https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

عبد الكريم قادري

تجاوز الفيلم الكوميدي الصيني “مرحبا أمي” الرقم القياسي في شباك التذاكر الصيني، وذلك بعد أن اقترب من عتبة المليار دولار، رغم قصر فترة عرضه في القاعات السينمائية التي لم تتجاوز سبعة أشهر، ويعود حجم هذا الإقبال الكبير إلى القصة المضحكة والمبكية التي تناولها.

فما قصة هذا الفيلم الذي أحبه الصينيون وأعادهم إلى قاعات السينما؟

استطاعت الشابة “جيا لينغ” (39 سنة) في أول الأمر أن تفرض موهبتها في الساحة السينمائية الصينية كممثلة، بعد أن تلقّت دراسة أكاديمية في أحد معاهد الفن بمدينة ووهان، لكن التمثيل وحده لم يكن ليرضى طموحها، فذهبت في اتجاه الإخراج، وأكثر من هذا فقد أنشأت مؤسسة إنتاج سينمائي، لتدخل مغامرة الفن السابع من كل أبوابه، باحثة عن حلمها، فارشة له الطريق ليتحقق.

وبعد عدة محاولات سينمائية معقولة، أظهرت “لينغ” في آخر أفلامها “مرحبا أمي” (Hi Mom) -الذي أنتج 2021، ويبلغ 128 دقيقة- موهبة حادة ونادرة، إذ استطاعت أن تحقق رقما في شباك التذاكر الصيني من خلال فيلمها، فوصل إلى سقف لم تستطع أي امرأة صينية أخرى تحقيقه أو الوصول حتى لنصفه، وهذا ما يعتبر نجاحا ساحقا في عُرف الإنتاج السينمائي، وفي الوقت نفسه يوجه البوصلة لساحة الاستثمار الصينية في مجال السينما.

المخرجة وكاتبة السيناريو الصينية “جيا لينغ” التي لعبت دور الشخصية الرئيسية في فيلم “مرحبا أمي”

ذائقة المتلقي.. غلبة السينما الصينية على شباك التذاكر

بدأت السينما الصينية تتحرر بشكل تدريجي من هيمنة الأفلام الأمريكية المسيطرة على شبّاك التذاكر منذ سنوات، وأصبحت الغلبة –خاصة في السنوات الأخيرة- للسينما الصينية التي بدأت تملأ فراغات القاعات بأفلام محلية مصنوعة بشكل جيد، متحررة من الخطاب الأيديولوجي والمباشرتية السياسية المقحمة، لترضي الذائقة الفنية وتحافظ في الوقت نفسه على قالب العيش الصيني، فلا تخدش حضاراته وعاداته وتقاليده بأفلام مدّعية لا تقدم الثقافة والترفيه، بقدر ما تقدم موادا تساهم في الهدم.

وقد ساهمت المخرجة “جيا لينغ” في الدفع بهذا المشروع للأمام، وذلك لتعويد الجمهور الصيني على السينما المحلية للإقبال عليها، ليس من خلال الأفلام التجارية أو التي لا تستجيب فيها لتطلعاته وثقافته، بل من خلال أفلام تحافظ على الجوانب الفنية، وفي الوقت ذاته تحترم ذكاء المتلقي وذائقته الجمالية.

وهذا ما احتفى به فيلم “مرحبا أمي” الذي اعتمد على مبدأ فنية الأفلام ومنطلقها السينمائي، حيث قدّمت فيه المخرجة عناصر من الكوميديا والدراما، وصنعت بهما طقسا جماليا أحبه الجمهور عن طريق قصة بسيطة، لكنها متشابكة مع الأحداث، خلقت بها مشروع فرجة تعلق به الجمهور.

تزوير شهادة القبول الجامعية.. انكشاف السر الكبير

شكّلت المقالب الدرامية في فيلم “مرحبا أمي” المنطلق الأساسي لصناعة المواقف المضحكة في العمل، خاصة أن المخرجة “جيا لينغ” اختارت المنطلق التفسيري في حياكة أحداث قصتها، وقد وفّره لها التلاعب بالزمن، وذلك وفق سياق منهجي جاء عن طريق البناء الجيد للشخصيات، حيث شكّلت فيه شخصية البطلة الرئيسية “جيا لينغ” -التي أخرجت الفيلم وأدّت فيه دور “ليا شياولينغ”.

عكست “لينغ” شخصية الابنة الشابة والفاشلة في دراستها، التي أتعبت أمها خلال جميع مراحل حياتها التعليمية، ووصل بها الأمر إلى أن زوّرت شهادة القبول في الجامعة، مما جعل أمها تفتخر بها بين السيدات اللواتي كنّ متحلقات حول مائدة الطعام، كل واحدة منهن تسرد بفخر ما حققته ابنتها.

هذا ما حدث لأم “شياولينغ” التي كانت هي الأخرى تفتخر بنجاح ابنتها وقبولها في الجامعة، لكن تبين بأن هذا الأمر مجرد خدعة، وأن شهادة القبول مجرد ورقة مزورة، لكن في طريق العودة إلى البيت لم تحقد عليها الأم وسامحتها.

“ليا شياولينغ” تجلس خلف أمها على دراجتها، وعند تقاطع الطريق يحدث حادث السير الذي يدخل الأم في غيبوبة

حادث الدراجة.. رحلة في الزمن إلى القرن الماضي

بعد اكتشاف سرها كانت “ليا شياولينغ” تجلس خلف أمها على دراجتها، فبدأت تسرد لها أحلامها المستقبلية، وكيف ستشري سيارة جميلة بدل الدراجة التي يركبانها معا، وعند تقاطع الطريق وقع حادث السير الذي أدخل الأم في غيبوبة واقتربت من الموت.

دخلت الابنة “ليا شياولينغ” في حالة من الهيستيريا والخوف والندم على ما فعلته بأمها طوال سنوات، ليعود بها الزمن إلى ثمانينيات القرن الماضي، بالضبط قبل سنة من ولادتها، حيث تجد أمها وهي شابة تعمل في أحد المصانع الكيميائية، وهناك تبدأ في صناعة وتوجيه الأحداث لحماية أمها مستقبلا، وتجنب الأخطاء التي وقعت لها في هذا المسار.

انطلاقا من هذا المقلب الزمني تبدأ المقالب الدرامية تتوالى تباعا، بعد أن صادقت “ليا هاونينغ” (الممثلة زيوفاي تشانغ) التي من المفترض أنها أمها حين كانت شابة، لتبدأ معها منطلق القص وتحديد معالم الفيلم، وهو الجزء الذي صنع جمالية الفيلم المتعددة.

خطة انتزاع التلفاز الملون.. قيمة الأشياء

من خلال العودة إلى الثمانينيات، تؤثث المخرجة جيدا لتلك المرحلة بشرطها التاريخي، من خلال إظهار قيمة الأشياء والممارسات والنشاطات الشائعة، مثل تصوير طريقة نزول التلفزيون الملون لأول مرة، حيث حاولت وقتها عائلات عدة الحصول عليه، من بينهم “لي هوان يونغ” التي أرادت هي الأخرى أن يكون من نصيبها، لكن الكمية نفذت ولم يعد في المتجر سوى جهاز واحد، ولقد دخلت مع أخرى في صراع على من هي الأحق بالتلفاز بعد أن اختلفا من الذي قدم أولا.

من هنا تدخلت “ليا” وأدت دور الكفيفة لتستعطف الناس أنها بحاجة إلى تلفاز، لكن عاملة المتجر قالت لها إن الراديو أولى بها، بحكم أن هذا الجهاز يعتمد على ثقافة السمع، ورغم أن هذا الرد حطم خطة “ليا”، فإنها تعاملت مع الموقف بذكاء وقالت إن لديها أخا لا يسمع، لهذا فهو بحاجة إلى تلفاز يؤنس وحدته ويعوض عليه.

وهكذا نجحت الخطة وأصبحت “ليا” نجمة في نظر أمها الشابة المفترضة.

عقد الصلح مع العصابة.. عبث استباقي للأحداث

تبدأ “ليا” رحلة من المقالب الأخرى، من خلال الاهتمام مثلا برياضة كرة الطائرة، والحث على صناعة فريق تقوده “هوان يونغ”، وكان على هذا الفريق الفوز حتى تتغير أحداث الزمن مستقبلا كي لا تقوم الغريمة بالتفاخر عليها عند الفوز بهذه المباراة التي جمع فريقها بصعوبة.

أدت “ليا” أعمال الفريق وساعدت في إنهائها كي يشاركن في المباراة، إضافة إلى سعيها لصناعة علاقة حب مع شخص اختارته، لكن تحدث الكثير من المواقف المضحكة في خضم كل هذا، حيث تلتقي “ليا” بإحدى العصابات النشطة في تلك المدينة، فتخبرهم بالتطورات المستقبلية ومن الذي سيتزعمهم والأحداث التي ستجري، من هنا تعقد معهم صلحا بعد أن هددوها وهددوا قريبتها لأنها أخذت التلفاز من صديقتهم.

عكست طريقة اللبس والإكسسوارات المستعملة والأثاث المحيط بكل حدث؛ المرحلة التاريخية التي جرت فيها الأحداث، وهذا ما يعكس مدى اهتمام المخرجة والممثلة والمساهمة في كتابة هذا السيناريو “جيا لينغ” التي لم تترك أي شيء للصدفة، بل استغلت الأشياء والتفاصيل الصغيرة لتشكيل لوحتها الكلية، حتى يصبح فيلمها بهذا النضج السينمائي.

انتصار الشيوعية الصينية للإنسان.. مغازلة السلطة

تعاملت المخرجة مع نص فيلمها بذكاء كبير، فاستطاعت أن تضمن دعم الحزب الشيوعي الحاكم في الصين، وهو الأمر الذي انعكس بشكل أو بآخر في عملية صناعة هذا الفيلم وتوزيعه والموافقة عليه وحتى انتشاره الكبير، وهذا من خلال تمجيد هذا الخيار السياسي الذي لا يزال موجودا إلى غاية اليوم، ليس عن طريق المدح المباشر آو المغالاة في الأمر، بل جاء الأمر عن طريقة سعادة عمال مصنع الكيميائيات بأوضاعهم، فهم يتعاملون فيما بينهم كإخوة راضين بالعمل، فلديهم مساكن خاصة ولائقة، وبيوتهم وشوارعهم نظيفة ومزينة بالأشجار والأزهار والألوان، والكل سعيد بهذا الخيار الإستراتيجي.

إضافة إلى أن المصنع لا يكتفي بتوفير الوظائف فقط، بل يشارك بشكل إيجابي في تنظيم مباريات كرة الطائرة، والأمسيات الموسيقية والمسرحيات وعروض السينما، بمعنى أنه مندمج في كل زوايا المجتمع، وكل هذا بفضل حكمة الاشتراكية التي تنتصر للإنسان، والخيار السليم للحزب الشيوعي الذي اختار هذا التيار الفكري والسياسي والاقتصادي لتسيير المجتمع.

ووسط كل هذا تتوزع الابتسامة بين الجميع، وهو الأمر المحرض على التشبه بهذه الحياة المثالية التي توفر فرصا للجميع في الحب والعيش والمعاملة الطيبة والتعليم والصحة وحتى السعادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube