https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

المؤلف: جاك فيرون

كان نشر توماس مالتوس كتاب مقالة عن مبدأ السكان في عام 1798  إيذانًا بميلاد تيارٍ يُنذر بخطر نموٍ سكاني سريع، من شأنه أن يهدّد مستقبل البشرية. وبعد مرور أكثر من قرنين، يبقى السؤال: “هل نحن أكثر ممّا يلزم على كوكب الأرض؟” مطروحًا بإلحاح؛ إذ لا يزال التيّار المتشائم في المسألة الديموغرافية يعدّ التزايد السكاني مسؤولًا عن كل الآفات والأسقام، ويُعرّض البشرية باستمرارٍ للخطر، ولا سيّما في بلدان الجنوب، ويُصرّ على الضرورة الملحّة للتدخل لأجل الحدّ من التزايد السكاني، ومن ثمّ ضرورة استقرار سكان الأرض في أسرع وقت ممكن، أو حتى انخفاضه؛ إذ إن بازدياد سكان العالم، من هذا المنظور، يتغيّر المناخ ويزداد التلوث وتستمرّ إزالة الغابات، وتصبح الأراضي الخصبة نادرةً بسبب الزحف الحضري، وتصبح الكوارث الطبيعية أشدّ حدةً وأكثر تواترًا من ذي قبل. وفي مقابل ذلك، يحتفظ المتفائلون بإيمانٍ راسخ بأنّ الديموغرافيا ليست هي المشكلة “بحدّ ذاتها” Per Se، وأنّ المشكل يكمن، بالأحرى، أكثر في أنماط التنمية والإنتاج والاستهلاك والتراكم والتوزيع الحالية، غير المستدامة وغير المتكافئة، التي ينبغي مراجعتها جذريًا.

منذ صدور كتاب مالتوس، وطوال القرنين الماضيين، التاسع عشر والعشرين، كانت الاهتمامات الديموغرافية تتعلق أساسًا بالقدرة على إطعام بشريةٍ تنمو بسرعة كبيرة (1.6 مليار في عام 1900، و6 مليارات في عام 2000، ومن شأنها أن ترتفع إلى 10 مليارات شخص بحلول عام 2050 ، وضمان ظروفٍ معيشية مناسبةٍ لها. وأُضيفت إلى هذه الاهتمامات في العقود القليلة الماضية مخاوف جديدة ذات طبيعة بيئية؛ فتلبية حاجات البشرية المتنامية تعني، في الكثير من المجالات، استمرار الضغط على البيئات المعرّضة للضرر البشري، وخصوصًا أنّ النمو الديموغرافي مصحوب بزيادة في نسبة سكان الحضر؛ إذ تُقدّر نسبة عدد سكان العالم في المدن بـ 54 في المئة في عام 2015، وتقدّر إسقاطاتها بنسبة 66 في المئة بحلول عام 2050 (زاد السكان الحضريون في العالم من 746 مليون نسمة في عام 1950 إلى 3.9 مليارات نسمة في عام 2015؛ وقد يصبح عدد الحضر 6 مليارات نسمة في عام 2045). كما يتّصف التمديُن العالمي الحالي بتركيزٍ وكثافة متزايدين، ويتّسم بكثرة السكن العشوائي وتوسّعه. وقدّرت الأمم المتحدة أنّ عدد الأشخاص الذين يقطنون السكن العشوائي تجاوز مليار نسمة في عام 2007، وأعلنت أنّ من المرجّح أن يتجاوز 1.4 مليار شخص في عام 2020، وأنهم سيتجاوز مليارين في عام 2050. وفي الوقت نفسه، أصبح عددٌ متزايد من الدول يتساءل عن شيخوختها وتدهورها الديموغرافي الحالي أو المستقبلي. وهذا ما جعل السؤال الديموغرافي، بعد فترةٍ طويلة من تجاهله، من جديد، في مركز الاهتمام على مستوى العالم ككلّ. بيد أنّ هذه الأسئلة الديموغرافية تُطرح على نحوٍ مختلف، وفق ما إذا كنّا موجودين في النصف الشمالي أو الجنوبي من الكرة الأرضية؛ إذ إنّ المتغير الديموغرافي غالبًا ما يُقدّم بوصفه تهديدًا في البلدان الأقلّ نموًا في الجنوب، ومصدرًا للقلق الشديد، بينما يجري اعتباره عمومًا في بلدان الشمال رصيدًا وضمانًا للحفاظ على استمرارية نموذج التراكم والنمو القائم، على الرغم من تأثيرات سلبية متعددة: التغيّر المناخي والهجرة الدولية، إضافة إلى الأسئلة المتعلقة بشيخوخة السكان وتمويل المعاشات التقاعدية على سبيل المثال.

من هنا تأتي أهمية كتاب الديموغرافي المتخصص في العلاقة بين السكان والبيئة والتنمية، جاك فيرون، الذي بين أيدينا: هل ينبغي أن نخاف من سكان العالم؟ والذي يطرح هذه الأسئلة وغيرها ويناقشها. ويؤكد فيرون فيه أنّ الزيادة المستمرة في عدد سكان العالم كانت دومًا موضع اتهام بتعريض البشرية للخطر، ولتجنّب الأسوأ، كثيرًا ما تجري التوصية باستقرار عدد سكان العالم، بل أكثر من ذلك، بضرورة انخفاضه. ويسوق فيرون حجج هذا الرأي الذي يربط التغير المناخي واشتداد التلوث واستمرار إزالة الغابات والأراضي الخصبة، التي تصبح يومًا بعد يوم شحيحة بسبب الزحف العمراني والكوارث الطبيعية التي أصبحت أكثر حدةً وأكثر تواترًا من ذي قبل، والنمو الديموغرافي غير المسبوق على مدى أكثر من قرن على نطاق الكوكب الأرضي بأسره. ويذكر فيرون أيضًا أنّ هذا الاستنفار بشأن النمو السكاني وُجد منذ ما يقرب من خمسين عامًا حينما نُشر كتابه القنبلة السكانية، وظهر تقرير نادي روما حول حدود النمو. كما لا يغيب عن الباحث عرض حجج التيار المتفائل القائمة في الأساس على إيمان لا يتزعزع بقدرة العلم والتكنولوجيا على حل أي مشكلة عند ظهورها. ويطرح في الأخير السؤال عما إذا كان لا يوجد حل وسط بين التشاؤم الراديكالي والتفاؤل السعيد. يطرح جاك فيرون في هذا الكتاب أسئلةً كبرى، تعبّر عن مدى تعقيد المسألة الديموغرافية، ويربط بين الأيديولوجيات السائدة وقضايا البيئة والتنمية، ويقترح، استنادًا إلى الكثير من المقاربات المميّزة، مثل مقاربات ماسيمو ليفي-باتشي أو أمارتيا صن، مقاربةً تدفع في اتجاه هذا الربط. لذا، تتمثّل القيمة المضافة الأساسية لهذا الكتاب في تجسير الأسئلة الديموغرافية مع قضايا التنمية والاستدامة؛ ما يجعل الكتاب مفيدًا للباحثين ولجمهور المهتمين بهذه القضايا بغرض تكوين رأيٍ بشأن إمكانات التوفيق بين السكان والبيئة والتنمية الاقتصادية، والتفكير في رهانات التغير السكاني في المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 − 4 =

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube