https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

كتب محمد خير الوادي :

من الصعب الان اطلاق الاحكام النهائية على نتائج الانسحاب الامريكي ووصول طالبان الى السلطة ،لكن الثابت ،  ان ما جرى في ذلك البلد الآسيوي  خلال الايام االقليلة الماضية ،ستكون له تفاعلات كبيرة وعميقة تطال دولا ومناطق كثيرة في العالم . وريثما تتوضح ابعاد تلك التفاعلات ، فانني اسجل الملاحظات التالية على الاحداث هناك :

 الملاحظة الاولى ، هي ان هناك اجماعا  من القوى السياسية الامريكية على ضرورة  خروج القوات الامريكية من افغانستان ، ولو ان  هذاالانسحاب قد تم بطعم الهزيمة بسبب تفكك الجيش الافغاني الذي بنته امريكا .

 قد توجه  بعض الجهات الاعلامية الامريكية والسياسية الامريكية نقدا لتلك الخطوة ، لكن هذا النقد لا يمس مبدأ  ضرورة الانسحاب نفسه ، بل يطال توقيته او طريقة تنفيذه . وسبب هذه الاجماع يكمن في وجود القناعات التالية لدى اغلب القوى السياسية الامريكية :

– ان القوات الامريكي قد انجزت المطلوب ( اي القضاء على القاعدة ) وقتلت بن لادن وانهت خطر القاعدة على امريكا .

– ان  افغانستان قد تحولت الى عبء مالي وعسكري كبيرين على امريكا ، حيث  انفقت واشنطن نحو 700 مليار  دولار لتمويل وجودها في افغانستان ، اضافة  الى اشغال عشرات الآلاف من القوات الامريكية في تلك الحرب .

-ان على امريكا ان توقف  فورا الخدمات التي قدمتها مجانا طيلة عقدين للصين .فبكين-حسب اعتقاد الامريكيين – استفادت من اجواء الاستقرار والامن التي وفرها وجود القوات الامريكية في افغانستان ، وتجلت هذه الفائدة في تفرغ الصين  للبناء والاعمار في الوقت الذي كانت  تقاتل فيه امريكا قوى الارهاب التي تشكل خطرا على الصين ايضا .

-ان الانسحاب الامريكي من سايغون لم يكن هزيمة لأمريكا – كما تروج بعض الاوساط –   . فان هذا الانسحاب الذي تم عام 1973 قد اوجد الظروف المناسبة لقيام ما يشبه التحالف اليوم  بين اعداء الامس ،والدليل على ذلك ، ان امريكا قد باتت اليوم  الموردالاول للاسلحة الى فيتنام ،والمستثمر رقم واحد هناك والشريك التجاري الرئيسي لفينتام ، وان هناك توافقا عميقا  بين هانوي وواشنطن على ضرورة التصدي للعدو المشترك – الصين .. والامر نفسه قد يتكرر مستقبلا في العلاقة بين امريكا وطالبان .  

الملاحظة الثانية ، ان الهدف الامريكي للانسحاب من افغانستان ، هو الصين . فواشنطن باتت ترى في الصين الخطر الاكبر عليها ، والتهديد العالمي الاول لامنها . ولذلك تسارع واشنطن الآن الى تركيز وجودها العسكري في بحر الصين الجنوبي وانهاء مغامراتها العسكرية العبثية  في افغانستان والعراق ، وبث الحياة في تحالفاتها  في  منطقة جنوب شرق آسيا لمواجهة التحدي الصيني .

واعتقد ان الصين هي الدولة الاولى القلقة من وصول طالبان الى الحكم في افغانستان . فهناك   حدود مشتركة  لأفغانستان مع منطقة شينجيان الويغورية الصينية ،   وهناك كذلك علاقات قديمة بين طالبان والحركات الدينية الويغورية المتشددة والمعادية لبكين . وستسعى بكين الى استخدام كل مهاراتها السياسية من اجل ترويض طالبان ، ابتداء من تقديم عروض اقتصادية سخية   للسلطة الجديدة في كابول في اطار مبادرة طريق الحرير والحزام ، مرورا باستثمار علاقة  باكستان الجيدة مع طالبان ، وانتهاء بالعزف على وتر العلاقات التاريخية السلمية الضاربة في عمق التاريخ بين الصين وافغانستان . واذا كانت بكين قد نجحت في في هذا الامر مع دول اسلامية اخرى اشترت صمتها  فيما يخص الويغور ، فان الامر سيكون اكثر صعوبة مع طالبان بسبب الطبيعة الدينية المتزمتة للحركة ، لا سيما ان طالبان قد  اعلنت انها  ستؤسس امارة اسلامية نقية ( وليس دولة ) في افغانستان  .وعقلية الخلافة التي ستحكم الامارة ستكون بعيدة  كل البعد عن الاساليب المعهودة في حكم الدول .

وهناك عوامل اخرى  يمكن ان يكون لها تاثير سلبي على علاقات طالبان مع بكين ، منها ان امريكا الخصم الرئيسي للصين ، لم تحرق الجسوركلها  مع طالبان  ، وان امكانية التحالف بينهما واردة في المستقبل . وللتذكير فقط ، فقد  تحالفت واشنطن  قبل اكثر من ربع قرن مع القوى الاسلامية الافغانية المتشددة ضد الاتحاد السوفياتي الشيوعي  ، وهذا الامر يمكن ان يحدث مرة اخرى  ضد الصين الشيوعية . ثم ان الحركات الاسلامية الباكستانية والتي تعتبر الاب الروحي لطالبان ، تتبنى الان مواقف معادية  للوجود الصيني في باكستان،وتنظم بشكل دوري عمليات قتل واعتداء على  الخبراء الصينيين هناك .

الملاحظة الثالثة ، هي ان وصول طالبان الى السلطة في كابول ستكون له تأثيرات على منطقة وسط آسيا بكاملها . فطالبان تملك علاقات قوية مع الحركات الاسلامية المتشددة المعارضة للانظمة الحاكمة  في دول آسيا الوسطى كلها ، اضافة الى تداخل الامتدادات العرقية بين شعوب المنطقة .  وهذا الامر يشكل نقطة قلق ليس لحكام تلك الدول فقط ، بل لروسيا ايضا .كما تجدر الاشارة الى العلاقات العدائية القديمة لطالبان مع الهند ،  والتي تجلت في اقدام  مسلحي طالبان على تفجير  تماثيل بودا في افغانستان  في آذار 2001. كما ان هناك نقطة اخرى تثير قلق نيودلهي وتتجلى  في   العلاقة الراسخة القائمة بين الحركات الاسلامية المعادية للهند في كشمير وبين طالبان ، اضافة الى ما يشاع عن دعم هائل قدمته الحكومة الباكستانية لطالبان خلال الاسابيع الاخيرة . ولن تكون ايران قطعا بمعزل عن تاثيرات قيام سلطة دينة متشدة منافسة لها  في كابول .

الملاحظة الرابعة ،وتجلت في سهولة سيطرة طالبان على البلاد ، ويعود سبب ذلك الى ان الشعب الافغاني قد سئم الحروب والدمار والعنف ، وهو يريد العيش بسلام وهدوء ويدعو كل القوى الافغانية لحل خلافاتها على السلطة بالطرق السلمية . وقد وعبٌر الجيش الافغاني عن هذا الموقف عندما رفض المواجهة، وآثر تسليم السلاح وعدم القتال ، وهو امر فاجأ الامريكيين الذي انفقوا عيه 83 مليار دولار وزوده باحدث الاسلحة ،وتركوا له معدات لا تحصى .  وقد حرص المتقاتلون الافغان  -من الجانبين -على عدم  استهداف البنى التحتية اثناء الاشتباكات التي حدثت .كما اتخذت طالبان موقفا لافتا عندما دعت  الجميع الى عدم القيام باية عمليات عسكرية داخل كابول  ، حفاظا  سلامةالمباني والمؤسسات هناك .

باختصار ،لقد  تخلصت واشنطن من كرة النار الافغانية التي احرقت اصابعها ، ورمت  تلك الكرة في هشيم تلك المنطقة ، الامر الذي يمكن ان يشعل مزيدا الحرائق ويؤجج بؤر التوتر  والصدامات هناك .

16/8/2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube