “بن جوريون” من اللحظة الأولى التي وَطِئت فيها قدمه أرض فلسطين أن تأسيس وطن اليهود يحتاج المؤسسات التي تعينه على ذلك، سواء كان في تنظيم يهود الداخل وهجرات الخارج، أو في بسط الهيمنة على الجميع، لذا اهتم بتأسيس النقابات العمالية -بناء على قاعدته الفكرية اليسارية- تحت مسمى اتحاد عمال إسرائيل (الهستدروت)، بالإضافة لتأسيسه حزب “ماباي” في ثلاثينيات القرن الماضي، والذي تمكن من خلاله من دمج القوى العمالية كلها تحت سيادته، فضلا عن زعامته للوكالة اليهودية، وهو ما مهد له كامل الطريق نحو قيادة الدولة العبرية، لأنه -وفقا لـ”يوناثان شابيرو[15]- “من ينظم البيت اليهودي في فلسطين، يصبح رب هذا البيت، ومن ثم سيكون المسيطر عليه”.

لذا، ونتيجة للثقافة الاشتراكية ليهود الشرق الأوروبي، عمد “بن جوريون” من خلال مؤسساته الأشكنازية لاعتماد التنظيم والانضباط عنصرا أساسيا في قيام الدولة، متأثرا بالنظام السوفيتي الذي عَقِبَ الثورةَ البلشفية في روسيا، ليس بسبب محتواه، بل لأن هذا النظام “وضع نُصب عينيه هدفا يتمثل في خلق أمة جديدة”[16]، وهو ما كان يتطلب ثورة روحية تعمل على تحرير الشعب اليهودي من التقاليد الروحية، ولم يجد “بن جوريون” أنسب من الصهيونية الاشتراكية لتحقيق هذا الهدف.

لم يقتنع “بن جوريون” يوما بأن مجرد الحصول على الأراضي بالدماء -كما يزعم “الصهيوني الفاشي”- كافٍ لإقامة وطن الصهيونية المأمول، وكذلك لم يرق له أن يكون “الصهيوني البرجوازي” -الذي يمتلك الأصول ويدير رؤوس الأموال- هو وجه الصهيونية على أرض فلسطين، ولهذا آمن تماما بأن الصهيونية الاشتراكية التي تسعى إلى مجتمع عمّالي حر هي الوجه الحقيقي للصهيونية، وما عداها مغلوط وغير صالح، وهو ما نجده مختصرا في أحد خطبه حين يقول: “فبدلا من الوجود بوصفنا تجارا وسماسرة، سنسعى لوجودٍ مستقل لشعب [عامل] على أرضه وضمن اقتصاد مبدع”[17].

لم تكن الثورة الصهيونية تتمثل عنده إذن في مجرد جلب اليهود من الشتات إلى فلسطين فقط، وإنما كان الأهم من ذلك هو زرع هؤلاء اليهود في فلسطين عن طريق العمل في أرضها، فالمشكلة لم تكن عنده في الوصول إلى البلاد، بل كانت في القدرة على البقاء والتجذّر في تربتها. من هذا التفكير، بدأ “بن جوريون” في التركيز على وسيلته لخلق شعب قومي: طبقة عمّالية يقوم عليها المشروع الصهيوني، وتكون هي المهيمنة على اليشوف، ومن ثم الدولة. ففي هذا السياق لن تهيمن البروليتاريا -أو الطبقة العاملة- عن طريق الصراع الطبقي (غير الموجود من الأساس في مجتمع اليهود الضئيل)، وإنما ستهيمن عن طريق خلق طبقة عمالية تكون هي القاعدة الاقتصادية للمجتمع وحجر الزاوية فيه[18].

هذه الطبقة سيمثلها الهستدروت وحزب العمل، أو حزب “ماباي” الذي كان دويلة داخل الدولة، فالهستدروت -أو اتحاد العمال- لم يكن اتحادا عماليا كلاسيكيا يحافظ على حقوق العمال، وإنما كان يخلق هذه الطبقة من الأساس، لذا أوجد سلطة اشتراكية تفوق السلطات الفردية لأصحاب رؤوس الأموال من اليهود، بالإضافة لذلك، كان الهستدروت هو الخزانة التي تدفقت عليها التبرعات العالمية من اليهود نتيجة لنشاط الوكالة الصهيونية الواقعة تحت قيادة “بن جوريون”، وبناء عليه فإنه كان أيضا هو البوابة الوحيدة لتوفير العمل داخل الكيان اليهودي، ما يعني بسط الهيمنة المركزية وجمعها كلها في يد رجل واحد يمثل فئة واحدة: والحزب هو الدولة، والدولة هي الهستدروت، والهستدروت هو الخزينة.
ناتان ألترمان

لكن هذا كله لم يكن لينجح دون الدور التربوي الذي احتكر من خلاله حزب “ماباي” المدارس من خلال نظام تعليمي موحد، لمحو ذاكرة الشتات لدى المهاجرين اليهود وإبدالها بذاكرة اليهودي القوي الرائد، مستخدما في ذلك ما وصفه “غرامشي” بدعائم الهيمنة من القيم الأخلاقية الثقافية، وذلك من خلال طبقة المثقفين التي هيمن عليها “الرواد الجدد” لليشوف. وللتعبير عن ذلك، يكفينا الإشارة إلى قول “موشي ديان” ذات يوم عن أحد هؤلاء المثقفين، وهو “ناتان ألترمان”، بأنه “بنجوريوني” يدفع الأمة كلها لتكون “بنجوريونية” تتشكل طبقا لأفكار “بن جوريون”[19].

من هذا المنطلق، وبعد وضع الدعائم المتكاملة لسيطرة “بن جوريون” وطبقته الأشكنازية الاشتراكية، وتحييد كل القوى اليهودية المعارضة، بدأت الخطوة الثانية: توفير العمالة بالهجرات المتتالية لليهود، لكنْ ثمّة تحدٍّ حرِج سيواجهه الكيان الصهيوني جرّاء هذه الهجرات.
السادة والعبيد

بوصفهم مطرودين من أوروبا، ومنبوذين وسط يهود الغرب الأوروبي، هاجر الأشكناز من يهود الشرق الأوروبي إلى فلسطين، لكن -وبعقدة نقص عجيبة[20]- قرر هؤلاء المنبوذون أن يكونوا امتدادا لأوروبا في الشرق، يتمسحون فيها ويخطبون ودها، فبدلا من تأسيس مجتمع صهيوني معادٍ للغرب المضطهد لهم، قرروا تغريب مجتمعهم الذي نبذه الغرب.

نجد ذلك جليا في قول أبي الصهيونية الأول “تيودور هرتزل”: “بالنسبة إلى أوروبا، فنحن في فلسطين نشكل جزءا من الجدار ضد آسيا، سوف نكون حائطا مانعا لمواجهة ثقافة الشرق البربرية”[21]. لقد حاول “هرتزل” -ومن ورائه الأشكناز جميعا- البرهنة بكل السُّبل على تشابه هدف المشروع الصهيوني مع هدف الحركة الاستعمارية الأوروبية للعالم، أي تحديث شعوب آسيا وأفريقيا عن طريق تطعيمها بالحضارة الأوروبية[22].
تيودور هرتزل

كان هذا التناقضَ الأول في الخطاب الصهيوني المبكر، بينما ظهر التناقض الثاني في التضارب الحَرِج بين دعاية الصهيونية وعقيدة أصحابها، إذ دعت الصهيونية يهود العالم كلهم للفرار من الشتات نحو فلسطين وتشكيل مجتمع اليهود الموعود، إلا أن هذه الدعاية -ذات الأساس الديني- لم تتوافق مع علمانية رواد الصهيونية وعنصريتهم الفجّة. لم يكن الصهاينة يأملون من خلال هذا الخطاب إلا في اجتلاب يهود أوروبا، إلا أنه -للمفارقة- أسهمت كلمات هرتزل وخلفائه حول دور إسرائيل في تدعيم موقف اليهود في أوروبا وتحسين أوضاعهم في بلادهم، في تقاعس أغلب هؤلاء اليهود عن الهجرة لمجتمع جديد ناشئ، هذا بالإضافة إلى فناء الكثير منهم خلال حقبة الهولوكوست، ولهذا وجد الصهاينة أنفسهم أمام سيل متدفق من الهجرات العربية التي هددت طموحات “تغريب إسرائيل”، وهو ما دفع “بن جوريون” لقوله: “نحن لا نريد أن يصبح الإسرائيليون عربا، نحن ملتزمون بمحاربة روح الشرق”[23].

نتيجة لذلك، وجد “بن جوريون” وحكومته أنفسهم أمام معضلة بلا حلول مثالية، فمن جهةٍ هم يعانون من فقر العنصر البشري اللازم لقيام الدولة، وفي الوقت نفسه هم لا يستطيعون التهرب من دعوة الصهيونية لهجرة يهود العالم أجمع، وعليه دعا “بن جوريون” إلى جلسة خاصة بالحزب قبل أشهر من إعلان دولته للتأكيد على ضرورة استمرار الهجرات العربية -غير المقيدة- للدولة الوليدة حتى يتوفر لها الأمان الكافي لإعلان تأسيسها[24].

وقد أثار هذا الرأي موجات من الأخذ والرد بين الساسة والمثقفين في اليشوف، إلا أن شيئا لن يكون خلاف رغبة “بن جوريون” الذي أراد القوى البشرية لاستيطان الأراضي المنهوبة، لذا قرر الأشكناز المهيمنون -أخيرا- استيراد العرب باعتبارهم موارد بشرية لإسرائيل، واهتم نظام الهيمنة “بزرع مبدأ حب العمل في نفوس اليهود العرب”، لكن مع إعادة تأهيل هؤلاء العرب ليناسبوا الصيغة الأوروبية لإسرائيل، ولهذا تم تجنيد كل القادرين على العمل ضمن المهاجرين لخدمة الدولة الأشكنازية، لكن مع إخضاع أولادهم لبرامج تعليمية وتأهيلية معينة، بغرض إبادة الهوية الشرقية والعربية من نفوسهم، بالإضافة لتربيتهم على أنهم عمال ومحاربون[25].

وبهذا أمكن للأشكناز التعامل مع المعضلة السفاردية، فهم ليسوا علماء الماضي وأنداده الذين يحوزون السيادة المعنوية على يهود الشتات، بل هم الخدم الحاليون “لأشكنزة” الكيان اليهودي المجمَّع، ولهذا مُنِح اليهود الشرقيون أسوأ الأراضي وأقلها ربحا وإنتاجية في الجبال، بينما كان نصيب المهاجرين الأوربيين هو الأراضي الخصبة السهلة، وقد تم تبرير ذلك الفصل الديموجرافي باختلاف اللغة، إذ لا يتقن السفارديم العبرية بعد ولا اليديشية التي يتقنها الأشكناز[26].

واستمرارا للنهج التمييزي، خُصِّصت أسوأ المساكن وأكثرها وضاعة لأبناء السفارديم، بل وُضِعوا في المخيمات، شأنهم شأن اللاجئين الفلسطينيين المطرودين من أرضهم. ولم يتوقف هذا التمييز الديموغرافي على تلك الحقبة التأسيسية للكيان فحسب، بل إنه يمتد لوقتنا الراهن، حيث يسيطر الأشكناز على الأحياء الراقية من عاصمة الاحتلال، بينما يقبع السفارديم في الأجزاء الجنوبية الفقيرة منها، والتي سُمّيت بـ “تشايبر”، أي البدائية والهمجية، ولهذا لم يكن اللقاء بين الشرقيين والغربيين إلا كلقاء الأسياد والعبيد[27].

ولم يدم الحال كثيرا حتى بدأت الانفجارات المتوقعة، فبعد عام واحد من تأسيس دولة الاحتلال، انفجرت الثورة السفاردية الأولى عام 1949 احتجاجا على الظروف السائدة في معسكرات ومخيمات التأهيل التي سكنوها عقب وصولهم، ورفضا للمناهج العلمانية التي تُدرَّس لأبنائهم عَنوةً وتمنعهم من التعليم الديني، وبالتزامن، بدأت تعلو الصيحات -خاصة بين مثقفي ورواد السفارديم- اعتراضا على سياسات الأشكناز العنصرية تجاههم، وقد بلغ هذا السخط الحد الذي حذّر فيه الزعماء الدينيون من خطر الحرب الأهلية.

في هذا السياق يحضرنا تحذير “دافيد بينكاس”، القيادي الديني وعضو لجنة التعليم بالكنيست آنذاك، الذي اعتبر ما يحدث للسفارديم في معسكرات التأهيل بأنه “إكراه للضمير وعودة لمحاكم التفتيش التي هي ضد الدين اليهودي”، مؤكدا أن الكيان “على شفا حرب أهلية، حرب حقيقية دامية، ما لم تتم الحركة سريعا”[28]، وهو تحذير تبعه انسحاب الأحزاب الدينية من الحكومة، حتى تم احتواء الوضع في 17 يناير/كانون الثاني 1950 بقانون مراوغ يسمح بثلاثة نظم دراسية: نظام وطني حكومي وعلماني، ونظام أشكنازي حريدي (ديني محافظ)، ونظام أشكنازي ديني قومي، دون أي ذكر للسفارديم الذين أشعلوا الوضع، لتعود الثورة مرة أخرى بعد عشر سنوات في تظاهرات وادي صليب التي كانت تحت شعار “خبز وعمل.. منزل وعمل”[29].

وعلى الرغم من ثبات نظام الهيمنة الأشكنازي أمام هذه التظاهرات، فإنه لم يمنع تردي الأوضاع مرة أخرى، لتعود تظاهرات 1971 في حي المصرارة بالقدس، فاتحةً باب النزاع الصهيوني الداخلي على مصراعيه، إذ تسلّح السفارديم حينها بدورهم الحربي في حرب الأيام الستة في يونيو/حزيران 1967، بعدما كان الأشكناز يمنّون عليهم بدورهم في نكبة 1948. في تلك الفترة، رأى السفارديم أخيرا أنهم قدموا لدولتهم -حينها- كل ما قدمه الأشكناز وأكثر، إلا أن الحكومة لم تأخذهم على محمل الجد، لتخرج مجموعة ضخمة من الشباب السفاردي تحت مسمى “النمور السوداء” في أكبر مظاهرة عرفها الكيان في 18 مايو/أيار 1971، منددين بالدولة الأشكنازية وإعلامها وجيشها وأحزابها لأول مرة بهذه القوة، صيحة لم تُعِرْها “جولدا مائير” -رئيسة الوزراء آنذاك- أدنى اعتبار حين سمّتهم بالأولاد المشاغبين، غير الإسرائيليين، الذين لا يعرفون اللغة اليديشية. هكذا، بكل بساطة، اختصرت رئيسة الوزراء وصف من ينبغي أن تعيرهم الدولة اهتمامها: إنهم أهل اللغة اليديشية، الأشكناز المهيمنون.

كانت تلك لمحةً من تاريخ التصدّع في جدار الدولة المغتصبة، والذي لم يتوقف إلى وقتنا الراهن -وإن قلّت حدته- ما يدفعنا لتكرار السؤال الذي ورد في تقريرنا السابق حول النزاع اليهودي-الصهيوني داخل إسرائيل، فنقول: هل تحمل إسرائيل داخلها عوامل فنائها؟الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube