https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

نور خيري

يظهر الموقف الهندي المُطابِق تقريبا للموقف الأميركي بوصفه تجليا لما أحدثته الحكومة القومية الهندوسية وعلى رأسها مودي من تغيُّرات في ثوابت السياسة الخارجية الهندية)

 

على ضفاف نهر “بارْوَتِي” المتاخم لجبال الهيمالايا بأقصى شمال الهند، تقع قرية “كَسُل” الصغيرة والنائية، التي تعج بالعديد من الحانات والفنادق الرخيصة ومقاهي الإنترنت والمطاعم الأجنبية، بالإضافة إلى التداول الواسع لـ”تشَرَس”، واحد من أجود أنواع الحشيش الهندي. تقدِّم “كَسُل” للكثير من السائحين وعشاق تسلق الجبال أو الطبيعة الهندية مزيجا من الاسترخاء والتأمُّل واستنشاق الهواء النقي، الممزوج أحيانا ببعض الحشيش، ويلحظ زوَّارها باستمرار توافر معظم اللافتات باللغتين الهندية والعِبرية، إذ تعجُّ المدينة بنسبة كبيرة من الزوَّار الإسرائيليين نتيجة قدوم العديد من الشباب المُنتهي لتوِّه من الخدمة العسكرية الإجبارية في إسرائيل، وهي ظاهرة حاضرة أيضا في ولاية “غُوا” الساحلية غربي الهند، إذ يسافر هؤلاء إليها في الشتاء بعيدا عن ثلوج الهيمالايا.

 

يتوافد شباب إسرائيليون على الهند سنويا تحت رعاية منظمات حكومية وغير حكومية في إسرائيل ، لمعالجة آثار الضغط النفسي الواقع عليهم في صفوف الجيش، فتتحوَّل حياتهم إلى النقيض تماما: حفلات مستمرة، وتعاطٍ للمخدرات، وتعامل مفتوح مع البغاء، وهي تصرُّفات جلبت استهجانا محليا شمل الكنيسة الكاثوليكية في “غوا”، التي نشرت كُتيِّبا تحذر فيه من تجاهلهم لعادات السكان المحليين، و”لا إنسانيتهم” بسبب ما خاضوه أثناء خدمتهم بالجيش).

 

“كُل ما عليك هو اتباع اللافتات العبرية لتصل في النهاية إلى غليون مملوء بالحشيش”، هذا ما قاله مالك أحد الشواطئ في “غُوا”، التي تشهد حضورا قويا لرجال الأعمال الإسرائيليين، وشراءهم مساحات واسعة من الأراضي دفعت نائبا برلمانيا للتحذير من “احتلال الإسرائيليين في غوا”، وانخراطهم في تجارة المخدرات بالمدينة، وتوفير الغطاء لتجارتهم عبر أملاكهم هناك. من المجنَّدين والمستشارين الزراعيين، وحتى رجال الصفقات الضبابية وتجارة المخدرات، بات التوافد الإسرائيلي ملحوظا رغم بساطته في دولة كبيرة مثل الهند؛ ليعكس الشوط الكبير الذي قطعته إسرائيل نحو فتح باب العلاقات الطبيعية مع دلهي، التي لم تُطبِّع علاقاتها مع إسرائيل بالكامل إلا عام 1992، بعد عقود من العداء شبه التام.

حاولت الهند باستمرار قصر علاقاتها مع إسرائيل على ما يهمُّها من مجالات، مع تفادي “خِتم” العلاقات العلنية وحفاوة الزيارات الرسمية إلى تل أبيب التي لم يقُم بها رئيس وزراء هندي أبدا حتى عام 2017.

حرصت تل أبيب على علاقاتها مع الهند آنذاك رغم جفاء القيادة السياسية الهندية، بل ودأب أولئك الموظفون الأربعة على نشر مجلة خاصة بالقنصلية كل شهرين، والرد على استفسارات بعض الهنود ارتكزت بالأساس على تجربة إسرائيل الرائدة في الزراعة.

 

انفتح باب العلاقات الكاملة قبل 30 عاما، بيد أنه ظل مواربا من جهة الهند حتى وقت قريب، إذ انصبَّ الاهتمام الهندي على الاستفادة من شركات التنمية الزراعية الإسرائيلية، والتعاون في المجالات العسكرية المتميزة لدى الإسرائيليين. عدا ذلك بقي حماس الهند محدودا حيال التطبيع الشامل، فقد امتنعت شركات الطيران الهندية عن الرحلات المباشرة إلى تل أبيب حتى عام 2017، تاركة الطيران الإسرائيلي “إل عال” يُقدِّم تلك الخدمة منفردا لعدد محدود من السائحين الهنود لا يتجاوز 50 ألفا سنويا، وهي أعداد لا يزال يحاول بعضها أن يتفادى الختم الإسرائيلي على صفحات جواز سفره والحصول عليه في ورقة منفصلة؛ خوفا من رفض دخوله فيما بعد إلى بعض دول الخليج أو إيران ذوي العلاقات المتشعبة بالهند.

 

مثلها مثل سائحيها، حاولت الهند باستمرار قصر علاقاتها مع إسرائيل على ما يهمُّها من مجالات، مع تفادي “ختم” العلاقات العلنية وحفاوة الزيارات الرسمية إلى تل أبيب التي لم يقُم بها رئيس وزراء هندي أبدا حتى عام 2017. بيد أن الباب الموارِب أخذ ينفتح أكثر مع وصول رئيس الوزراء الحالي “نارندرا مودي” إلى السلطة عام 2014، وسياساته الناقمة على كل ما رسَّخه حزب الكونغرس من ثوابت، فلم ينتظر الرجل طويلا حتى يكون أول رئيس وزراء تطأ قدماه دولة الاحتلال الإسرائيلي، حيث قام بزيارة رسمية إلى تل أبيب عام 2017 بادله إيَّاها رئيس الوزراء الإسرائيلي “نتنياهو” في العام التالي. في المقابل، على مدار فترته الأولى في الحكومة، ظل إرث نهرو يُلقي بظلاله، وظلت التزامات القضية الفلسطينية ذات التاريخ الطويل تفرض على الهند بعض الالتزامات رغم كونها بلدا غير عربي أو مُسلم، وهو ما يأخذنا إلى أسباب تبلور ذلك الالتزام في المقام الأول، وإلى صفحات مجهولة ومُهمِّة في آنٍ واحد من علاقات الهند والقوى السياسية فيها بالعالم العربي.

الباب الموصد بوجه إسرائيل: إرث نهرو وحركة الخلافة

 

 

في مارس/آذار 1966، حطَّت طائرة الرئيس الإسرائيلي “زلمان شَزار” في العاصمة الهندية دلهي لسويعات، قبل أن تنقله إلى مدينة كالوكتَّا شرقي الهند حيث أمضى ليلته على أن يصل صباحا إلى وجهته الرسمية: العاصمة النيبالية “كاتماندو”. لم يكن ثمة مسؤول هندي واحد لاستقبال الضيف الثقيل الذي حلَّ ضيفا على الهند رغما عنه في رحلته الطويلة، على عكس العادة الدبلوماسية في مواقف مثل هذه؛ ما منح المعارضة فرصة مناسِبة لمهاجمة رئيسة الوزراء آنذاك “إنديرا غاندي” بعد شهرين فحسب من توليها المنصب بسبب ما أبدته حكومتها من “سوء الضيافة”).

 

على خُطى والدها “جواهرلال نهرو”، الذي جمعته علاقة وطيدة مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر والتزم “سياسة عروبية” تجاه القضية الفلسطينية، التزمت إنديرا بخط السياسة الرافضة للتطبيع مع إسرائيل، بل وازدادت تعنُّتا في مقاطعة الإسرائيليين؛ رغبة منها في توطيد صفوف جناحها بالحزب الحاكم (الكونغرس) المتحالف مع الأحزاب اليسارية التي ترفض التطبيع هي الأخرى، وإيمانا بتبعية المشروع الصهيوني للغرب، علاوة على اهتمامها بتعزيز شعبيتها في أوساط المسلمين بما يمثلونه من خُمس السكان في الهند، وكسب ورقة تعاطفهم مع الفلسطينيين في الانتخابات.

 

لم تكن سياسة الكونغرس تجاه إسرائيل مجرد حسبة انتخابية في واقع الأمر، بل تجلٍّ لإرث طويل من الاهتمام بالعالم الإسلامي نظرا لتعداد الهند المُسلِم الكبير. فقد كان حراك الكونغرس بقيادة المهاتما غاندي ضد البريطانيين كتفا بكتف مع حركة دعم الخلافة العثمانية التي نشأت في صفوف مسلمي الهند في مطلع القرن العشرين وأنتجت قيادات مُسلمة عديدة، منها مَن بقي في الهند ومنها مَن شارك في تأسيس دولة باكستان عام 1947. ثم حازت الهند استقلالها إبَّان انقسام القارة إلى دولتَيْ الهند وباكستان، واستندت جزئيا إلى رفض الخطاب الباكستاني القائل بـ”هندوسية” الهند، وعدم الرضوخ لمحاولتها عزل الهند عن محيطها الإسلامي في الشرق (إندونيسيا وماليزيا) والغرب (إيران والخليج)، بل وضرورة بلورة علاقات وطيدة مع ذلك المحيط عموما، ومع العرب وقضاياهم خصوصا، بوصفها تمثيلا طبيعيا للدور التاريخي لمسلمي الهند.

 

جَرَت الرياح بما تشتهي السفن في دلهي، إذ شكَّلت حرب الأيام الستة عام 1967 سببا إضافيا لتمسُّك إنديرا بمقاطعة إسرائيل بوجه معارضيها نظرا لمخالفة تل أبيب قرارات الأمم المتحدة باحتلال أراضٍ عربية جديدة. وبالمثل سرت الرياح داخل الهند حين هزم الجيش الهندي نظيره الباكستاني في معركة تحرير بنغلاديش عام 1971، فاكتسح جناح إنديرا الانتخابات البرلمانية في العام نفسه، مؤكِّدا سيطرة واستمرار إرث نهرو في حزب الكونغرس. بيد أن الحماس الهندي للقضية الفلسطينية كان قد بدأ بالفتور على خلفية أحداث عدة، بدأها في الواقع الجانب العربي عام 1969.

 

في سبتمبر/أيلول عام 1969، تلقَّى “جوربَتْشان سينغ”، سفير الهند بالمغرب، دعوة رسمية لحضور بلاده المؤتمر الإسلامي في العاصمة المغربية الرباط، على خلفية قيام يهودي متطرف من أستراليا بإشعال حريق في المسجد الأقصى، وهو مؤتمر تمخضت عنه منظمة المؤتمر الإسلامي. جلس سينغ رئيسا للوفد الهندي أثناء الجلسة الافتتاحية حتى وصل في اليوم التالي وفد رسمي من دلهي بقيادة “فخر الدين أحمد”، وزير مُسلم من حكومة إنديرا، لكن أحد المُوفَدين من جانب ملك المغرب حمل أخبارا سيئة للوفد الواصل لتوِّه؛ لقد تراجع المؤتمر عن دعوة الهند.

استمر الالتزام الهندي بالقضية الفلسطينية طوال وجود إنديرا في السلطة، إذ مُنحَت منظمة التحريرالفلسطينية مقرا رسميا في دلهي عام 1974، في الوقت الذي ظلت فيه إسرائيل على قنصليتها  خارج العاصمة (الصورة: Indian Express)

 

أتت المُعارضة كما هو متوقع من باكستان، وقيل إن ضغوط عدد من المؤسسات الباكستانية على رئيسها “يحيى خان” غيَّرت موقفه بعد أن وافق في البداية على حضور الهند، وسيقت الحُجج رسميا للوفد الهندي بالإشارة إلى أحداث توتر طائفي جرت في إحدى الولايات الهندية أدت إلى مقتل عدد من المسلمين بوصفها عائقا يحول دون استكمال الهند حضور المؤتمر. ومن ثمَّ طُلب من فخر الدين إما التنازل عن الحضور وإما تغيير صفة الهند من عضو كامل إلى عضو مراقب، الأمر الذي رفضه الوزير الهندي.

 

حظي الموقف الباكستاني بدعم الأردن وتركيا وإيران (وكانت الأخيرة تحت حُكم الشاه آنذاك)، وقيل إن اثنين منهم هددا بالانسحاب مع باكستان إذا حضرت الهند، ما دفع المغرب ببساطة لتفادي إعلام الهند بجدول أعمال المؤتمر لإجبارها فعليا على عدم الحضور والخروج من المأزق وإنجاح المؤتمر. عُقدت الجلسة الختامية عصر يوم 25 سبتمبر/أيلول، وحين علم الوفد الهندي وأرسل خطابا إلى رئاسة المؤتمر يستفسر عن عدم دعوته، لم يتلقَّ ردا؛ فخرج البيان الختامي مشيرا إلى حضور ممثلين عن “المسلمين بالهند” فحسب، دون ذكر حضور وفد ممثل للدولة الهندية في بداية المؤتمر).

 

أبلغت الهند الدول المشاركة في المؤتمر احتجاجها الرسمي على ما جرى من خرق واضح للأعراف الدبلوماسية، وقد سارع بعضها بإرسال الوفود إلى دلهي لتفسير موقفه ودعمه الأصلي للمشاركة الهندية، وعلى رأسها مصر. بيد أن التخبُّط العربي حيال الهند وباكستان ما انفك يكشف عن نفسه في مواقف عديدة، لا سيَّما الحروب المتكررة بين البلدين في كشمير، التي انحاز فيها البعض لباكستان، مثل الخليج، في حين حاول آخرون التزام الحياد، مثل مصر.

 

استمر الالتزام الهندي بالقضية الفلسطينية طوال وجود إنديرا في السلطة، إذ مُنحَت منظمة التحريرالفلسطينية مقرا رسميا في دلهي عام 1974، في الوقت الذي ظلت فيه إسرائيل على قنصليتها المتواضعة خارج العاصمة، بل وتعرضت لتضييقات إضافية مثل رفض منح أي تأشيرات هندية لمواطنين إسرائيليين، وكان بعضها يُمنح عن طريق السفارة البريطانية في تل أبيب، التي أدارت عبرها الهند تلك الملفات الأساسية في علاقاتها مع إسرائيل. لكن تلك الأوضاع لم تستمر طويلا، مثلها مثل أوضاع كثيرة انقلبت رأسا على عقب في الشرق الأوسط خلال السبعينيات).

الباب الموارب: الثمانينيات وما بعد حرب كارغيل

لو كان لإسرائيل أن تحتفل بعام آخر غير عام 1948، لربما فكرت أن تحتفل بعام 1977، إذ فتح لها ذلك العام أبوابا عدة. أولها زيارة الرئيس أنور السادات للكنيست الإسرائيلي، وما تبعه من طي صفحة الحروب مع مصر

 

لو كان لإسرائيل أن تحتفل بعام آخر غير عام 1948، لربما فكرت أن تحتفل بعام 1977، إذ فتح لها ذلك العام أبوابا عدة وليس بابا واحدا فقط. أولها وأثمنها الباب المصري، الذي انفتح على مصراعيه بزيارة الرئيس أنور السادات للكنيست الإسرائيلي، وما تبعه من طي صفحة الحروب مع مصر، وثانيها حدوث انفراجة لأول مرة في التواصل المباشر مع الهند، بعد خروج إنديرا من السلطة جراء سقوط شعبيتها في انتخابات 1977 على خلفية سلطويتها المتزايدة وإعلانها حالة الطوارئ.

 

لم تفكّر حكومة “جَانَتا” الجديدة طويلا، لا سيَّما مع وجود عناصر قومية هندوسية في صفوفها ترى وجاهة الاصطفاف مع إسرائيل في مواجهة باكستان، ومن ثم تقرر استقبال وزير الدفاع الإسرائيلي “موشيه دَيان” سِرًّا في دلهي لبحث سُبُل الاستفادة من خبرات إسرائيل العسكرية. ورغم سقوط حكومة “جَانَتا” في غضون عامين، وعودة إنديرا للسلطة، فإن سياساتها الخارجية باتت أضعف آنذاك مع بدء تراجع حليفها السوفيتي واختفاء النظام الناصري من الساحة. لقد كانت مسألة وقت لا أكثر قبل أن يصبح الباب الموصد مواربا، وهو ما حدث بالفعل بعد اغتيال إنديرا غاندي عام 1984 على يد متطرفين سيخيين).

أدركت المؤسسات الحاكمة في الهند أثناء سنوات راجيف الصعبة في الثمانينيات الحاجة إلى تغييرات جذرية لمواكبة ما يجري من حولها، والحاجة إلى فتح السوق الهندي ومن ثم التقارب مع الولايات المتحدة.

 

عامٌ واحد فقط مرَّ على اغتيالها قبل أن يقرر “راجيڤ غاندي”، ابنها وخلفها في السلطة، التقاء نظيره الإسرائيلي لأول مرة على هامش الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة. أدركت المؤسسات الحاكمة في الهند أثناء سنوات راجيف الصعبة في الثمانينيات الحاجة إلى تغييرات جذرية لمواكبة ما يجري من حولها، بدءا من تدهور الاتحاد السوفيتي عالميا، وانتقال الثقل الاقتصادي في المنطقة العربية إلى الخليج بعلاقاته القوية مع باكستان، والحاجة إلى فتح السوق الهندي ومن ثم التقارب مع الولايات المتحدة، لا سيَّما مع بدء صعود الاقتصاد الصيني).

 

كان ملف التطوير العسكري على رأس الأجندة الهندية، فقد ظلت الصناعات العسكرية الأميركية بعيدة عن السوق الهندي، في حين أدى تراجع روسيا عالميا مع الحاجة إلى صيانة وتطوير الترسانة السوفيتية لدى الجيش الهندي إلى الرغبة في بلورة علاقة جديدة مع طرف يمكنه سد تلك الثغرة، وهو واحد من الدوافع الرئيسية لقرار تدشين العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل تحت رئاسة وزراء “نَرَسيمْها راو” عام 1992.

 

أدت عوامل إضافية في نهاية التسعينيات إلى تعميق الشراكة العسكرية مع إسرائيل؛ أولها الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة مؤقتا على التعاون العسكري مع الهند بسبب تجاربها النووية العسكرية، التي خرقت اتفاقية حظر انتشار السلاح النووي. وثانيها وصول حزب بهارتيا جَانَتا القومي الهندوسي للسلطة لأول مرة، وابتعاده أكثر عن الناخبين المسلمين وأحزاب اليسار. وثالثا وقوع حرب جديدة مع باكستان عام 1999 -حرب كارغيل- تكشَّفت فيها مكامن خلل عسكرية واستخباراتية في تعامل القوات الهندية مع نظيرتها الباكستانية التي تمتَّعت بالدعم الأميركي وبانحياز الصين نظرا للتنافس التاريخي بين الصين والهند).

 

في تلك الفترة لم تجد دلهي سوى أيادي إسرائيل الممدودة، التي طالما تطلعت نحو علاقة قوية مع الهند فيما يشبه حبا من طرف واحد، حتى قررت الهند أخيرا الاستجابة جزئيا للتودد الإسرائيلي بغية الحصول على مزايا الترسانة الإسرائيلية، التي سرعان ما باتت دلهي أكبر مستهلك لها في العالم، علاوة على الوصول بصورة غير مباشرة لأحدث تقنيات الغرب العسكرية من بوابة تل أبيب.

 

استمر نهج الباب الموارِب، المنصب على الاستفادة العسكرية والتقنية، حين عاد حزب الكونغرس للسلطة وظل فيها حتى عام 2014، في تجلٍّ واضح لاستحالة العودة لسياسات نهرو “العروبية”، لا سيَّما أن أصحاب تلك السياسات من العرب أنفسهم تخلوا عنها من أجل سياسات أكثر واقعية، ولذا لم يكن منطقيا أن تحمل دلهي لواء معركة على بُعد آلاف الكيلومترات مع دولة تمنحها الآن مزايا هي في أمسّ الحاجة إليها لمواجهة عدوِّها المباشر.

عصر مودي: الباب ينفتح على مصراعيه

في عام 2008، قام حاكم ولاية كوجرات آنذاك نارندرا مودي بتخصيص جزء من ميزانية الولاية لإطلاق موقع إلكتروني باسم المفكر الهندوسي “ﭬينايَك دامودَر ساوَركَر”، مُدافِعا عنه ضد “الدعاية الخبيثة التي نالت منه وأدت لسوء الفهم حياله لعقود طويلة” حسب زعمه. كان ساوَركَر جزءا من مدرسة القومية الهندوسية التي صارعت إرث المهاتما غاندي، ورأت في الهند وطنا هندوسيا يستند إلى الارتباط الوثيق بين أرض الهند المقدسة والعقيدة الهندوسية، ومن ثم اعتُبر أي عنصر ديني آخر لا يقدِّس أرضها دخيلا عليها).

 

طوال فترة رئاسته لولاية كوجرات، كان مودي محركا رئيسيا في حملة الحركة القومية الهندوسية من أجل مراجعة السرديات الرسمية لتاريخ الهند، وإعادة الاعتبار لأعلام الهندوس القوميين والمحافظين، علاوة على تنفيذ تصوراته عن السياسة الخارجية من موقعه في السياسة المحلية، وبالتحديد فيما يتعلق بإسرائيل والتقارب معها، في اتساق مع موقف القومية الهندوسية التاريخي بتأييد قيام دولة يهودية في فلسطين بوصفها أرضا مقدسة لليهود وطأها المسلمون متأخرا، تماما كما حدث مع أرض الهند “الهندوسية”، حسب مزاعمهم.

في أكتوبر/تشرين الأول 2015 زيارة رئيس الجمهورية الهندية ذي المنصب الشرفي “بْرَناب موخِرْجي”، فأصبح أول رئيس هندي يزور إسرائيل.)

 

أثناء حكمه للولاية بين عامي 2001-2014، دأب مودي على تعزيز علاقاته مع إسرائيل، فأرسلت كوجرات العشرات من رجال الأعمال والمزارعين إلى هناك للحصول على أحدث تقنيات الزراعة الإسرائيلية، كما استقبلت الولاية استثمارات إسرائيلية عديدة. ولم تكن مفاجئة إذن الحفاوة الإسرائيلية التي قوبل بها مودي بعد انتصاره عام 2014 في الانتخابات البرلمانية وتوليه رئاسة الوزراء، وكذلك الحماس تجاه وزيرة خارجيته “سوشما سواراج”، رئيسة المجموعة البرلمانية للصداقة الهندية-الإسرائيلية سابقا، فتوالَت شواهد عدة على انفتاح غير مسبوق تجاه تل أبيب، بدأ بلقاء مودي ونتنياهو على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، رغم ما أُشيع عن تردد كثيرين في الخارجية الهندية تجاه اللقاء).

 

في أواخر عام 2014 قام وزير الداخلية “راجنات سينغ” بزيارة إسرائيل والعودة لبلاده، في سابقة من نوعها تعاكس العُرف الدبلوماسي الهندي بعدم زيارة إسرائيل دون المرور بالسلطة الفلسطينية في رام الله. تلا ذلك في أكتوبر/تشرين الأول 2015 زيارة رئيس الجمهورية الهندية ذي المنصب الشرفي “بْرَناب موخِرْجي”، فأصبح أول رئيس هندي يزور إسرائيل، لكن مع مروره على رام الله هذه المرة).

 

بيد أن تلك التحوُّلات لم تجلِب انفتاحا كاملا في حينه، إذ سادت الحسابات الواقعية في الفترة الأولى لحُكم مودي، وعلى رأسها العلاقة الإستراتيجية الوطيدة بين الهند وإيران، إذ تجمع البلدين مصلحة مشتركة باحتواء باكستان، علاوة على اهتمام الهند بعلاقاتها مع بنغلاديش وماليزيا وإندونيسيا والخليج، ومن ثمَّ لم يكن منطقيا التضحية بكُل ذلك وفتح باب التطبيع على مصراعيه في يوم وليلة بما ينافي مصالح الهند، لا سيَّما مع اهتمام دلهي بالحصول على مقعد دائم بمجلس الأمن، الأمر الذي سيحتاج إلى عدد كبير من الدول المؤيدة.

 

رغم حماستها من أجل تعميق العلاقات الرسمية مع إسرائيل إذن، والاستفادة منها عسكريا وتكنولوجيا، أبدت حكومة مودي درجة من الالتزام ببعض المواقف “العربية” التقليدية، منها الاستمرار في الإشارة إلى محمود عباس بوصفه رئيس فلسطين لا السلطة الفلسطينية فحسب مثلما تفعل دول أخرى، وزيارة وزيرة الخارجية الهندية لضريح ياسر عرفات أثناء زيارتها إلى فلسطين، وتصويت الهند لصالح رفع العلم الفلسطيني في الأمم المتحدة). في الوقت نفسه، أخذت الهند خطوات بطيئة من أجل تعزيز التعاون الثقافي والاقتصادي مع دولة الاحتلال، أبرزها رحلات الطيران المُباشرة على طيران الهند التي بدأت من مايو/أيار 2017 طبقا لاتفاق وقَّعه الطرفان دشَّن ثلاث رحلات أسبوعية من الهند إلى إسرائيل).

في أثناء الفترة الثانية لمودي في السلطة (2019-2024)، ازدادت وتيرة التطبيع مع إسرائيل، وعزَّز ذلك الاتجاه التقارب الوثيق بين دلهي وواشنطن على خلفية تنامي قوة الصين (الصورة: رويترز)

 

في أثناء الفترة الثانية لمودي في السلطة (2019-2024)، ازدادت وتيرة التطبيع مع إسرائيل، وعزَّز ذلك الاتجاه التقارب الوثيق بين دلهي وواشنطن على خلفية تنامي قوة الصين، ولذا باتت الهند تنظر إلى إسرائيل أكثر على أنها جزء من تحالفها مع الولايات المتحدة أكثر من كونها مسألة مرتبطة بعلاقاتها مع الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. يُضاف إلى ذلك تراجع مخاوف الهند من ردود الفعل الخليجية والإيرانية، أولا لأن بعض دول الخليج بدأت تسلك مسار التطبيع، وثانيا لأن العلاقات الهندية-الإيرانية باتت أقل محورية في نظر الهند رغم أهميتها، إذ إن أزمتها الاقتصادية وأزمة الشرعية التي يعاني منها نظامها يجعلان منها أقرب إلى الصين، كما أن سقوط الاتفاق النووي بين طهران وواشنطن الذي أذكى العداء بين العاصمتيْن دفع دلهي لترجيح كفة الأخيرة بطبيعة الحال، ومن ثمَّ تضاءل وزن إيران في الحسابات الهندية وإن لم يتلاشى بالكُليَّة.

 

في أثناء سنوات مودي الأولى في السلطة، بات الساسة الهنود أقدر على مبادلة الإسرائيليين بعض الود الذي بادلوهم إياه في الماضي، بيد أنهم، مثل غالبية المسافرين على رحلات طيران الهند، حرصوا ألا تنطبع على وجناتهم قُبُلات إسرائيل. بعد بدء عامه العاشر في السلطة، والتحوُّلات الكثيرة في العلاقات الإقليمية المحيطة بالهند، يبدو أن دلهي قد رفعت الستار أخيرا عن الوُد المكتوم مع تل أبيب، بل وباتت انحيازاتها لها مُفاجِئة للأميركيين أنفسهم، إذ أبدى أحد المُحلِّلين بمجلس العلاقات الخارجية الأميركية دهشته من تغريدة مودي الأخيرة حول عملية “طوفان الأقصى” التي جاء فيها: “إنني مصدوم من أخبار الهجمات الإرهابية في إسرائيل. نحن متضامنون مع إسرائيل في هذه الساعة الصعبة”).

 

في ظل بيانات روسية وصينية وبرازيلية تحدَّثت بشكل أكثر توازُنا عن ضرورة حل القضية الفلسطينية والالتزام بحل الدولتيْن، بل وتجنَّب بعضها إدانة حماس في إشارة ضمنية إلى أن جذور الأزمة تعود إلى التطرُّف الإسرائيلي، يظهر الموقف الهندي المُطابِق تقريبا للموقف الأميركي بوصفه تجليا لما أحدثته الحكومة القومية الهندوسية وعلى رأسها مودي من تغيُّرات في ثوابت السياسة الخارجية الهندية، وتجليا أيضا لتراجع النظام الإقليمي العربي نفسه وخروجه من قلب إستراتيجية الهند تجاه المنطقة والعالم.

المصدر : الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة − ثلاثة =

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube