https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

ا
كتب محمد خير الوادي:
كشفت الازمة الاوكرانية ثقوبا كبيرة يعاني منها الاتحاد الاوربي . ففضلا عن اهمال البناء العسكري الاوربي ،وتجرأ انظمة الحكم الفردية في كل من بولونيا وهنغاريا على التنكر للمبادىء التي قامت عليها الوحدة الاوربية ، الا ان الصراع المستعر في اوكرنيا منذ شهر ونصف ،ابرز مشكلة اخرى هي التأثير السلبي لنتيجة هذا الصراع على التقدم الاقتصادي في اوربا . في حقيقة الامر ، فان معظم الدول الاوربية مدينة في تطورها الاقتصادي لدولتين معاديتين لأمريكا هما: روسيا والصين . ويظهر ذلك جليا في المثال الالماني الذي يقود اليوم اقتصاديا اوربا .
فنحو خمسين بالمائة من الغاز المستخدم في المانيا يأتي من روسيا ، والنسبة نفسها تخص الفحم . كما تزود روسيا المانيا بأكثر من 30%من النفط الخام . وقد وصلت الامور الى حد ، ان كبار السياسيين الالمان عُينوا مستشارين برواتب خيالية – بعد خروجهم من وظائفهم الرسمية – في مجالس ادارات شركات الطاقة الروسية .
من جانب آخر ، فان اعتماد الاقتصاد الالماني على الصين اكبر بمرات من علاقات المانيا مع روسيا .
في ثمانينات القرن الماضي ، دخلت الشركات الالمانية بسهولة ويسر الى السوق الصينية . فبنت الطرق والسكك الحديدية ، واقامت معاملا لانتاج السيارات والقطارات والادوية والملابس وغيرها . ومع الزمن ، انقلبت الآية . فقد تمكنت الصين من بناء صروحها الصناعية الضخمة مستفيدة من التقانة الالمانية . على سبيل المثال ، في نهاية القرن الماضي ،بنت المانيا في شنغهاي اسرع قطارات العالم . وبعد خمسة عشر عاما باتت الصين من اكبر المنتجين العالميين لهذا النوع من القطارات . كما تمكنت شركة سكك الحديد الصينية من ابتلاع مثيلتها الالمانية ، والاستيلاء على الاسواق العالمية للشركة الالمانية .وتكرر الامر نفسه في معامل السيارات الالمانية في الصين ،حيث اقامت شركات السيارات الالمانية الكبرى : فوكسفاغن ، بي ام دبليو ، مرسيدس معامل ضخمة لانتاج هذه السيارات لا سيما الكهربائية منها في الصين .وباتت الصين اكبر سوق عالمي للسيارات الالمانية . واستفاد الصينيون من التقانة والاستثمارات الالمانية للبدء بانتاج الرقائق الالكترونية ومكونات اخرى لازمة لصناعة السيارات ، واصبحت معامل السيارات في المانيا تعتمد بشكل كبير على هذه المكونات . كما ابتعلت الصين عددا كبيرا من شركات الطيران ومعامل السلاح ومصانع سيارات وكبريات شركات الفندقة والشركات المالية، وأندية كرة القدم وصالات القمار الكبرى في المانيا
وقد ارتقى حجم التبادل التجاري بين البلدين ليصل نحو 225 مليار دولار عام 2021
لقد ظهرت سلبيات التبعية الاقتصادية الالمانية للصين خلال جائحة كورونا . فقد دمرت الجائحة سلاسل التوريد القادمة من الصين، ووجدت الشركات الالمانية نفسها في مأزق حقيقي . كما تفاقمت مشكلة توريد السلاسل بعد تباطؤ طريق الحرير الصيني البري الذي يمر عبر روسيا ، بسبب انفجار الوضع في اوكرانيا .
لقد شعرت القيادة الالمانية بثقل النفوذ الصيني خلال المواجهات السياسية التي تمت العام الماضي بين الاتحاد الاوربي والصين ازاء مشكلات حقوق الانسان وتايوان وغيرها . وتلكأت المانيا طويلا في فرض عقوبات على الصين .وواعتقد ، ان هذه العوامل كانت احد الاسباب الرئيسية التي ادت الى سقوط حزب ميركل في الانتخابات الالمانية الاخيرة ، بعد ان شعر الناخب الالماني ، ان بلاده ليست حرة في التعامل مع بكين .
هذه العلاقات المتشابكة والعميقة بين المانيا وكل من روسيا والصين ، جعلت برلين تشعر انها مقيدة سياسيا ، وغير قادرة على اتخاذ مواقف صارمة ضد البلدين . وقد اتهمت الصحافة الالمانية واوساط سياسية هناك ميركل وحزبها ، بتحويل المانيا الى تابع لموسكو. كما وصل الامر بوزير المالية الألماني الحالي كريستيان ليندنر للحديث عن تبعية اقتصادية ألمانية عميقة للصين، وتبعية شبه كاملة في مجال الطاقة لروسيا .وهو امر ينطوي – كما تقول الاوساط الاعلامية والسياسية الالمانية – على خطر كبير ، لان المانيا قد رهنت سياستها لدول اخرى.
وبسبب ذلك ، تتعرض حكومة شولتس الى ضغوط هائلة من جانب الراي العام الداخلي ، والى ضغوط اكبر من قبل
امريكا ودول اوربا الشرقية لوقف امدادات الطاقة الروسية ، والتخفيف من الاعتماد الصناعي على الصين .
وقناعتي : اذا ما استمرت المواجهة في اوكرانيا ، فان برلين ستجد نفسها مضطرة للتخلى عن مصادر الطاقة الروسية ،وربما مستقبلا،عن الشراكة الصناعية مع الصين ، وذلك رغم الخسائر الهائلة التي سيتكبدها الاقتصاد الالماني والتي ستصيب حتما الاقتصادات الاوربية كلها . ومنطقيا ، كان يمكن الافتراض ، ان المانيا وغيرها من الدول الاوربية –انطلاقا من المصلحة الوطنية – لن تضحي بعلاقاتها مع روسيا والصين .لكن المشكلة تكمن في ان قرار الحكومة الالمانية ليس مستقلا مائة بالمائة . فالنفوذ الامريكي على هذه الدولة وعلى بقية دول اوربا كبير جدا ، وهو يتعزز من خلال وجود القواعد العسكرية الامريكية في المانيا وفي انحاء كثيرة من اوربا ، وكذلك عبر ادعاءات واشنطن بانها توفر مظلة امنية لاوربا و لدول الناتوكلها .
اوربا تجد نفسها اليوم في وضع لا تحسد عليه ، فهي مرغمة على التضحية بمصالحها الوطنية خدمة لواشنطن ،التي تهدف الى اغراق روسيا في المستنقع الاوكراني ، وردع الصين ولجم تطورها .
12/4/2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube