https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

في حين تتضرر الشركات الغربية الكبرى بشدة من العقوبات الأميركية علىإيران، بعد خسارتها لاستثماراتها ومبيعاتها هناك، يبدو الأمر مختلفاًبالنسبة إلى بكين، التي باتت تمتلك سجلاً حافلاً في الإتجار بأزمات الدول. فالصينيون أصبحوا يمتلكون براعة شديدة في استثمار الفراغات التي تصنعهاالولايات المتحدة، بحيث لم يعد لسلاح العقوبات الاقتصادية التأثير السابقنفسه، في تغيير سلوك الدول، فلطالما كانت بكين حاضرة باستمرار طوال الفترةالأخيرة، تمد يد العون إلى الدول المغضوب عليها أميركياً، وتمدهابالاستثمارات والتكنولوجيا بل والدعم السياسي والديبلوماسي، واستخدام حقالنقض (الفيتو) في مجلس الأمن لصالحها، كما حدث مع نظامي كوريا الشماليةوميانمار، وفي المقابل حصدت الصين مكاسب سياسية واقتصادية هائلة من جراءتلك السياسات. وفي الحالة الإيرانية اهتبل الصينيون الفرص كافة ببراعة يحسدون عليها؛ ففيفترة العقوبات السابقة، استمروا في العمل سراً مع طهران اتباعاًلاستراتيجية تهدف لتشتيت قوة واشنطن عبر دعم الدول التي تمثل تحدياً لنفوذالولايات المتحدة، وراوغت شركاتهم منظومة العقوبات الأميركية. فعلى سبيلالمثال كانت مدينة داليان الصينية، التي تضم مخازن ضخمة للنفط، هي منصةتصدير النفط الإيراني للدول الآسيوية ككوريا الجنوبية والهند، واستمرتالشركات الصينية في أعمال تطوير البرنامج الصاروخي، ما أوقع عدداً من تلكالشركات تحت طائلة العقوبات الأميركية، عام 2014، وتعرض عدد من رجالالأعمال الصينيين للملاحقة. وعند توقيع الاتفاق النووي ورفع العقوبات في 2015، دشنت بكين خطة علاقاتتعاون موسعة بين البلدين لمدة 25 عاماً، وتضاعف التبادل التجاري بينالبلدين، وتوسعت الاستثمارات الصينية داخل إيران، وظهر التعاون العسكري إلىالعلن، وازداد حجمه. وعندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انسحابهمن الاتفاق النووي، في الثامن من أيار (مايو) الماضي، وقرر إعادة فرضالعقوبات على طهران، سارت بكين في الاتجاه العكسي، وضاعفت من تعاملاتهاالتجارية مع إيران، فبعد يومين فقط من الخطوة الأميركية، تم افتتاح خط جديدللسكك الحديد لنقل البضائع، يربط بين مدينة بايانور في منطقة منغولياالداخلية شمالي الصين، وبين مدينة طهران، وبعد يومين آخرين استقبلت بكينوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، لتكون أول عاصمة يزورها بعد قرارترامب. وفي حين تتابع هروب الشكات العالمية الكبرى من السوق الإيرانية قبل حلولموعد فرض العقوبات، ازداد توافد الصينيين عليها، ما عزَّز المخاوف مناحتكارهم لهذه الأسواق، مع تزايد حاجة الإيرانيين إليهم في تلك الظروف،وترسيخ مكانة بكين كأكبر شريك تجاري لطهران، وأكبر مُصَدِّر لها وأكبرمستورد منها، فمثلا عندما انسحبت شركة توتال الفرنسية من حقول منطقة بارسالجنوبية، أخذت شركة صينية حصتها كاملة، وعاد النفط الإيراني ليتدفق علىصهاريج داليان، استباقاً لفرض الحزمة الثانية العقوبات في الخامس من تشرينالثاني (نوفمبر) الجاري، والتي للمفارقة تم استثناء بكين منها والسماح لهابمواصلة استيراد النفط من إيران لفترة من الوقت إلى أن تستطيع دول أوبكإمداد السوق العالمية بكميات تعوض انقطاع ثالث أكبر دولة في المنظمة عنالتصدير، منعاً لارتفاع أسعار برميل البترول إلى مستويات قياسية. وبداارتياب واشنطن من الدور الصيني في إيران جلياً، في الحزمة الثانية منالعقوبات، والتي شملت إلى جانب النفط والمصارف، حظر التعامل مع الموانئ، إذتم استثناء ميناء تشابهار المطل على بحر العرب، الذي تتولى الهند إدارتهوتطويره، خوفاً من أن ترضخ طهران لرغبات الصين في إحلال شركاتها محل الهنودفي إدارة الميناء الاستراتيجي، بعد تعثرهم وتلكؤهم في المشروع، وهوالسيناريو الذي سيؤدي -حال حدوثه- لاحتكار الصين للهيمنة على الجانب الشرقيمن مضيق هرمز، بعد سيطرتها على ميناء جوادر الباكستاني القريب من المضيق،فجاء هذا الاستثناء بمثابة دعم للهند في منافستها مع التنين الأصفر. وفي حين يعلن الأميركيون أنهم يهدفون من تلك العقوبات في الأساس لإجبارنظام الملالي على إعادة التفاوض معهم للخروج باتفاق جديد يتضمن بنوداً تحدمن قدرات برنامج الصواريخ الباليستية الذي يهدد الأمن الإقليمي والدولي،تواصل الصين تعاونها مع طهران، في تطوير تلك القدرات الصاروخية التي أزعجتواشنطن، وتستضيف علناً الباحثين الإيرانيين لتدريبهم على التقنيات الجديدةفي مجال الفضاء والصواريخ، تحت مسمى التعاون العلمي والأكاديمي بينالبلدين. تدرك بكين أن تعاملها مع الدول المنبوذة، والتي لديها خياراتمحدودة، يعطيها فرصاً ذهبية، ويعزز قدراتها على توسيع قاعدة نفوذها حولالعالم، على حساب النفوذ الأميركي .

الحياة والغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube