https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

.

تعتبر مايزيا نموذجا متمیزا للدول النامیة، حیث حققت قدرا کبیرا من التنمیة، لعبت فیه الدولة دورا محوریا بما لها من أجهزة ومؤسسات فی تحقیق تنمیة شاملة، الأمر الذی یجعل منها نموذجا یستحق دراسته.

وفى هذا الإطار لطالما اُعتبر الفساد أحد أخطر وأهم المعوقات التی تقف أمام تحقیق التتمیة بل أن العدید من التقاریر والدراسات أکدت علی أن الفساد بکافة أشکاله وأنواعه یساعد علی تآکل عوائد التنمیة ویحد من قدرة الدولة علی تحقیق عدالة التوزیع فیما بین أفراد المجتمع.ولذلک فقد أخذت الدولة المالیزیة علی عاتقها منذ الاستقلال تنمیة وتطویر الأجهزة الحکومیة بما یحقق التنمیة الاقتصادیة ویضمن مستوى متمیز من الخدمات العامة و بناء نظاماً سیاسیاً واداریا ذو قدرة استجابیة عالیة لاحتیاجات المواطن.

 والسؤاول الاساسي :کیف نجحت الدولة الانمائیة فى مالیزیا فی تحقیق الانجازات على صعید مکافحة الفساد خصوصاً أثناء فترتى حکم رئیس الوزراء مهاتیر محمد فى الفترة الأولى من عام 1981 بدایة تولى مهاتیر محمد الحکم حتى عام 2003 ، ثم فى فترته الثانیة من مایو 2018حتى مارس عام 2020 فترة حکمه الثانیة؟

كانت ا لتحدیات التنمویة مثل أزمة العرق والفقر وعدم الموازنة فی الدخول بین السکان الاصلیین المالای وغیرهم من الأقلیات کانت مطالب مٌلحة على النظام، دفعته الی انتهاج سیاسة تنمویة من ضمنها سیاسات مکافحة الفساد (التحویل)، نتائج تلک السیاسات من مؤشرات ایجابیة ونجاحات تمثل “المخرجات”.

.

وقد تمرکزت مؤسسات التخطیط والتنفیذ الاقتصادی فی مالیزیا فی وحدة التخطیط والتى کانت تتبع رئیس مجلس الوزراء وکان لها دورها المهم فی تخطیط التنمیة القومیة، وبصفة خاصة فی فترة التصنیع الذی تقوده الدولة تحت رئاسة مجلس الوزراء بقیادة مهاتیر محمد بعد عام 1980.

.

تحدیات التنمیة فی مالیزیا

 تُعد مشکلة التعدد العرقى واحدة من أخطر التحدیات التى واجهت الدولة المالیزیة فی تحقیقها للتنمیة، اذ تعتبر مالیزیا دولة متعددة الأعراق حیث بمثل السکان الاصلیون(البومبیوترا) 58% من السکان فی حین یمثل الصینیون 24% من اجمالی عدد السکان، أما الهنود فیمثلوا 8% من السکان، بالاضافة الی عدد من أقلیات من التایلاندیین والاندونسیین والاسترالیین والأوروبیین.

بالاضافة الی هذا التعدد، تتمیز أیضا مالیزیا بالتعدد الدینى، حیث یدین بالاسلام حوالی 60% أغلبهم من الملایو وبعض الصینیین والهنود، فی حین یدین بالبوذیة 19% والمسیحیة 9% والهندوسیة 6% والکنفوشیة 3% اما الباقى بلا دیانات.

فی الواقع ، قد تکون قضیة التعدد العرقى من القضایا الشائعة فی عدد من العالم النامی وواحدة من اکبر معوقات وتخدیات التنمیة، بیدا أن هذا التحدى یکتسب الکثیر من الخصوصیة فی النموذج المالیزى وذلک بسبب وجود متلازمة بین التعدد العرقى من ناحیة والتعدد الدینى والحالة الاقتصادیة من ناحیة أخرى، فالمالای(السکان الاصلیون)، وهم غالبیة السکان ویعانون من تدنى الحالة الاقتصادیة وانخفاض مستوى المعیشة مقارنة بالصینین الذین لا یمثلون أکثر من ربع عدد السکان، وعلى الرغم من ذلک فهم یمتلکون معظم ثروات البلاد، کما ان الملایو یقطنون فی المناطق الریفیة والولایات الفقیرة ویعملون فی المهن الفقیرة مقارنة بغیرهم من العرقیات، کما انهم یعملون فی القطاعات ذات الانتاجیة المنخفضة کالزراعة ، کما تقل القدرة الإنتاجیة والإبداعیة عند الملایو عن غیرهم من الاقلیات الاخرى.

ویذهب الکثیر من الباحثین الی أن هذه الاختلافات العرقیة والدینیة وما صاحبها من تفاوتات اقتصادیة تعود الی الاسباب التالیة:

1-موجات الهجرة فی فترة الاستعمار البریطانى وما قبلها، حیث شهدت مالیزیا عددا من موجات الهجرة لا سیما من الهند والصین وذلک لتمیز مالیزیا بوافرة المحاصیل وامکانیات الزراعة والصید بالاضافة الی تزاید عدد السکان فی البلاد المجاورة لمالیزیا.

2-المعاملة التفضیلیة الموجهة ضد الملایو فی فترات الاستعمار البریطانى، حیث قصر الاحتلال البریطانى الاقتصاد الزراعى والتقلیدى عموما على الملایو بینما أفسح المجال للعرقیات الأخرى لاسیما الصینیین للعمل فی القطاعات التجاریة الأکثر ربحیة وهو ما أفضی فی النهایة الی حدوث تمایز اقتصادی بین العرقیتین خالقا بذلک ما یعرف بمعلضة الملایو على حد تعبیر مهاتیر محمد، ومن ثم فان الادارة الاستعماریة ضد الملایو الی نزوحهم الى القرى والمناطق الریفیة من المدن والمراکز الصناعیة والتجاریة.

ویذهب البعض أن الادارة البریطانیة فی فترة الاحتلال کانت مسئولیة عن عدم الانسجام العرقى بین الملایو والصینیین حیث فتح البریطانیون الباب أمام الهجرة الصینیة للبلاد وذلک لخدمة المصالح البریطانیة، وهو ما أدى الی خلق وضع تعاظم فیه النفوذ الاقتصادى الصینی وتدنت فیه مستوى المعیشة للمالای.

وبعد الاستقلال استمرت هیمنة الصینیین على الحیاة الاقتصادیة فی مالیزیا بالشکل الذی حافظ على الوضع الذی کان سائدا قبیل الاستقلال مع انخفاض الفرص الاقتصادیة امام الملایو للدخول فی الاعمال التجاریة. ومن ثمة نشأت علاقة ضمنیة أطلق علیها “الصفقة”، وبموجب هذه العلاقة یسیطر الصینییون على الحیاة الاقتصادیة على أن یهیمن الملایو على الحیاة السیاسیة فی البلاد.

وهکذا اشتعلت احداث العنف العرقى عام 1969 بین الملایو والصینیین اثناء احتفال الصینیین بنتائج فوزهم فی الانتخابات النیابیة، تلک الأحداث التى انتشرت فی ارجاء مالیزیا، کانتشار النار فی الهشیم لتفرض على الحکومة سرعة التدخل بمختلف اجهزتها ومؤسساتها لعلاج التفاوتات الاقتصادیة بین العرقیات واتاحة فرص اقتصادیة متکافئة امام الملایو تمکنهم من المشارکة فی الاعمال الاقتصادیة الحدیثة والحصول على نصیب عادل من عائدات التنمیة.

2-المنظومة الثقافیة والقیمیة:

من أبرز التحدیات التى واجهت مالیزیا هى طبیعة النسق القیمى والثقافی السائد، ذلک النسق الذی یوصف فیه الملایو على انهم کسالى ومتخلفون عن رکب التقدم وهو ما انعکس فی تدنى المستویات الاقتصادیة ومستویات التعلیم لدیهم، وقد اطلق علیهم مهاتیر محمد “معضلة المالایا”. ذهب مهاتیر محمد الی أن العوامل الجنینیة والوراثیة قد لعبت دورا محوریا فی تدنى الأوضاع الاقتصادیة والاجتماعیة للملایو، حیث یحرص الملایو على الزواج من بعضهم البعض، الأمر الذی أدى إلی خلق جیل ضعیف غیر قادر على قیادة البلاد للحاق برکب التقدم، مقارنة بالصینیین الذین تزخر بلادهم بالکوارث الطبیعیة التى لا ینجو منها سوى الاقویاء والاذکیاء، فجاءت الاجیال الصینیة ذکیة وقویة مما مکنها من السیطرة الاقتصادیة.

ومن ناحیة اخرى ساهمت القناعات الثقافیة والدینیة لدى الملایو فی ارساء معضلة الملایو، حیث ذهب مهاتیر محمد الی ان الملایو فی تعلمهم للإسلام أساؤا فهم مبادئه السلیمة، فقد أدى فهمهم المغلوط لمبادئ الإیمان بالقدر الی اتصافهم بالسلبیة، کما أدى التعامل بالکرم والاحسان والتسامح مع غیرهم من العرقیات الی سعى العرقیات الاخرى لاستغلالهم وفی مقابل ذلک لم ینتبهوا الی أن مبادئ الاسلام ترکز على اتقان العمل والاخلاص فیه .

علاوة على ان المنظومة الثقافیة للملایو ساهمت بشکل کبیر فی اتساع الهوة الاقتصادیة بینهم وبین الصینیین، حیث تتضمن المنظومة الثقافیة للملایو تفضیل الحیاة البسیطة على المغامرة وحب المخاطرة وهو ما هو أدى الی تفضیل الحیاة فی الریف عنها فی المراکز الصناعیة والمدن، وجعلهم لا یفضلون العمل الشاق وان أدى الی تحسین أحوالهم المعیشیة ومستویات دخولهم، أضف إلی ذلک زهدهم فی الارتقاء بمستواهم التعلیمى وتقاعسهم عن استیعاب التطورات التکنولوجیة.

3-ضغوط النظام الدولى:

لم یؤدى انتهاء الحرب الباردة وتحول بنیة النظام العالمی الی القطبیة الأحادیة إلی تحسین الأوضاع الأقتصادیة للدولة النامیة بل خلق فی مواجهتها مزیدا من التحدیات، وذلک فی ظل السیاسات الحمائیة کسیاسة الاغراق وهى السیاسات التى حرمت الدول النامیة من الدخول العادل إلی أسواق الدول المتقدمة فضلا عن غیر المتقدمة وحرمها من الاتجار فی السلع التى تتمتع فیها بمیزة تنافسیة.

علاوة على ظهور التکتلات الاقتصادیة الکبرى ، بالاضافة الی القواعد التى تضعها الدول الکبرى من خلال منظمة التجارة العالمیة والتى تهدف الی تحریر التجارة فی الخدمات لخدمة مصالحها وترفض تحریرها فی المنتجات الزراعیة.

وقد وصف مهاتیر محمد العولمة بالاستعمار التقلیدى ولکن فی ثوب جدید، حیث قال أن الأمال والطموحات لدى الدول النامیة ذهبت الی ادراج الریاح بسبب سیطرة الدول المتقدمة على مقدرات الاقتصاد العالمی مما مکنها من وضع قواعد وشروط للتبادل التجارى.

4-الازمة المالیة الاسیویة 1997 والازمة المالیة 2008

ضربت الازمة المالیة الاسیویة دول جنوب شرق أسیا، والقت بتداعیات بالغة على الاقتصاد الاسیوى عموما والمالیزى خصوصا، حیث فقدت مالیزیا 19% من قیمة عملتها أمام الدولار کما انخفضت معدلات النمو إلی أقل من 5%، کما انعکست على الاستقرار السیاسی المالیزى بتفجر الخلاف بین مهاتیر محمد وأنور ابراهیم حول استراتیجات التعامل مع الأزمة.

على عکس ما روج له البنک الدولى من أن اسباب الازمة ترجع الی ضعف الصادرات وضعف کفاءة الجهاز الادارى بینما رأى مهاتیر محمد ان تلک الأزمة نتیجة انعکاسات ظاهرة ظاهرة العولمة على الدول النامیة، حیث اتسم النظام العالمی بعدم المساواة فی الفرص الاقتصادیة فضلا عن السیطرة من قبل الدول الکبرى على مقدرات الاقتصاد العالمی.

تأثرت مالیزیا أیضا بالازمة المالیة العالمیة 2008، وخاصة فیما یتعلق بمعدلات النمو وحجم الصادرات، حیث انخفضت معدلا النمو الی 4.6%، وکذلک حجم الصادرات بنسبة 15.95% خلال الأزمة.

“التجربة المالیزیة فی مکافحة الفساد”

منذ حصولها علی الاستقلال عام 1957 جعلت الحکومة المالیزیة عملیة تدعیم وإصلاح الأجهزة الحکومیة أحد أهم أولویات بناء الدولة الحدیثة. و علی الرغم من أن مستویات الفساد التی توجد بمالیزیا هى الأقل مقارنة ببعض الدول الأسیویة الأخری التی یرتفع فیها معدلات الفساد مثل أندونیسیا و تایلاند والفلبین إلا أن مالیزیا قد اتخذت العدید من التدابیر التی من شأنها مواجهة الفساد داخل الأجهزة الحکومیة منذ الإستقلال.

– ملامح و مظاهر الفساد فى مالیزیا:

طبقاً لمسح میدانى قامت به منظمة الشفافیة الدولیة عام 2013، فإن أکثریة الأسر التی شملها الاستطلاع ترى أن الأحزاب السیاسیة فی مالیزیا فاسدة بدرجة کبیرة . و یعتبر ربع الأسر التی شملها الاستطلاع أن جهود الحکومة فی مکافحة الفساد غیر ذات فعالیة وغیر مؤثرة .

وفى هذا السیاق فقد صنًف مؤشر مدرکات الفساد لعام 2017 الصادر عن منظمة الشفافیة الدولیة مالیزیا فی المرتبة 62 من بین 180 دولة حول العالم.

و فی تقریر التنافسیة العالمیة للمنتدى الاقتصادی العالمی 2013-2014 یکشف رجال الأعمال الذین تضمنهم الاستطلاع أن السلوکیات غیر الأخلاقیة للشرکات تُشکل عائقا أمام ممارسة الأعمال والأنشطة التجاریة والاقتصادیة فی مالیزیا ، حیث أن والمزایدات الحکومیة والصفقات العامة تُمنح أحیانا لشرکات ذات ارتباطات وعلاقات دون مناقصة مفتوحة شفافة.

وإرتباطاُ بما سبق، یمثل الفساد قضیة هامة فی مالیزیا، بالرغم من أنه لیس بنفس الدرجة من الانتشار والتوغل مقارنة بالدول الآسیویة الأخرى فی منطقة جنوب شرق آسیا . ففی مؤشر مدرکات الفساد لعام 2014 حصلت مالیزیا على درجة فساد قدرها 52 من أصل 100 (درجات عالیة أقل فسادا) ؛ وهو ما یجعل مالیزیا ثانی أنظف و أقل بلد فی جنوب شرق آسیا، وفی المرتبة التاسعة من بین 28 دولة فی آسیا والمحیط الهادئ وفی المرکز 50 من أصل 175 دولة تم تقییمها فی جمیع أنحاء العالم.

أما فی مؤشر مدرکات الفساد لعام 2015، حصلت مالیزیا على درجة فساد قدرها 50 من أصل 100. حیث أصبحت فى المرتبة 54 عالمیا والمرتبة الثانیة فی منطقة جنوب شرق آسیا بعد سنغافورة التى تحتل المرتبة الأولى فی جنوب شرق آسیا والثامنة عالمیا، ثم جاءت تایلاند فى المرتبة الثالثة فی جنوب شرق آسیا وال76 عالمیا، و إندونیسیا فی المرتبة الرابعة فی جنوب شرق آسیا وال88 عالمیا، وفیتنام التى تحتل المرتبة الخامسة فی جنوب شرق آسیا، و112 عالمیا.

– الإطار القانونی المُنظم لجهود مکافحة الفساد فی مالیزیا:

لقد کانت مالیزیا سبّاقة فی مسالة ایجاد آلیات لمکافحة الفساد. فقد شرعت سلطات الاحتلال البریطانى أوائل الخمسینات فی أن تُوکل مسألة التحقیق فی بعض جرائم الفساد ضمن قسم التحقیقات Criminal Investigation Department والتی تم فیما بعد إنشاء وحدة مستقلة داخل القسم عام 1958. ثم عمدت الدولة عقب الإستقلال إلی إدماج هذا القسم مع غیره من التدابیر التی أتخذتها الحکومة فیما سبق لتتکون هیئة جدیدة “هیئة مکافحة الفساد Anti-Corruption Agency( ACA) تجمع فی تخصصاتها مهام التحقیق والإدعاء فی قضایا الفساد والتی نظم أوضاعها قانون منع الفساد Corruption Prevention Actالذى صدر عام 1961 والذى لم یکن تشریعاً برلمانیاً ، حیث جعل الهیئة تابعة لوزارة الشئون المحلیة. وقد واجهت عمل الهئیة العدید من أوجه النقد أهمها عدم ضمان استقلالیة الهیئة و استمراریة تبعیتها لأحد الأجهزة الحکومیة مما یثیر مسألة تضارب المصلحة .

کما أشار البعض إلى فقر الهئیة للکوادر البشریة المطلوبة لتعقب قضایا الفساد الذی تتورط فیه بعض الشخصیات المعروفة کبار الساسة وذلک لقربها من الحزب الحاکم أو قضایا الفساد التى تتورط فیه بعض الأفراد العاملین فی قطاع الشرطة أخذاً فی الإعتبار أن العدید من العاملین فی هذه الهیئة هم من رجال الصف الثانى من جهاز الشرطة وذلک بدوره یمثل تضارباً للمصلحة. حیث لا یستطیع هؤلاء توجیه الاتهام إلی من هم فی الصف الأول فی جهاز الشرطة لأنهم من یتخذوا قرارات الترقیة الخاص بهم حال رجوعهم إلى جهاز الشرطة مرة أخرى، و بالتالى عدم قدرة الهیئة على تحریک الإدعاء ضد هذه الشخصیات والإقتصار علی التحقیق فی بعض قضایا الفساد المحدودة .

أیضاً أفرزت الممارسة وفقاً لهذا القانون وعمل الهیئة مشکلة متعلقة بعدم قدرة الهیئة علی متابعة أو تتبع قضایا الفساد الکبیر نتیجة لإفتقار الهیئة للأدوات التی تضمن نجاح تتبع المتورطین فى قضایا الفساد الکبری وقدرة المتورطین فیها علی استغلال نفوذهم خاصة السیاسیین للتحایل علی الإجراءات و التهرب من العقاب .

وتلافیا لهذه المشکلات قامت الحکومة المالیزیة عام 1973 بإنشاء المکتب القومی للتحقیقات The National Bureau of Investigation (NBI)فی قضایا الفساد بناء علی القانون الذی مرره البرلمان و الذى غیر مسمى القانون من Anti-Corruption Act (ACA) لیحمل نفس مسمی الهیئة The National Bureau of Investigation Act . وفی عام 1982 أرجع البرلمان الأسم الأول للقانون (ACA).

وعلی الرغم من إدراک الدولة المبکر لأهمیة مواجهة الفساد وما اتخذته الحکومات المالیزیة من اجراءات وقوانین وانشاء لهیئات تقوم علی حصار الفساد الموجود ، إلا أن مستویات الفساد قد ارتفعت، حیث تراجعت مکانة مالیزیا وفقا لمؤشر مدرکات الفساد Corruption Perception Index (CPI) حیث احتلت مالیزیا المرتبة 26 عام 1996 ثم المرتبة 44 عام 2006. هذا وقد تحسن الوضع بعض الشئ خلال العامیین 2007-2008 حیث بلغ مؤشر مدرکات الفساد 5.1، ثم تدهور خلال العام 2009 إلی 4.1 . وقد أشار المؤشر إلی استمرار التدهور بعض الشئ حیث وصل خلال عام 2012 إلى 4.9 واحتلت مالیزیا المرتبة 54 فیما بین 174 دولة، کما شغلت المرتیة العاشرة فیما بین دول جنوب شرق آسیا .

وجدیر بالذکر أن البرلمان المالیزی قد أقر قانون مکافحة الفسادThe Anti-Corruption Law عام 1997 وذلک عقب الأزمة المالیة التى هزت دول جنوب شرق آسیا وقد أقر القانون ضرورة انشاء هیئة لمکافحة الفساد بحکم القانون یشرف علیها رئیس الوزراء الذى یقوم بتعیین رئیس الهیئة ونوابه. کما حدد القانون کلٌ من طبیعة ومفهوم وأنواع الفساد (اساءة استغلال السلطة العامة والوظیفة العامة، الابتزاز، المحسوبیة، العطایا و الهدیا)، طریقة اختیار رئیس الهیئة ونوابه والمدد المسموح بها لشغل هذه المناصب، والموظفون المعینون بها، کما فصل القانون الإختصاصات المخولة للهیئة بحکم القانون. وقد حدد القانون بشکل من التفصیل الإجراءات التى یجب علی الهیئة والعاملون بها اتباعها عند اجراء التحقیق والبحث والقاء القبض علی المتهمین فی القضایا محل التحقیق التی تتولاها الهیئة .

  ونجد أن ذلک قد شکل أحد أهم الأسباب التی دفعت برئیس الوزراء الأسبق عبد الله أحمد بدوی عندما وصل إلی السلطة خلفاً لمهاتیر محمد عام 2003 بأن یجعل مواجهة الفساد من أولی أولویاته، بل أنه أعلن منذ تولیه السلطة عن التزامه نحو تدعیم الحکم الرشید و تدعیم قیم الشفافیة والمساءلة وذلک جنبا إلی جنب مع تدعیم القیم الروحیة والأخلاقیة القائم علیها المجتمع المالیزی. وفى هذا الصدد اتخذت الحکومة مجموعة من التدابیر والخطط التی من شأنها تقویض ومواجهة الفساد الذی قد یوجد فی کلاً من القطاع العام والخاص والذی قد یعیق تنفیذ الخطط التی تبتها الحکومة بشأن رؤیة مالیزیا 2050 والتی من أهمها أن تکون مالیزیا من أحد الاقتصادیات المتقدمة التی تحقق دخلاً مرتفعاً لمواطنیها فى عام 2050.

– أهم الخطط والاستراتیجیات التی سنتها الحکومة المالیزیة لمحاصرة الفساد:

1- الخطة القومیة لتدعیم النزاهة The National Integrity Plan(NIP) والتی أکدت على اتباع منهج وقائی یقوم علی منع تواجد الفساد وذلک من خلال الإستثمار الخُلقی والاخلاقى فی أفراد المجتمع المالیزی بشکل عام وتدعیم مجموعة من القیم والأخلاق التی تعلی من قیم النزاهة والأمانة والشفافیة. کما اکدت الخطة علی أن الهدف لیس فقط مواجهة الفساد الذی یسبب تآکلاً للموارد العامة فحسب بل أن الهدف هو النهوض بالمجتمع قوام أفراده یتمتع بمنظومة قویة من القیم الأخلاقیة والدینیة والروحیة.

وقد قامت خطة النزاهة القومیة علی التطبیق من خمس مراحل خلال الفترة المتدة من 2004-2008. وقد اعلت المرحلة الأولی مجموعة من الأولویات جعلتها علی اجندة عمل الأجهزة الحکومیة التی تبنا فکر الإصلاح و التطویر المستمر نهجاً لها، من أهم هذه الأولویات :

• العمل بفاعلیة علی تقلیل کل ما یُعد عملاً فاسداً یتم من خلاله اساءة استخدام السلطة.

• العمل علی الرقی بجودة تقدیم و ایصال الخدمات العامة وتجنب ما قد یُوصف علی أنه تعقید بیروقراطی وقد یمثل باباً من أبواب اساءة استغلال السلطة.

• تدعیم حوکمة الشرکات والعمل علی بناء مجتمع أعمال تکون قوامه الأخلاق والقیم وغیر مدفوع فقط بتحقیق الربح.

• تدعیم وتقویة مؤسسة الأسرة.

• تحسین جودة حیاة الانسان.

وقد عملت الحکومة المالیزیة علی تقسیم الخطة إلی مجموعة من البرامج وإیجاد مجموعة من أدوات و میکانزمات التنسیق التی تفعل من وجود مجموعة أخری من المؤسسات المجتمعیة الموجودة بالفعل والتی من شأنها ان تساعد على تحقیق أهداف البرنامج. وفی سبیل ذلک حددت الخطة مجموعة من الاستراتیجیات الشاملة والتی تستثمر وتدفع بمجموعة من خطط الإصلاح

واستکمالاً لعمل الخطة فقد تم انشاء المعهد الوطنی لتدعیم النزاهة Integrity Institute of Malaysia (IIM) . و قد أُوکل لهذا المعهد مهمة ضمان ومتابعة عملیات التخطیط والتطبیق والتنسیق والمتابعة والتقویم المتعلقة بخطة النزاهة. کما أن المعهد أخذ علی عاتقه ترسیخ ثقافة تناهض الفساد من خلال تنظیم العدید من الدورات التدریبیة لتدعیم قیم النزاهة والشفافیة فی المنظمات العامة، بالإضافة إلی عقد العدید من جلسات ودوائر المناقشة التی جمعت بین المتخصصین من جانب وبعض العاملین فی القطاع الخاص وذلک من أجل تجذیر ثقافة تناهض الفساد فى کلاً من القطاعیین العام والخاص، کما حاول المعهد ایجاد أدوات للتنسیق والمتابعة من خلال عقد مجموعة من المؤتمرات التی تتم برعایة المنظمات الدولیة المعنیة ودعوة کلاً من العاملین فی القطاع الخاص والعام. وفی هذا السبیل أیضاً حاول المعهد بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائى الدفع بعدد من برامج بناء القدرات والمهارات للعاملین فی المعهد والقائمین علی تنفیذ خطط وبرامج الخطة القومیة لتدعیم النزاهة و الشفافیة .

فعلی سبیل المثال أصدر رئیس الوزراء المالیزى السابق نجیب رزاق عام 2011 قراراً بإنشاء أکادیمیة مکافحة الفساد لتکون الأولی من نوعها فی المنطقة لتقوم علی تقدیم نوع من التدریب الحرفى للعاملین فی القطاعین العام والخاص فی مالیزیا ودول الجوار. وقد هدفت الأکادیمیة بشکل رئیس إلی بناء کوادر قادرة علی متابعة سیاسات مکافحة الفساد واجراء التحقیقیات اللازمة خاصة فی جرائم الفساد الکبیر مثل تلک المتعلقة بجرائم غسل الأموال ومتابعة تنفیذ السیاسات علی المستوى القومی. ونجحت الحکومة المالیزیة فی الحصول على دعم کلاً من بنک التنمیة الأسیوى Asian Development Bank (ADB) ومنظمة التعاون الاقتصادی والتنمیة (OECD).

من جهة أخرى وعلی التوازی قامت الحکومة المالیزیة بمجموعة من الخطوات التی من شأنها منع انتشار الفساد وتدعیم قیم المساءلة والشفافیة. فقد دفعت الحکومة عام 2012 بقوانین من شأنها إصلاح نظم المحاسبة الداخلیة التی تعتمد علیها المنظمات العامة .

کما أنشأت الحکومة مکتب الشکاوى العامة Public Complains Bureau لتلقی شکاوى المواطنین بخصوص أداء المنظمات العامة. و قد نظّم هذا المکتب العدید من الرحلات والزیارات علی مستوى الدولة، کما تم تنظیم العدید من اللقاءات التی جمعت أعضاء هذه اللجنة برؤساء الهیئات الحکومیة المعنیة فی موضوع الشکوی والمواطنین. وقد ساهمت هذه الألیة بشکل کبیر فی تحسین مستوى الخدمات العامة، حیث أن تواجد مثل هذه الممارسة من شأنه تدعیم ثقة المواطن بالحکومة و تعضد من قدرته علی المساهمة فی إیصال صوته للقائمین علی صنع السیاسات وبالتالی أرائهم حول أفضل الطرق لتقدیم الخدمات أو تحسین تقدیم الخدمة خاصة علی مستوی بعض المناطق المحلیة التى لم یکن لها القدرة علی إیصال شکواها.

وقد أمنت الحکومة المالیزیة أن مکافحة الفساد لاتتم بمعزل عن إصلاح البنیة التشریعیة والقانونیة المرتبطة بمجموعة من الأنشطة والمرافق الحکومیة، علی رأسها قطاع الشرطة حیث تم تشکیل لجنة بأمر ملکى فی العام 2009 لإصلاح الإدارة الشُرطیة وتغییر أسلوب العمل والمنظومة القیمیة التی کان یقوم علیها قطاع الشرطة. فأکدت اللجنة علی ضرورة تعزیزالعاملین فی الشرطة بقیم أخلاقیة وروحیة ودینیة لتمثل حائط صد لمقاومة الفساد. وقد حرصت اللجنة أثناء عملها علی الإستماع إلی أراء المواطنین للوقوف علی أهم المشکلات التی یواجهونها أثناء التعامل مع أفراد الشرطة. کما اعتمدت اللجنة على بناء استراتیجیة وقائیة فیما بین العاملین فی الشرطة وانشاء ادارة داخلیة تقوم على عملیة المتابعة الدوریة للعاملین و تقوم علی تلقی شکاوی المواطنین.

من جهة أخرى سعت الحکومة إلى تغییر القوانین المنظمة لإجراءات عمل المزادات والعطاءات الحکومیة التی تُعد أحد أهم الأبواب التی قد تغذى الفساد فی القطاع الحکومى.

أما فیما یتعلق بقضایا الفساد الکبیر فقد أصدر البرلمان قانون مکافحة غسیل الأموال وحظر تمویل الأرهاب عام 2001. کما قنن البرلمان ما یُعرف بالمال السیاسی Money Politics وهو المال الذی یتم استخدامه من قبل بعض السیاسیین بغرض شراء أصوات الناخبین ویعد هذا السلوک نوعاً من أنواع الفساد السیاسی. کما أصدرت الحکومة المالیزیة مجموعة من التشریعات التی من شأنها تدعیم حریة تداول المعلومات وکفالة حریة حصول الأفراد على المعلومات وتدعیم حریة الصحافة. وقد عملت الحکومة علی توفیر ضمانات حقوقیة للموظفین العمومیین الذین یبادروا بالکشف عن الفساد داخل المنظمات العامة .

و مع عودة رئیس الوزراء المالیزى مهاتیر محمد للحکم مرة أخرى فى مایو 2018 عقب فوز تحالف الأمل الذى قاده بالانتخابات العامة الأخیرة ضد رئیس الوزراء السابق نجیب رزاق المُدان فى تهم فساد مالى، بدأ مهاتیر مهام عمله رافعا شعار مکافحة الفساد عالیاً، وعازما على إصلاح أخطاء الحکومة السابقة التی ترأسها نجیب عبد الرزاق.

وفى خلال فترة وجیزة لا تتعدى عشرة أیام استطاع مهاتیر محمد محاربة العدید من مظاهر الفساد فی بلاده، وخلال هذه الفترة القصیرة قام بفتح أکثر الملفات والقضایا فسادا ، وهو الصندوق السیادی المالیزی الذی تقدر حجم الأموال المنهوبة منه بأکثر من 4.5 ملیارات دولار، کما بدأ التحقیق مباشرة مع نجیب عبد الرزاق رئیس الوزراء السابق وزوجته وبعض أقاربه بتهم الفساد والتربح وتلقی رشاوى خارجیة بلغ قیمتها حوالى 681 ملیون دولار من الأسرة المالکة بالسعودیة.

والجدیر بالذکر فى هذا السیاق، أن مهاتیر محمد قد قام بالتحرک سریعا لإسترداد أموال منهوبة جرى تحویلها إلى الخارج عبر عملیات تحویل غیر مشروعة، بل وأکد أن حکومته تسعى لاسترداد ملیارات الدولارات التى دخلت فی إطار عملیات غسیل أموال فی الولایات المتحدة وسویسرا ودول أخرى .

2- هیئة مکافحة الفساد The Malaysian Anti-Corruption Commission (MAAC)

و نتیجة لما استشعرته الحکومة تراجعاً لموقع مالیزیا وفقاً لمؤشر مدرکات الفساد والذى کان له أثره فی انخفاض نسب الاستثمارات الخارجیة. أقرت کلاً من الحکومة والبرلمان عام 2008 قانون إنشاء الهیئة القومیة لمکافحة الفساد، وتتولى هیئة مکافحة الفساد عملیات متابعة التحقیق فی قضایا الفساد بشکل مستقل دون تبعیة لرئیس مجلس الوزراء. وقد حدد القانون المنشأ للهیئة کلاً من الرؤیة و الرسالة التی یجب أن تقوم علیها الهیئة. حیث تتمثل رؤیة الهیئة فی ” السعی نحو بناء مجتمع مالیزی خال من الفساد قائم علی تدعیم القیم الخلقیة والروحیة، والسعی نحو جعل هذه الهیئة نموذجاً للتمیز لیس فقط علی المستوى القومی بل علی المستوى الإقلیمی”.

کما تتمثل رسالة الهیئة فی ” العمل علی محاصرة الفساد بکل أشکاله والعمل بشکل مستمر علی تدعیم وتقویة قیم النزاهة والشفافیة وبناء کوادر بشریة فاعلة تعمل علی تحقیق ذلک فی کلاً من القطاعین العام والخاص”

ویتولى کبیر المفوضین داتوک دزلکفلی أحمد. رئاسة الهیئة المالیزیة لمکافحة الفساد فى الوقت الحالى ، وقد تم تعیینه فی أغسطس 2016 لیحل محل الرئیس المفوض السابق تان سری أبو قاسم محمد. ، وهى حالیا تحت إدارة رئیس الوزراء المالیزىز

ومن أبرز المهام التى قامت بها الهیئة بعد تولى مهاتیر محمد مقالید الحکم مرة أخرى فى مایو 2018 ، کانت فی أوائل یولیو 2018، حیث تم القبض على رئیس الوزراء السابق نجیب رزاق من قبل لجنة مکافحة الفساد المالیزیة (MACC) للتحقیق معه فی کیفیة تحویل 42 ملیون رینغیت مالیزی (10.6 ملیون دولار أمریکی) من سی أر سی الدولیة إلى حساب نجیب المصرفی.وصادرت الشرطة محتویات شخصیة وحقائب ید ومجوهرات بقیمة 273 ملیون دولار .

وقد تبنت الهیئة فى الفترات السابقة مجموعة من البرامج التی تمکن الحکومة المالیزیة من مواصلة جهودها لدعم التنمیة والإصلاح المستدام اللذان یضمنا استمرار السعی نحو تنفیذ أهداف المخطط 2050من جهة، و من جهة أخری یعضد من توجه الدولة المستمر نحو القضاء علی الفساد الذی أمنت مالیزیا أن وجوده من أهم المعوقات التی تعیق تحقیق التنمیة. ومن أهم تلک البرامج برنامج إعادة الهیکلة الحکومی Government Transformational Program و الذی تبنته الحکومة عام 2010. والذی بدوره اندرج تحته مجموعة من الخطط أهمها National Key Results Areas وهی تلک الخطة التی رکزت العمل علی ستة أهداف رئیسة وهی : تحسین مستویات الدخل والتقلیل من معدلات الجریمة ومحاریة الفساد وتحسین عوائد العملیة التعلیمیة والرقى بمستوى المعیشة الفئات والأسر الفقیرة وتحسین البنیة التحتیة والنقل فى المناطق الحضریة.

3- تدشین مؤسسة صندوق برادانا الدولیة لمکافحة الفساد:

جاءت أخر إسهامات رئیس الوزراء المالیزى مهاتیر محمد فى سعیه الحثیث لمحاربة ومکافحة الفساد ، فى فبرایر 2020 عندما قام بتدشین صندوق مؤسسة “بردانا” الدولیة لمکافحة الفساد بالتعاون مع الصندوق الدولی التابع للأمم المتحدة لمکافحة الفساد ، حیث أکد مهاتیر محمد إن هذا الصندوق ذو أهمیة کبرى لأنه یعمل کنظام داعم ومساند لمسؤولى مکافحة الفساد الذین تعرضوا للتهدید والإساءة فی سبیل القیام بمهامهم.

ومن المتوقع أن تؤدى المؤسسة دورا مهما فی تنفیذ مسؤولیة الصندوق الدولی التابع للأمم المتحدة لمکافحة الفساد فی مالیزیا واستکمال تطلعات اتفاقیة الأمم المتحدة حول الفساد.

والجدیر بالذکر فى هذا السیاق، أن الإدارة المعنیة بمکافحة الفساد فى مالیزیا، قد أعلنت أوائل فبرایر 2020، أنها تقوم بالتحقیق فى مزاعم من مکتب مکافحة جرائم الاحتیال الخطیرة فى بریطانیا تدور حول ان شرکة إیرباص الأمریکیة قد دفعت رشوة قیمتها 50 ملیون دولار للحصول على طلبیات من أکبر شرکة طیران فى آسیا من حیث المیزانیة وهى (إیر آسیا) ومقرها مالیزیا.

یتضح أن موقع مالیزیا قد اختلف وتطور بشکل ایجابی بعد تدشین الاستراتیجیة المالیزیة لمکافحة الفساد الصادرة عام 2004، فنجد مؤشر مدرکات الفساد یعکس تطور کبیر فی ترتیب مالیزیا فی التقریر الصادر عام 2014، وکذلک مؤشر دافعی الرشوة أیضًا أوضح وجود طفرة فی نتائج هذا المؤشر على مالیزیا وهو ما تعکسه نتائج المؤشر الصادر عام 2014.

 كما أوضحت نتائج مسح الموازنة المفتوحة تطور ترتیب مالیزیا فی مسح الموازنة المفتوحة منذ مشارکة مالیزیا فی هذا المسح عام 2008، والتی احتلت فیه مالیزیا المرکز 35 من بین مائة دولة مشارکة حول العالم، وأظهرت نتائج المسح الذی تم إعداده من قبل شراکة الموازنة الدولیة (IBP)، وأظهر تقریر مالیزیا الصادر عن المنظمة فی تقییمه لمالیزیا أنها احتلت المرکز 39 من إجمالی 100 دولة تم تنفیذ المسح علیها، وهو ترتیب أقل من متوسط ترتیب جیرانها مثل اندونیسیا والفلبین، لکنها أیضًا أعلى من جیرانها تایلاند وکامبودیا وفیتنام ومینمار.

فمالیزیا تقدم قدرا یسیرا من المعلومات للعامة حول وثائق موازنتها خلال العام، فتعطى الحکومة معلومات محدودة حول الموازنة القومیة لها والأنشطة المالیة، مما یطرح معه تحدى کبیر للمواطنین عند محاسبتهم للحکومة لتصرفها فی المال العام.

یتضح أن مؤشرات مالیزیا فی مؤشر تقدیر الحوکمة تتراوح ما بین 59 إلى 70.25، ولکن من قراءة المؤشرات الخاصة بالدولة نجد أنه فی العام الذی أصدرت مالیزیا فیه الاستراتیجیة الوطنیة لمکافحة الفساد انعکس ذلک على ترتیبها فی مؤشر السیطرة على الفساد لیصبح 70.24 وذلک فی عام 2004، وأخذ ینخفض ثم حقق أعلى مستوى له منذ عام 2004 فی التقریر الصادر عام 2014 لیصبح 68.42.

تُعد التجربة المالیزیة لمکافحة الفساد من أهم التجارب التی تم إعدادها على مستوى مختلف الدول النامیة، وإن کان هناک العدید من المشکلات التی تعترضها نتیجة لطبیعة النظام السیاسی المالیزی إلا أنها تعد هامة فی طریق بناء الدولة المالیزیة، ومکافحة مظاهر الفساد خاصة فی مجال الخدمة العامة.

و ما یجب التنویه له فی هذا الشأن أن أهم ما یمیز التجریة المالیزیة فیما یتعلق بمحاربة الفساد هو تکاملیة التجربة حیث لم یکن توجه الحکومات المالیزیة أحادى النظرة أو أحادی البعد، بل أن محاربة الفساد جاء ضمن رؤیة أکثر شمولیة للدولة المالیزیة فی إطار ما عُرف بالرؤیة 2050 التى اعتمدت علی رؤیة استراتیجیة لمالیزیا تجعل منها أحد الدول المتقدمة فى عام2050 . ولذلک لم ترکن الحکومة إلی الإعتماد على تشریع أو إنشاء هیئة تقوم علی محاربة الفساد دون تفعیل دور کلا ًمن القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدنی بل أن الحکومة المالیزیة سعت إلى دعوة بعض المنظمات الإقلیمیة التی لها القدرة على توفیر التمویل اللازم لخطط مکافحة الفساد کما أشارت الورقة سلفاً.

وتقدم التجریة المالیزیة نموذجاً متفرداً جدیر بالدراسة خاصة للدول النامیة، حیث مثل النموذج المالیزی فی التنمیة بشکل عام ومحاربة الفساد و التطویر الإداری بشکل خاص نموذجاً خاصاً قام علی تفعیل منظومة القیم الروحیة والأخلاقیة والدینیة التی یتمتع بها المجتمع وجعلها منطلقاً رحباً لتدعیم بناء الدولة والمجتمع أولاً کوحدات أصیلة متکاملة ومتجانسة رغم اختلافها. ثم همت فی ذات الوقت لتاخذ بأسباب التمدن و التحدیث وجعلت من التنمیة المستدامة هدفاً رئیساً لکل خطط التطویر التی تتبعا الدولة. و قد أوضحت التجربة المالیزیة فی محاربة الفساد عدم وجود استراتیجیة أو آلیة سهلة تستطیع من خلالها الدول علاج ذلک الخلل المجتمعی والاقتصادی الذی یسبب تآکلاً مستمراً لجهود التنمیة ویحد من تحقیق عدالة التوزیع. أوضحت التجربة المالیزیة أیضاً ضرورة حساسیة واستجابة الحکومة للتغیرات والمشکلات المجتمعیة. أخیراً أظهرت التجربة المالیزیة ضرورة وجود نظرة تکاملیة شمولیة لاشکالیة الفساد، فعلی خلاف العدید من التجارب التی ترتکن علی ایجاد صیغ قانونیة وتشریعیة ومؤسسیة نزعت مالیزیا إلى وضع اشکالیة الفساد فی القلب من مخططها الاستراتیجی ورؤیتها القومیة للدولة.

وحول الدرورس المستفادة من التجربة التنمویة المالیزیة:

أولا: ضرورة الأخذ بمبدأ التکامل بین دور الدولة ونظام السوق على أن تکون الدولة فی تدخلها أکثر مراعاة للبعد الاجتماعی وتحقیقا للعدالة الاجتماعیة.

ثانیا: التعامل الحذر مع الاستثمار الأجنبی، وذلک من خلال وضع الضوابط اللازمة لضمان سلامة الاقتصاد القومى وتوجیه الاستثمار الاجنبی المباشر إلی القطاعات التى تخدم التنمیة.

ثالثا: ـأهمیة دور القیادة السیاسیة ودورها فی العملیة التنمویة.

رابعا: الاهتمام بمنظمومة التعلیم فی مختلف المراحل، على اعتبار أن الإنسان هو جوهر التنمیة، مما یمکنه من تحقیق التنمیة.

خامسا: تبنى استراتیجیة لتوزیع الدخول تهدف مکافحة الفقر المدقع وإعادة هیکلة العمالة وزیادة تنمیة الأعمال التجاریة والصناعیة للغالبیة الفقیرة.

سادسا: اتباع لسیاسة ضریبیة أخذه بمبدأ التصاعدیة فی ضریبة الدخل.

سابعا: منح الإعانات المالیة للفقراء، تقدیم قروض بدون فوائد لشراء المساکن قلیلة التکلفة للفقراء فی المناطق الحضریة، علاوة على تدعیم الأدویة التی یستهلکها الفقراء(بالتعاون مع  الموسوعة الجزائرية للدراسات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube