https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

كتب محمد خير الوادي :

تم قبل فترة قصيرة التوقيع على اتفاقية تعاون استراتيجي بين الصين وايران مدتها 25 عاما .

 وقبل الشروع في الحديث عن ملاحظاتي حول الاتفاقية ، لا بد من الاشارة الى نقطتين هامتين ، الاولى هي ، ان  العلاقات الصينية الايرانية موغلة في القدم ، وانه خلال ، القرون الماضية لم تحدث صدامات بين الجانبين ، ولم تكن هناك اطماع متبادلة او صدامات استعمارية  . وهذا وفر ارضية سهلة  للوصول الى تلك الاتفاقية .والثانيةهي شمولية الاتفاقية  التي تغطي قطاعات العلاقات كلها ، من الاقتصاد والتجارة ، الى السياسة والجيش والثقافة والعلوم والتعليم . بهذا المعنى ، فان هذه الاتفاقيه تشبه الى حد كبير اتفاقية انشاء منتدى التعاون العربي الصيني التي وقعت عام 2004 ، وكذلك اتفاقات مماثلة انجزتها بكين مع الدول الافريقية ودول قارة امريكا اللاتينة .لكن الاتفاق الصيني الايراني يتميز عن تلك الاتفاقات ـ بانه حصل  بين دولتين وليس مع مجموعة من الدول ،وهذا يهيأ له فرصا افضل للتنفيذ.

والآن الى الملاحظات .

واضح انه يمكن اطلاق صفة “الاضطرار  ” على هذه الاتفاقية

. بمعنى ، ان ظروفا خارجية ( العداء لآمريكا ) ،هي التي اضطرت الجانبين الى الاسراع في التوقيع على الاتفاقية . والدليل على ذلك ، ان وثائق تلك الاتفاقية كانت جاهزة منذ  ،  منذ خمس سنوات  ،وبقيت طيلة تلك الفترة كلها حبيسة في الادراج  .

فايران كانت  بحاجة ماسة الى كسر الحصار الامريكي عليها ، والصين  الطامحة لمجابهة امريكا الآن، تسعى الى تعزيز حضورها الدولي لمواجهة النفوذ الامريكي  . ويمكن ملاحظة هذا الاستعجال الصيني في مناطق اخرى من العالم . فقد اسرعت بكين في التوقيع على معاهدة الاستثمار المشترك مع الاتحاد الاوربي نهاية العام المنصرم وقدمت لانجاز ذلك تنازلات كبيرة للاوربيين. وتكرر الامر مع دول جنوب شرقي آسيا ، حيث اغرت  بكين تلك الدول بسرعة التوقيع على  اتفاق للتعاون الاقتصادي . وهذا حدث قبل عدة اسابيع .

 هذه الاتفاقيات كلها- كما اشرنا -انجزت على جناح السرعة ، وكأن الصين  كانت تسابق الزمن . والهدف الاساسي من هذه الاتفاقات الثلاث ، هواضعاف المواقع الامريكية في ثلاثة من اهم مناطق العالم ، والتي كانت ولا تزال تمثل اهمية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة.

والسؤال الذي ينهض هنا : ماذا  سيحدث لاتفاقية  التعاون مع ايران لوانتفى  ” العامل الخارجي ” – وتحسنت علاقات الجانبين مع امريكا  ،وهو  افتراض لا يجوز  اسقاطه .

فرغم التراشق الاعلامي الحاد الجاري  بين واشنطن وبكين ، لكن كلتا العاصمتين لا تملكان ترف الانزلاق الى مواجهة شاملة وقطيعة كاملة ، لان الاثمان الاقتصادية ستكون فوق طاقتهما على  التحمل .ولذلك ، فمن غير المستبعد ان،  يجنح الطرفان الى الحوار وتهدئة العلاقات الامريكية الصينية والتخفيف من حدة المجابهة بينهما . وهذا سيفقد الاتفاقية مع ايران  عمليا ذريعة اساسية  هي استخدامها- من جانب الصين – وسيلة لمواجهة امريكا.  

  وفي الجانب الايراني ، فان  المحادثات  التي بدأت الان  حول موضوع النووي الايراني ، قد تفضي الى انفراج ما في العلاقات الامريكية الايرانية ، وهذا يمكن ان  يبرٌد كثيرا من الحماس الايراني لتلك الاتفاقية .

الملاحظة الاخرى   هي ، ان  العلاقات الاقتصادية بين ايران والصين لم تجري دائما بسلاسة . و يكفي ان نذكرهنا، ان الشركات الصينية قد انسحبت قبل عدة سنوات   من اتفاقات كبيرة لاستثمار النفط الايراني ، وان البنوك الصينية لا تزال حتى الان تحتجز مليارات الدولارات المستحقة لايران . وسبب ذلك هو خشية المؤسسات الصينية من الوقوع في قائمة العقوبات الامريكية .وهذا يعني ان الصين ليست حرة تماما في علاقاتها مع ايران.

والملاحظة  التالية   تتعلق بحرص بكين على الا  يكون تعاونها مع ايران على حساب علاقاتها المتطورة جدا مع دول الخليج العربي . ولذلك استبق وزير الخارجية الصيني التوقيع على الاتفاقية مع ايران بزيارة السعودية لطمأنتها. فالانحياز  الصيني الى طهران  سيكلف بكين اثمانا باهظة .ويكفي ان نشير، الى ان حجم التبادل التجاري بين الصين ودول الخليج يكاد يلامس المئتي مليار دولار سنويا ، وان دبي تُعتبر المركز الرئيسي لتسويق وتوزيع السلع الصينية في المنطقة العربية كلها . وازاء ذلك ، ستكون بكين مقيدة بضرورة اخذ هذا العامل في الاعتبار  في علاقاتها مع ايران .

وهناك ملاحظة   اخرى ، هي العلاقات المتطورة جدا بين الصين واسرائيل ، فاسرائيل- كانت ولا تزال- تمثل كنزا استراتيجيا للصين . فعبر اسرائيل تمكنت الصناعات الصينية الدقيقة من الحصول على التقانة الغربية عامة والامريكية خاصة ، ثم ان الوجود الاسرائيلي في الصين كبير ومؤثر ، اضافة الى ان بكين تستفيد من نفوذ   اللوبي اليهودي القوي  في امريكا لكسر حدة عداء الادارات الامريكية للسياسة الصينية. وهذا يعني على الارض ، ان الصين لن تنجر الى مسايرة ايران في العداء لاسرائيل ، ولن تزودها باسلحة ومعدات يمكن ان تهدد الامن الاسرائيلي .،وستبقى عيون  بكين شاخصة باتجاه اسرائيل وتحصي ردود فعل  تل ابيب  على التعاون الصيني  مع ايران . وهذا يفسر سبب تحرك بكين خلال الايام الماضية- بعد صمت طويل – لاطلاق   مبادرة للسلام بين  اسرائيل والفلسطينيين ، ترتكز اساسا الى العمل على بناء” الثقة بين الجانبين وتيسير فرص الحل السياسي “.وهي مبادرة لم تغضب اسرائيل ، وكانت في الوقت نفسه رسالة واضحة لطهران ، مفادها ان بكين غير مستعدة للتضحية بعلاقاتها مع اسرائيل .

 والملاحظة الاخيرة حول الاتفاقية ، تتمثل في الانباء التي تحدثت عن وجود معارضة قوية لها بين اوساط ايرانية نافذة ، بذريعة ان الاتفاق ينال من استقلال ايران ويضعها تحت رحمة الصين . ويبدو ان هذا الامر كان السبب في تكتم طهران على الاتفاق وعدم نشر بنوده .

ورغم تأثير هذه العوامل  المقيدة على الاتفاق ، الا انه يبقى اطارا جيدا لتنظيم التعاون بين ايران والصين ، ودفعه الى آفاق استراتيجية جديدة ، وهو في الوقت نفسه يكسر طوق العزلة عن طهران ويعزز نفوذ الصين في اكثر مناطق العالم حساسية .

6/4/2021سابيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube