https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png
علاقات تركيا وإسرائيل التي تدهورت وتراجعت إلى الحضيض في السنوات الأخيرة وفي أعقاب أزمات «دافوس» و«الكرسي الواطي» و«مافي مرمرة»، تلقت ضربة جديدة قبل أيام عندما اخترقت المقاتلات الإسرائيلية جدار الصوت في الأجواء القبرصية التركية قبل أن تتحرك الطائرات الحربية التركية التي أقلعت من قاعدة «إينجيرليك» الجنوبية لتتصدى لها وتجبرها على العودة من حيث أتت.
موقع رئاسة الأركان العامة التركية الذي نشر الخبر أشار إلى أن الطيران الحربي الإسرائيلي كرر هذه الانتهاكات خمس مرات متلاحقة ولمدة ثماني دقائق متواصلة، ومع ذلك فإن تل أبيب ترفض حتى الساعة التعليق على الحادثة التي لم يتم الكشف عنها إلا في وقت متأخر. طائرات حربية إسرائيلية تكرر ما تفعله يوميا في سماء لبنان وفلسطين ويبدو أنها قررت توسيع رقعة الاستفزازات والتحرشات والتعديات والتجاوزات غير مبالية بأي معايير سياسية وأخلاقية وعسكرية.
أنباء صحافية تقول إن هذه الساحات الجوية اخترقت 83 مرة في خلال الأشهر الخمسة الأخيرة من قبل العديد من الدول في منطقة تشير التقارير والدراسات إلى غناها بالغاز الذي يسيل لعاب الكثيرين، خصوصا وهي تتحدث عن مليارات الأمتار المكعبة التي تنتظرهم في قعر حوض المتوسط الشرقي.
الرسائل الإسرائيلية من خلال هذه العملية هي أولا باتجاه جمع المعلومات الاستخباراتية حول عملية التنقيب عن الغاز الطبيعي والنفط في عمق المتوسط التي يجري تنفيذها من قبل شركة التنقيب عن النفط الوطنية التركية بالتعاون مع «ماغوسا». رسالة تل أبيب الثانية من خلال تسخين المياه القبرصية هي الرغبة في إعلانها أنها أصبحت لاعبا استراتيجيا أساسيا في شرق المتوسط وفوق مناطق التنقيب عن الغاز والنفط هناك.
رسالة إسرائيل الثالثة كانت إلى أنقرة وتقول فيها إنها غير عابئة بتراجع العلاقات الثنائية وإنها على استعداد لبناء تحالفات بديلة من دون أي تردد.لكن الهدف الحقيقي كما هو واضح توسيع رقعة الالتفاف على تركيا لمحاصرتها مائيا بعدما تقدمت تركيا على اليابسة ووسعت من علاقاتها مع قيادات «الربيع العربي» في مصر وتونس وليبيا، وفلسطين المحتلة.
ترسيم الحدود بين إسرائيل وقبرص اليونانية قبل عامين كان الرسالة الأهم لأنقرة حول ولادة تحالفات وتكتلات تتجاوز مسألة العضوية القبرصية اليونانية في الاتحاد الأوروبي. ما يجري اليوم يختلف تماما عن حالة ما قبل 5 سنوات عندما تصدت البحرية التركية لسفن التنقيب عن النفط والغاز النرويجية، فالدخول الإسرائيلي على الخط بهذا الشكل يعني رسائل التصعيد والتحدي والمواجهة أيضا.
تل أبيب تسعى لتكريس العقود والاتفاقيات التي وقعتها مع قبرص اليونانية بشأن تنظيم حركة المرور في الحوض الشرقي للمتوسط. إسرائيل بخطوة استفزازية من هذا النوع تقول إن خريطة التحالفات قد تغيرت وإنها ستدافع عن مصالح شركائها الجدد وحقوقهم النفطية والغازية مهما كان الثمن.
اتفاقية ترسيم الحدود المائية الموقعة بين إسرائيل وقبرص اليونانية قابلتها اتفاقية استراتيجية مشابهة بين أنقرة ولفكوشة، وهي تحركات تعزز مقولة انفتاح التصعيد على كل احتمال أمام نوعية الاتفاقيات والعقود الموقعة حتى الآن، وكذلك المتغيرات الإقليمية التي تتجاوز مسألة منح قبرص اليونانية المكانة والدور الجديد في شرق الحوض.
هل ستتحرك السفن الحربية التركية مرة جديدة كما فعلت قبل 3 سنوات لفرض معادلتها حول وجود خطوط حمراء لن تسمح لأحد بتجاوزها؟ الفارق هذه المرة كان اختراق جدار الصوت في قبرص التركية، فهل سيكون مقدمة لاختراق البوارج الحربية الإسرائيلية بحرا هذه المناطق نيابة عن الكثير من أصحاب المصالح الذين اصطفوا من وراء إسرائيل لتصفية حساباتهم مع أنقرة؟
تل أبيب تقول إن علاقاتها بقبرص اليونانية تندرج في إطار التعاون الثنائي، لكن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى نيقوسيا تتحدث عن اتفاقيات وعقود تعاون أمني واستراتيجي مفتوح. هل بمقدور تل أبيب أن تغامر وتتحرك على هذا النحو الاستفزازي لو لم تكن تحظى بالغطاء السياسي اللازم من قوى وتكتلات غربية تشجعها على تحدي تركيا بهذه الطريقة؟
نتنياهو الذي نجح مؤخرا في حشد الأحزاب السياسية الإسرائيلية الرئيسية كلها تحت سقف ائتلاف حكومي قوي، يحاول أن يرد على أردوغان الذي قال أكثر من مرة إنه لا فائدة من الحكومة الإسرائيلية الحالية ومن الحوار معها، فهي ليست حكومة سلام، لكن إسرائيل ستبحث بعد هذه الساعة عن كل المتخاصمين مع أنقرة لتجعل منهم شركاء وحلفاء لها في المنطقة، فهل تصل إلى ما تريد؟
ما يجري في شرق المتوسط مقدمة لأمطار ورياح وعواصف تبشر بها هذه التحرشات والتحديات الإسرائيلية، وحروب آلهة الإغريق جوبيتر وبوسيدون ستجدد على ما يبدو في هذه المنطقة.
تركيا بحاجة إلى أكثر من اتصال استفسار هاتفي مع السكرتير الثاني بالسفارة الإسرائيلية في أنقرة. هي تحتاج إلى رد قوي ومباشر حتى لا يقال لنا إن اختراق جدار الصوت في السماء القبرصية تحول إلى تطاول واختراق لجدار الصمت التركي الذي ما زال ينتظر إيضاحات من تل أبيب حول ملابسات وتفاصيل اعتداء «مرمرة» الذي نسي بمرور الزمن.
الشرق الأوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube