https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

رشيد أمديون

لعل اسم عباس محمود العقاد يحضر لدى فئة ما على أنه أديب وكاتب مصري، وأحد المثقفين المؤثرين في البيئة الأدبية والفكرية العربية، وبأنه كاتب العبقريات «عبقريات شخصيات إسلامية» وقد تزيد معرفتهم بالعقاد من خلال حياته العامرة بالسجالات في المجال الأدبي، أو ما يعرف -عند من كتبوا عنه – بمعاركه الأدبية والفكرية. لكن للوهلة الأولى هل يمكن أن يحضر اسمه في أذهاننا مرتبطا بالسياسة، خاصة أنه يعد شخصية عملت في الصحافة زمنا طويلا، وله بصمة في مجال السياسة، من خلال ما خاضه في معاركه السياسية، التي دفعته أيضا للكتابة في هذا المجال؟

عن هذا يجيب كتاب «العقاد في معاركه السياسية» لسامح كريِّم، الذي صدر عن دار القلم في بيروت عام 1979، ويصل عدد صفحاته إلى 327 صفحة.

إن جل ما خاضه العقاد من معارك في ميدان السياسة، وما تبناه من مواقف يقدمه هذا الكتاب في عشرة أقسام مفصلة، بحيث تعد إجابات عن مجموعة من الأسئلة منها ما يتعلق بتفسير مواقف العقاد الكثيرة، فهو ما يكاد يفرغ من موقف حتى يبدأ في اتخاذ موقف جديد، وهو نفسه ما يكاد يفرغ من معركة حتى يبدأ في أخرى، ما يعطينا شخصية لعلها خلقت للمواقف، وهو ما دفع البعض بوصفه بالسيف، في حدته وشدته وانتقاده وتمسكه الشديد برأيه، مهما كان الأمر. ولتفسير ذلك فقد قدم الكتاب ثلاثة تفسيرات هي، التفسير السياسي، والاجتماعي، والفكري. وكل تفسير يوضح جانبا من ملامح شخصية العقاد. ويسترسل الكتاب في عرض مواقف العقاد من بعض المفاهيم السياسية، التي تمثلت في صيغ الأحزاب، والثورات، والمذاهب الاجتماعية، والأحداث الوطنية، والنظم العنصرية، والحركات الدينية، وقد جاءت في ستة فصول توسع فيها الكاتب، ثم انتقل إلى الشخصيات السياسية التي خاض العقاد معهم أعنف المعارك السياسية، بداية بمعركته مع الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث أن هذا الأخير كان له موقف من العقاد الذي مسّ ذاته التي لا تمس في عرف الملوك والسلاطين، فاتهمت السلطة العقاد، وحيث كان هو أول صحافي مصري تتخذ السلطة موقفا ضد كتاباته المناهضة لسياستها… ثم يأخذنا هذا الكتاب أيضا إلى معارك العقاد مع الملك فؤاد وابنه الملك فاروق.. مرورا على باشوات العهد الملكي ورؤساء وزرائه وأحزابه إلى غاية قيام ثورة 23 يوليو/تموز 1952، وهنا توقف هذا الكتاب لحظات مع موقف العقاد من قائد الثورة المصرية جمال عبد الناصر.

أما في القسم الأخير فيضم بعض الوثائق التاريخية التي تعطي فكرة للقارئ والباحث عن فترة مهمة من حياة العقاد: الوثيقة الأولى؛ وهي نص محاكمة العقاد عام 1930 مع دفاع مكرم عبيد عنه… والوثيقة الثانية، هي نص المقال الذي كان قد كتبه العقاد تعليقا على كتاب «فلسفة الثورة في الميزان» للرئيس عبد الناصر. وإذا نظرنا إلى قيمة هذا الكتاب، فهو يضيء فترات مهمة من تاريخ مصر، بداية من ثورة عرابي إلى غاية ثورة الضباط ورئاسة عبد الناصر لمصر، وهي مراحل متعددة في قرن التحولات الكبرى، هذا القرن الذي شهد نضال العقاد ليس أديبا فقط، بل كاتبا صحافيا ورجل مبادئ كان يدعو إلى الحرية والديمقراطية، ولم يتنازل قط عن مواقفه، رغم كل الظروف التي مرّ بها، خاصة بعد انسحابه من حزب الوفد حين كان كاتب الحزب.. وبهذه المبادئ والأفكار استهوى العقاد بمقالاته الشعب المصري، في المقابل كان يؤلب عليه كبار السياسيين، لأنه رجل يرى المبدأ أرضا صلبة يعيش عليها أو يموت عليها، ومبدأ حق الحرية، هو ما كان يشغل بال العقاد، فاستعان بصناعة الكلمة وليس أي كلمة، إنها تلك الصادقة التي لا تنمو إلا في بيئة تتسم بالحرية، فكانت أزمته مع هذا الحق، لأن غيره لم يكن يريد له أن يتمتع به، بل حتى لا يفكر في الاستمتاع بحريته، ومن هذه الأزمة (أزمته مع الحق) انطلقت معاركه على فترات وأزمنة مختلفة كان فيها الطرف الآخر في المعركة هو الحاكم/السلطة، أو من لا يقتنع أن الناس لا يستعبدون بعد أن ولدتهم أمهاتهم أحرار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube