https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

المؤلف: طه جزّاع

            لا يخلو التنين الأصفر من حكمة في إبراز مخالبه ناعمة مهذّبة مشذّبة وهو في الألفية الثالثة . كيف لا وهو يحمل عبق كونفوشيوس وبوذا وطاو تي تشينغ في عصر باتت فيه الديبلوماسية السلاح الأمضى في إحكام القيادة العالمية .. الإحكام بالانفتاح – لا بحد السيف – استراتيجياً واقتصادياً وتنموياً وثقافياً .. الانفتاح الذي بدأ يشّق من جديد طريق الحرير الذي لطالما ربط الصين بأطراف العالم لاسيما بجيرانه العرب ، والذي إن اكتمل تعبيده سيتوّج التنين كراعٍ أول للعولمة وندٍ بارز للرجل الأبيض . لا غرو إذاً أن يناكفه من بيته الأبيض وهو يرتع في أقصى الشرق عنه ، بأصابع اتهام كمتسبب رئيس في وباء عالمي لم يبق ولم يذر من بني البشر ، وفي صب الكيروسين الإعلامي على نار الاتهام ما سنحت الفرصة ، وهو بموجبه على وشك استصدار  ” فاتورة ” تُدين الصين بتكلفة خلق فايروس ذلك الوباء في معمل بمدينة ووهان ، على الرغم من نفي منظمة الصحة العالمية إمكانية تصنيعه مختبرياً .يأتي الكتاب الذي خطّه د. طه جزّاع بعقلية مفكر وبصيرة سياسي وعذوبة أديب ، أشبه بمبحث يندرج تحت ” علم الاجتماع السياسي ” وقد ربط تبادلياً بين الواقع الاجتماعي للصين والأحداث السياسية على صعيده بالصعيد العالمي ، فضلاً عن الخلفية التاريخية والدينية والروحية والسياسية الممثلة له. لا يمنع هذا من الأخذ برأي د. عبدالحسين شعبان في مقدمته الذي وجد الكتاب يأخذ طابع ” التاريخ المتفلسف ” أو ” الفلسفة المتأرخنة “، وقد استشهد بتوصية هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق حين سُئل في جامعة هارفارد بعد انقطاع دام لأربعة عقود عن العلم المؤهل لبلوغ منصبه ، إذ أجاب بلا تردد : ” التاريخ والفلسفة “. غير أن الارتباط بين الفرعين لا يعني بتتبع ” تاريخ الفلسفة ” من حيث رصد تاريخ الفكر الإنساني ، بل بإلقاء الضوء على ” فلسفة التاريخ ” التي تبرز حركة ذلك الفكر ومراحل تطوره والقانون الحاكم له . إنه التاريخ الذي يعرض الروح الإنسانية في مواجهتها للواقع المادي والبشري معاً ، في محاولة لسبر دلالاتهما ، والذي تزدهر معه الفلسفة وتجود بكل حياة وحكمة . عليه، تستنبط الصين الحالية من تاريخ فلسفتها سياسة جديدة تحيد عن الشعارات الثورية واليسارية والامبريالية ، وتتبنى شرائع السوق العالمية القائمة على العرض والطلب والتنافس الاقتصادي ، في سبيل السيادة العظمى . إن ذلك ليس ببعيد! ، ففي حين يتنبأ نابليون بونابرت بنهوض النمور الآسيوية مجتمعة محذراً بقوله : ” ويل للعالم إذا استيقظ المارد الأصفر “، يأتي برتراند رسل من بعده ليخصّ الصين في نبوءته قائلاً : ” إن الصين قادرة بسكانها ومواردها على أن تصبح القوة العظمى في العالم بعد الولايات المتحدة “.

يبدو أن القرن الحادي والعشرين يشهد تحقق تلك النبوءة التي نفض فيها التنين غبار الإقطاعية والعقائدية ليقتحم السوق العالمي برؤية رأسمالية تواكب متطلبات الاقتصاد والمتغيرات في عزيمة وإصرار ، أثارت حفيظة العين الأمريكية المراقبة عن كثب عرش القوى العظمى الذي لا ترغب في خسارته لصالح التنين ، وإن ترّبع عليه إقليمياً على أدنى تقدير.

الصين وامريكا

يتراشق المعسكران الصيني والأمريكي بعبارات الاستنكار التي لا تخلو من تهكم وازدراء يمس كل طرف . ففي حين يتوالى السياسيون الأمريكيون لقذف الحزب الشيوعي الصيني أمثال كونداليزا رايس وهيلاري كلينتون وجون بولتون ، يرجع الكاتب في مقالة ” لا شيء أفظع من حضارة أوروبا وأمريكا ” أصل الخلاف إلى كلمة أول رئيس جمهوري للصين ، سن يات سين ، الذي قالها في فوقية قبل وفاته بأن : ” لا شيء أفظع ولا أشرس ولا أشر من حضارة أوروبا وأمريكا .. تلك المادية المحضة والتي نسميها نحن الصينيون بربرية . ولعل قوتنا الذاتية ناجمة عن كرهنا وإهمالنا لهذا النوع من الحضارة ، فالطريق الصيني طريق الإنسانية والأخلاق ، هو الذي أسمته كتبنا القديمة الطريق السليم “. يستجد التراشق مؤخراً في سلسلة ” الحرب الكلامية ” على لسان الرئيس الأسبق دونالد ترامب معمقاً الخلاف التاريخي ، وعلى صورة اتهام صريح للصين هذه المرة ، في مسئوليتها المباشرة عن تفشي ” فيروس صيني ” عالمياً ، قد لا تجدي معه المعقمات .. في دعوة صريحة إلى ” محاسبة الصين “. قد تكون هذه الغصّة ما جاءت من فراغ معدة أو ابتلاع خفّاش ذكر، حيث تشير آخر الإحصائيات إلى أن ضحايا الولايات المتحدة الأمريكية من الوباء وصل إلى ستة ملايين حصد منها 190 ألف نفس ، وهي إحصائية تفوق ضحايا الولايات مجتمعة في الهجوم الياباني على أسطولها بميناء بيرل هاربر ، وفي حروبها مع فيتنام وأفغانستان والعراق ، وفي تفجيرات بيروت على قوات المارينز ، وفي هجمات الحادي عشر من سبتمبر . ثم يأتي دور الكاتب ليتنبأ بدوره في ضوء المعطيات والأحداث العالمية والمعارك الإعلامية بين القطبين بمستقبل العولمة ومصيرها المحتوم، فيقول في مقالة ” وداعاً لطفل العولمة المدلل ” : ” ولا غرابة أبداً أن نجد العولمة في المستقبل القريب وقد أصبحت بين طرفين اثنين هما الصين من جهة والعالم أجمع من جهة أخرى ، ولا تبقى خارج طريق العولمة إلا أميركا وحدها التي زرعت بذورها الفكرية الأولى وروجت لمفاهيمها ووضعت فلسفتها لكنها لم تحصد ما تشتهي من ثمار . تساقطت عند النهاية في السلة التي وقعت بين فكي التنين الكبرى” .

ومن قبل ، يتنبأ مؤسس جمهورية الصين الشعبية الزعيم الصيني ماوتسي تونغ من خلال خطابه الذي ألقاه في موسكو عام 1957 بسقوط الامبريالية الأمريكية – كما أسماها – حالها في ذلك حال ومآل عروش الطغاة .. الألماني والروسي والياباني ، إذ أنهم جميعاً ” ليسوا سوى نمور من ورق “. ينقل الكاتب في مقالة  ” نمور من ورق ” جزءاً من خطاب هذا الزعيم بعد مرور ثماني سنوات على خطابه السابق والذي بدا فيه مصّراً على موقفه ، إذ قال : ” إذا ما أصرت طغمة الرأسمال الاحتكاري في الولايات المتحدة على تطبيق سياستها العدوانية والحربية فلا بد وأن يحين ذلك اليوم الذي تشنقها فيه شعوب العالم كافة ، والمصير نفسه ينتظر شركاء الولايات المتحدة “.          ينهج الزعيم ماوتسي تونغ نهج شاعر الخمر أبو نواس في درئها بالإقبال عليها حين قال : ” وداوِني بالتي كانت هي الداء “، وهو يدرئ الحرب بالحرب قائلاً في كتابه الأحمر : ” إنه من غير الممكن القضاء على الحرب إلا بواسطة الحرب ، وفي سبيل القضاء على البنادق يجب علينا أن نحمل البنادق ” ، مؤكداً على أنه لا يدعو للحرب ، غير أن تجربة الصراع الطبقي التي خاضت بها الصين حرب أهلية شرسة انتهت بانتصار الطبقة العاملة على طبقة البرجوازيين تُثبت أن النصر لا يتأتى إلا بقوة السلاح .

تنين غامض

 يعتقد الكاتب في مقالة ” التنين الأحمر الغامض ” بأن التنين الأصفر الذي ما برح مختبئاً خلف سوره العظيم لم يكن يشكل خطراً على قوة الغرب وهو يمثل قيم ” القوة والسلطان والحكمة والخلود والتجدد والفضيلة والبشرى السارة والفأل الحسن “، غير أنه أصبح ” عدواً شرساً يُحسب له ألف حساب ” ما أن استلهم ثورة أكتوبر الروسية وبدّل جلده وارتدى الأحمر وأصبح بموجبه شيوعياً يعتنق أبناءه الماركسية اللينينية بنكهة ماوية ، مناوئاً ” الاستعمار والغزو والإذلال والاستغلال والنظرة الدونية “. وفي خضم الحديث عن الوباء وبعيداً قليلاً عن العنتريات الأمريكية ، لا تستخدم الأنظمة الديكتاتورية  ” بعبع ” كورونا كسلاح لقمع شعوبها، فهي في غيّها غنية عن المواربة والمراوغة والتحايل ، غير أن تلك الأنظمة التي تتبنى الديمقراطية أو تتبجح بها ، اصطادت في ماء كورونا العكر وأحكمت إغلاق منافذ الحياة على شعوبها بحجة ” حماية الناس من الوباء ” وبأنها ” أحرص على المواطن من نفسه “. يسخر الكاتب في ” دكتاتورية الدولة ” مع من سخر على تلك الحكومات التي ارتفع عدد وفيات مواطنيها عن وفيات الإصابة بكورونا جرّاء الضرب بالعصي والكيبلات حين خالفوا الأنظمة المرعية لمكافحته . غير أنني شهدت على حكومة في عالم مواز تشدقت بديمقراطية حق الاختيار لمواطنيها بين التطعيم ضد الوباء من عدمه ، في الوقت الذي سنّت فيه قائمة من محظورات تُفرض على رافضي التطعيم .. تكاد بها تحكم خناقهم! . لا تبرح ذاكرة الزنوج الأمريكيين تحمل أثقال عبودية قاسى في أغلالها أجدادهم .. يتناقلونها في حمضهم النووي ، لا يخفف وطأتها بلسم الحرية وشعارات الحقوق وحملات مناهضة التمييز العنصري وقد غطت شيئاً من جراحهم ، لاسيما مع ابتداء عهد الرئيس ابراهام لنكولن عام 1862 والذي لم يكن سوى ” غوريلا ” في نظر العنصريين من بني جلدته البيض! . يذكر الكاتب في مقالة ” الغوريلا الذي حرر العبيد ” على لسان بطلة رواية الجذور وهي تحدث أفراد أسرتها من العبيد عن سيدها الذي نال منه قائلاً : ” إن السيد لنكولن مصاب بساقين مشلولتين وبذراعين طويلتين وبوجه مسحوب قبيح مغطى بالشعر لدرجة أن أي شخص من الصعب عليه أن يعرف إن كان ينظر إلى إنسان الغابة ام الغوريلا . ويقول أنه ولد وتربى وسط أناس قذرين في كوخ من الخشب ، ويمسك بالدببة وابن عرس ليأكل ” . وعلى الرغم من أن لنكولن قد نشأ فعلاً في فقر مدقع حيث ولد كفرخ على فراش من قش بجانب أمه التي كانت ترتعد من هبوب الريح ناحية الغابة ، إلا أنه حمل من صدق القيم ما عاش عليه ومات، فقد كان يردد وهو في الخامسة والأربعين من عمره : ” إن هذه الأمة لا يمكن أن تعيش ونصفها رقيق والنصف الآخر أحرار ” . في مفارقتين تاريخيتين قديمة وحديثة يظهر فيهما الصيني حكيماً محنكاً وذو بصيرة، يعود القائد المسلم قتيبة الباهلي مغتبطاً ومحملاً بنفائس من كنوز الصين وهبها له امبراطورها مع طبق من ذهب يحمل حفنة من ترابها يطأها ويبر بقسمه في وطئ أرض الصين غازياً .. ذلك القائد الذي أصابه سهم أخ مسلم له في حرب أهلية دارت رحاها سياسياً في حلبة الدولة الأموية . ثم يقسم الأمريكان بفرض النظام العالمي الجديد كونياً ، فلا تسبح الصين ضد التيار ولا تسمح للأمريكان برفع الضريبة الجمركية على بضائعهم ، بل تفتح أبوابها على مصراعيها لتستقطب رؤوس أموالهم واستثماراتهم وأسواقهم ومصانعهم ومطاعمهم وموسيقاهم ونمط من حياتهم ، التي ما تلبث أن تغرق في الطوفان الصناعي الهادر للصين .

الصين والعرب

عن ” صعوبة اللغة ووعورة الطريق ” يأتي الكاتب على ما نسبه الباحث الصيني سون ديغانغ من فضل إلى العرب ، من خلال ندوة في العلاقات العربية – الصينية ، حيث قال : ” كلنا يعرف أن أصدقاءنا العرب هم من بنى طريق الحرير وليس الصينيون وأننا أصبحنا شركاء مهمين في القرن الحادي والعشرين “. وبينما يؤكد هذا الرأي د. محسن فرجاني أستاذ اللغة الصينية في كلية الألسن بجامعة عين شمس ، حيث تعود تلك العلاقات التاريخية إلى فترة ما قبل الإسلام ، يستنكر د. عبدالحسين شعبان إعراض فلاسفة العرب والمسلمين عن فكر كونفوشيوس و لاوتسه ” علماً أن الكثير مما في الفلسفة التاوية يمكن أن نجده في الفلسفة الصوفية العربية – الإسلامية ، وقد يعود الأمر لصعوبة اللغة ووعورة الطريق وقلة عدد المترجمين ، حيث كان السريان هم من يقوم بترجمة الفلسفة اليونانية ” ، هذا على الرغم من أن نشأة الفلسفتين الصينية واليونانية معاً تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد عند بعض المؤرخين ، وعلى الرغم من أن كلمة ” التاو ” في بعض معانيها تعني ” الروح الأزلي الأبدي المشتمل على جميع القوى الحيوية ، والكائن النقي والجوهر الأساس لكل موجود ، والمدبر العام للكون كله والحياة الحقة لكل كائن “. وكأنها كلمة ترادف كلمة التوحيد الإسلامية. يتطرق الكاتب مرة أخرى إلى طريق الحرير وهو يتحدث في مقالة “عشر قوميات مسلمة في الصين الحمراء ” عن أول احتكاك بين العرب والصينيين حيث يذكر التاريخ أن ” تاريخ أسرة تانغ الملكية التي حكمت الصين حوالي ثلاثة قرون يتضمن فصلاً يعرف باسم  “سجل تاشيه ” أو ” سجل العرب”. أما عن غرابة التسمية ” تاشيش ” فتعود في أصلها إلى ” تاجيك ” وهي كلمة مطورة عن ” تازي ” الفارسية نسبة إلى ” عرب قبيلة طي ” في تمثيلها لديهم عن العرب أجمعين . في مقالة ” وجبات الأفاعي وأدمغة القرود “، يأسف الكاتب على شح المكتبة العربية بمراجع أو أبحاث أو أدبيات تتعلق بجزيرة تايوان ، باستثناء كتاب في أدب الرحلة وضعه مؤلفه السعودي محمد العبودي ، والذي سجل فيه مشاهداته وانطباعاته ولقاءاته مع أبناء الأقلية المسلمة هناك . يجد الكاتب أن من أطرف ما ورد فيه هو ” وجبة الأفاعي ” المقدمة من المطبخ الصيني ، والتي تذكّر حتماً بوجبة الخفاش التي رشّحت فايروس كورونا . ينقل الكاتب عنه قائلاً في مشهد أجده مؤلماً جداً : ” فقد رأى مطعماً قد علق صاحبه حوالي خمسين أفعى  “حية ” ما تزال تتحرك وهي على قيد الحياة ، وكل حية معلقة بكلاب حديدي صغير أطبق على ما تحت رأسها مباشرة ، ويقوم صاحب المطعم بسلخها باستخدام سكين حادة من دون أن يقتلها أو يذبحها ، ثم يجر جلدها بيده بقوة فينسلخ جزءاً منها دون حاجة إلى استعمال السكين والحية لا تزال تتلوى وتتعذب ، حتى إذا انتهى من سلخ الحية وهي تتلوى رمى جلدها في وعاء مع جلود حيات أخرى وشق بطنها فأخرج أمعاءها “. ويستطرد العبودي في وصف دهشته ومن معه أمام مشهد تُسلخ فيه عشرين حية واحدة تلو الأخرى ، رغم أن تربية الحيات في مزارع الصينيين تُعتبر كتربيتنا للأسماك والدواجن تماماً! . ثم يتطرق إلى إعداد ” وجبة مخ قرد نيئ ” لاعتقاد الصينيين بأن دماغ القرد هو ” أحسن المآكل للعقل وأكثرها نفعاً للتفكير “، إذ يتأهب الزبائن على مائدة بملاعقهم حيث يؤتى بالقرد البائس موثق بخناق على رأسه الذي يفلقه الطباخ وهو حي لتنهال عليه الأُكلة، بينما هو يولول في أنفاسه الأخيرة . ونقلاً عن مشاهدات بعض المثقفين العرب الذين أتيحت لهم الفرصة زيارة الصين أو المعيشة بها حيناً ما ، يذكر الكاتب في مقالة ” عرب في الصين الشعبية ” أن وضع المسلمين في الصين ” فيه احترام كبير للمسلمين على عكس ما نراه في المجتمعات الأوروبية ، فهم لا يتحسسون من المسلمين الذين يؤدون الصلاة في أكثر من جامع بمدينة شنغهاي وأعرقها جامع سونجيان ، وعادة ما تغلق الشوارع المحيطة بالجوامع بعد الانتهاء من صلاة الجمعة ليعرض المسلمون بضاعتهم من اللحوم الحلال والدجاج المذبوح على الطريقة الإسلامية والتي لا تتوافر في المطاعم الصينية ، وتقوم الشرطة بإغلاق الشارع أمام حركة السيارات احتراماً لتواجد الناس فيها حيث تكتظ بالزائرين الأجانب الذين يعشقون الأكلات العربية والإسلامية “. ويذكر الكاتب في موضع آخر من الكتاب أربعة من علماء المسلمين الصينيين الذين نعموا بالاستقرار في ظل عهد دولة مانشو الذي استمر حتى عام 1911 ، فأبدعوا وكانوا جنوداً عظاماً آنذاك ، غير أنهم أصبحوا مجهولين بعد اندثار معظم مؤلفاتهم . وكنوع من التكريم ، أذكرهم تباعاً : الشيخ/ وانغ دي يو (1560-1660) وهو أول من كتب عن الإسلام باللغة الصينية ، ومن مؤلفاته : الأجوبة الصحيحة على الدين الحق . الشيخ/ ماوتشو (1640-1711) ومن مؤلفاته : إرشاد الإسلام ، ويقع في عشرة أجزاء . الشيخ/ ليؤتشه (1655-1745) ومن مؤلفاته : أحكام الإسلام ، ويقع في عشرين جزءاً. الشيخ/ مافو تشو (1794-1873) ومن مؤلفاته : خلاصة أصول الدين الأربعة .. رحمهم الله .

 الصين والحكمة

تجمع التقاليد الصينية بين الحكيمين لاوتسو وكونفوشيوس رغم اختلاف الصينين على العصر الذي عاش فيه كل منهما ، فيظهر كونفوشيوس وقد زار لاوتسو الأكبر سناً وحكمة ليجده جامداً مغيباً مخطوف الروح فينتظره حتى يفيق تدريجياً ويتبادلان حواراً روحانياً يبتدأه لاوتسو وهو يجفف شعره من أثر الوضوء قائلاً : ” لقد تركت الأشياء والناس واختليت في عزلة الأنا. ماذا يعني ذلك ؟ سأله كونفوشيوس. لم أعد بعد تماماً إلى حالتي ، فروحي ما تزال متعبة ولا تستطيع بعد التفكير كما ينبغي ، وفمي المشدود لا يستطيع النطق بسهولة “. رغم هذا يعده بانه سيرضيه بالحديث عن مفهوم الـ ” ين ” والـ ” يانغ ” الذي يتقاطع مع فلسفة هيراقليطس القائل بالديناميكية وعدم الثبات ، وأن النزول إلى النهر نفسه مرتين لا يتشابهان، فما يلبث الحار أن يبرد ويسخن ما كان بارداً ، ويجف الرطب ويبتلّ الجاف .. وهكذا دواليك. فيقول : ” إن ذروة الـ ( ين) هي السلبية الهادئة وذروة الـ ( يانغ ) هو النشاط الخصب . إن سلبية الأرض تعرض نفسها إلى السماء وإن نشاط السماء يمارس على الأرض ، من هذين الشيئين ولدت جميع الكائنات. والحقيقة أن الـ ( ين ) والـ ( يانغ ) يمثلان في الفكر الصيني الوحدة لا الثنائية ، فاليانغ يمثل العنصر الإيجابي الفعّال القادر على إنتاج أي شيء ، وهو يرمز إلى العنصر السماوي الذكوري المتحرك المتمثل في الشمس والضوء والحرارة والحياة ، أما الين فهو يمثل العنصر المنفعل الساكن والسلبي والأنثوي اللين ويتمثل في القمر والظلمة والبرودة والموت ، وفي اليانغ والين يتوافر التناسق والانسجام في كل الوجود والموجودات “. ما أعذب الـ ” ين”!.

وعن البوذية التي يعتنقها معظم الصينيين من سكان التبت أو ” هضبة الهملايا ” أو ” سقف العالم ” والواقعة جنوب غربي الصين ، والتي تتمتع بحكم ذاتي منذ عام 1965 والخاضعة لجمهورية الصين الشعبية ، فقد فرّ زعيمها الروحي إثر الأحداث الثورية التي عصفت بالتبت في منتصف القرن العشرين إلى الهند أثناء رئاسة جواهر لال نهرو ، الأمر الذي اضطر حكومة الصين تعيين زعيم آخر للبوذيين . غير أن البوذية إلى جانب الكونفوشيوسية والتاوية، هي في مجملها ممارسة دينية أكثر من كونها عقيدة إيمانية ، أي ” إنها أمر يجب القيام به بدلاً من الإيمان به ، ويكمن مفتاح فاعليتها في السيطرة على شهوات العقل المضطرب من خلال التأمل . فعبر الجلوس بهدوء ومراقبة طريقة التنفس والتأمل في كلمة أو زهرة ينتقل الممارسون عبر مستويات مختلفة من الوعي إلى السكون الذي يقلل رغبة الاشتهاء “. عليه، يعتقد الكاتب أن بوذا لا بد وسيتفق مع نظرة المتأمل الفرنسي باسكال لو لحق به وهو في القرن السابع عشر، إذ كان يقول أن : ” كل الشر في الإنسان ينبع من سبب واحد وهو عدم قدرته على الجلوس ساكناً في حجرة “. أما عالم الاجتماع برادرفاند فيرى أن البوذية تقدم قاعدة عامة للحياة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: ” أن يمتنع الإنسان عن كل ما هو مؤذ ، أن يقوم على الدوام بفعل الخير، أن يطهر نفسه “.

وفي تسع مقارنات يعقدها الكاتب بين ” الهندوسية والبوذية ” ، أخص السادسة منها بالذكر لصالح البوذية ، حيث إن ” الرهبنة الهندوسية خاصة بالرجال دون النساء ، فلا يمكن للمرأة في الهندوسية أن تكون راهبة ، غير أن البوذية أتاحت الرهبنة للنساء والوصول إلى أعلى المراتب الدينية. وكان الدالاي لاما الرابع عشر بنفسه قد أقر في مقابلة أجرتها معه هيئة الإذاعة البريطانية بإمكانية أن تكون خليفته امرأة : إذا كانت دلاي لاما امرأة فينبغي أن تكون جذابة “. وسأحسن الظن بالدالاي لاما واعتبر أن الجاذبية التي قصدها ” روحانية ” بفعل الاستنارة ، لا بفعل كحل عين أو تضاريس قوام . أما السابعة فتتحدث عن ” الطريق الوسط ” الذي يتكون من ” ثمان شعب ” تُلخص قواعد الحياة . أولها : ” الإيمان الحق ” وتعني الهداية ، ثانيها: ” القرار الحق ” وتعني الهدوء وكف الأذى عن الغير ، ثالثها: ” الكلام الحق ” وتعني عدم الكذب والتلفظ بخشن القول ، رابعها : ” السلوك الحق ” وتعني اجتناب السلوك المخزي ، خامسها : ” العمل الحق ” وتعني اجتناب سيء الأعمال، سادسها : ” الجهد الحق ” وتعني فعل الخير واجتناب الشر ، سابعها: ” التأمل الحق ” وتعني التوازن وعدم الميل للفرح أو الحزن، وثامنها: ” التركيز الحق ” وتعني السير في كل تلك الشعب وبلوغ ” النيرفانا ” وهي مرحلة “ا لسلام الكامل “. تعني هذه الكلمة حرفياً في السنسكريتية ” الإنطفاء أو الإخماد”، أما في البوذية فهي ” الوصول إلى حالة سامية من التحرر عن طريق إخماد رغبات الفرد ووعيه ، وهكذا تغتني الشخصية بتفريغها من كل محتوى أناني غير نبيل ، كما يحق لها الاتحاد بالنفس الكبرى . وهي حال من النعمة أو الغبطة التي لا يُنطق بها أو يُعبر عنها بكلمات أو صفات ، وهي حال ثالثة إلى جانب الوجود والعدم “.

التصوف الاسلامي

يتطابق التصوف الإسلامي في مقامات الارتقاء الروحي مع نظيره التصوف الطاوي التي لا يبلغها المريد إلا بجهد جهيد عبر مراحل ” انفصال .. زهد .. وجد ، الذي هو تارة رعدة وتارة حالة رؤية ، وفي النهاية : الاتحاد الذي يشكل ” السر الخفي العظيم ” والتي أمكن تلخيص حكمة معلمها لاوتسو كاملة في عبارة : ” أولئك الذين يتكلمون لا يعرفون .. أولئك الذين يعرفون لا يتكلمون “، أو كما يحلو للكاتب تسميتها بحالة ” الخَرَس الصوفي “. وفي معرض الحديث عن التصوف الذي يأتي كتجربة إنسانية عالمية يتقاطع فيها بنو البشر خارج حدود المكان والزمان والجنس والأصل ، والتي ظهرت في تدوينات فلاسفة الشرق والغرب على حد سواء، يورد الكاتب أبرز الخصائص المشتركة لهذه التجربة في ” ليالي الصوفيين المظلمة “، منها :

– منهج معرفي أدواته ” الكشف والإلهام والحدس والبصيرة النافذة ” وبصدق يقيني لا يدع مجالاً للشك ، يتسامى بالتالي عن أي معرفة علمية أدواتها العقل والحواس الخمس .

–  معرفة استنباطية وانطباعات حسية مباشرة أو تدريجية قابلة للتحول والتغير . – الوجود الكلي الحقيقي إنما هو الوجود الواحد ، فلا تناقض ولا تعدد ولا اختلاف في الوجود المادي ، وما يبدو كذلك إنما هو ” تجليات ومظاهر لهذا الواحد الكلي والحقيقي ” أو ” مجرد أوهام وخيالات لا تنبئ عن حقيقة ثابتة “.. رفض يقود إلى رفض الاعتراف بعامل الزمن ، فتتساوى في التجربة زوايا الماضي والحاضر والمستقبل بلا تباين بينها . – فريدة يتفرّد صاحبها الذي يتعذر عليه كشف ما ذاقه في تجربته الخاصة بمفردات لغوية عامة، وإن بذل جهداً في عكس تجربته فبلغة رمزية تنتهي بصاحبها إلى ولوج عالم الخرس ، كما كان الحال عند بعض فلاسفة المسلمين .

– تبلغ مراتب الصوفية درجة العدمية حيث تسقط بعض التكاليف الدينية وتستباح المحرمات ويتم الخروج عن القواعد والنواميس والعادات ، والتي هي مجرد أوهام لا تربط العارفين . إنه سقوط لتناقضات العالم المادي الذي أسقط معه تباين العاقبة بين ثواب وعقاب وجنة ونار ، فوحدة الوجود تساوي بين قيمتي الخير والشر وهما تصدران عن نزعة جبرية سواء كانت إلهية أو طبيعية .. بـ  ” أمر تكويني ” كخلق جبلة الإنسان أو بـ  ” أمر تكليفي ” كرفض إبليس السجود .

– تتمثل بها نزعة ثابتة تسقط بها كافة الفوارق بين الأديان ” باعتبارها طرقاً مختلفة تؤدي إلى غاية معينة لا اختلاف فيها هي محبة الله، وإسقاط الفواصل والحواجز والموانع بين الإنسان وربه “، بل ينظر كبار متصوفة الإسلام كابن عربي والرومي بأن تلك الأديان إنما هي ” مظاهر وتجليات للذات الإلهية الواحدة التي تسمو بحكم طبيعتها على التعدد والاختلاف “.

– ناصية “الصحوة” التي هي تتويج للسمو الأخلاقي والتطهير الروحي إنما يمر بطريق مظلم عاصف بالقلق وغياب الراحة وفقد الثقة بما كان يقيناً، حتى إذا بلغت أشدها أحالت صاحبها إلى مرحلة سلام داخلي يُطلق عليها ” التصوف الكامل ” وهي عصارة تجربة توحد مع المطلق وما قد اعترك فيها من توتر وشكوك ” يعود الصوفي بعدها إلى صحوة بعد أن اختصه الله بنوع صلة مميزة مخصوصة ، يحاول من خلالها ضرب المثل للبشرية ، وتقديم خلاصة تجربته لها تطويراً داخلياً جوانياً للذات الإنسانية ” .

وعند مقارنة التاوية الصينية بالصوفية لإسلامية ، يورد الكاتب وصفاً لتجربة روحانية لأحد المريدين أجدها تصادف هوى بداخلي ينعقد قلمي بالتعبير عنها فأنقل نصها كما هو .. فمقام الصوفية لديه ” استند إلى ثلاثة أركان هي : السفر والغربة والمشاهدة ، فقد تنقل واغترب وشاهد ، واضطر إلى الرحيل مغترباً روحياً وفكرياً في غربة صوفية وليست اغتراباً . ذلك أن غربة الصوفي هي اختيار وممانعة ، أما الاغتراب فهو اضطرار وهيمنة ، وهكذا تصبح الغربة هنا موجبة ، في حين أن الاغتراب سالب . وبحسب محي الدين بن عربي : السفر ثلاثة : سفر من عنده وسفر إليه وسفر فيه ، وهذا السفر هو سفر التيه والحيرة وسفر التيه والحيرة لا غاية له “.

في خواتيم الكتاب وفي مقالة  ” عالم ما بعد كورونا .. حرب باردة أم سلام بارد؟ ” يورد الكاتب رأي الروائي الفرنسي ألبير كامو في روايته ” الطاعون ” إذ ” عرف العالم من الطواعين ما عرف من الحروب ، ومع ذلك فإن الطواعين والحروب تفاجئ الناس دائما ً. حين تنشب حرب ما يقول الناس : ” إنها لن تدوم طويلاً فهذا أمر مفرط في السخف “. ولا ريب في أن حرباً ما هي أمر مفرط في السخف ، ولكن ذلك لا يمنعها من أن تدوم” .  ثم يعقّب الكاتب بدوره ويرى أن العالم يقع في حيص بيص لأول مرة في تاريخ البشرية، ويضرب أخماس في أسداس حول ما يتربص به مستقبلاً .. المستقبل الذي يحوطه غموض التخرصات والتكهنات والتنبؤات على كافة الأصعدة ، أفراداً وشعوباً وحكومات .. المستقبل الذي ركع أمام فايروس متناه في الصغر ارتدى صولجان الملك وتربع على عرش زمن تعاظم إنسانه بين صروح العمران والتكنولوجيا والطب والعلوم . إن هذا المشهد يستحضر رأي صامويل هنتنغتون في كتابه ” صدام الحضارات ” حيث السلام البارد مقابل الحرب الباردة بين معسكر الدب الروسي وبيت الرجل الأبيض ، إلا أن الدب قد تم استبداله واقعياً بتنين لا يزال يرتدي معطف اللينينية على الطريقة الماوية ، ينفث ناره البيولوجية وتطاله أصابع الاتهام الغربية !. لا تقف الاتهامات عند حد نفث الوباء بل توقظ قضايا رُكنت على الرف وتستخدم عند الحاجة ، كقضية هونغ كونغ وقضية الأيغور ووضع تايوان وحرب الرسوم الجمركية. عرض: هما الغيث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube