https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

    محمد جمال هلال

   

لا يخالجني الشك أن ما حدث خلال هذا الأسبوع في كشمير هو انعكاس لما حدث في ولاية آسام الهندية في الأسبوع الماضي وما قبله، وأن موقف الحكومة الهندية في استخدام القمع ضد المسلمين هو متعمد نظير الضغط الممارس من اليمين الهندوسي، لكن الأحداث في كشمير ذات الأغلبية المسلمة والمتنازع عليها سيكون لها صدى آخر لا شك، فخلال 3 أيام انفجر الوضع بلغة الدماء، وأعلنت السلطات الهندية عن مقتل اثنين من المدنيين بالرصاص في سرينغار خلال سلسلة اعتداءات، ثم اقتحم مسلحون مدرسة حكومية في نفس المدينة وقتلوا معلمين، هذه التطورات تأتي بعد يومين من إقدام مسلحين ينتمون إلى “جبهة المقاومة” على شن ثلاث هجمات منفصلة مما أدى لمقتل ثلاثة مدنيين بينهم فرد ينتمي إلى جبهة “آر أس أس” القومية الهندوسية التي يرتبط بها حزب رئيس الوزراء الهندي مودي، ليزداد التوتر وتقوم الشرطة الهندية بعمليات قمع ممنهجة ضد المسلمين أشعلت لهيب المسلمين حول العالم.

إن سكب البنزين على النار في كشمير ليس وليد اليوم والأحداث المتصاعدة مع تنامي اليمين الهندوسي ليست حديثة المنشأ، فالمشكلة الكشميرية قديمة ومعاناة المسلمين هناك ولدت قبيل القضية الفلسطينية المتشابهة معها في كثير من فصول الصراع بعام واحد حيث استقلال باكستان سنة 1947م ثم اعلان دولة الاحتلال الصهيوني سنة 1948م لتصبحا قضية الشعبين على طاولة العالم الإسلامي في حقبة واحدة صنوان متلازمان.  لكن الموقف الهندي المتعنت تجاه حق الشعب الكشميري في تقرير مصيره له أبعاد أخرى تنعكس على الحالة الهندية بشكل خاص وإن تطابقت مع ممارسات الاحتلال الصهيوني بشكل عام.

تقول الجغرافيا الاقتصادية إن إقليم “جامو وكشمير” غني للغاية بموارده الطبيعية، ومساحته ليست بالصغيرة وموقعة غاية في الأهمية والاستراتيجية السياسية، كما يبلغ عدد السكان نحو 20 مليون موزعين بين الشطرين الهندي والباكستاني، وكما أثبتت الديموغرافيا أن النسبة الحاسمة للسكان في صالح المسلمين بنسبة تزيد عن  60% وهو الأمر الذي يجعل الهند دائما ما ترفض الطرح الأممي لمجلس الأمن الدولي المتمثل في حل الاستفتاء الشعبي لتقرير المصير والذي سيحسم لا شك لصالح باكستان حيث إن الأغلبية المسلمة ستصوت لصالحها كما تقول الاستطلاعات.

في هذا الإقليم لا ينازع التاريخ نفسه فيه ولو سطرًا واحدًا، حيث حسم التاريخ فيه الجدل بـ القول إن المنطقة إسلامية بسكانها وحكامها وتاريخها حيث كانت تابعة للعديد من الدول، ذات الغالبية المسلمة بدءاً بالدولة الأموية واستمرت تحت كنف الدولة العباسية إلى ظهور المغول على مسرح الأحداث الذين نزعوها من المسلمين لوقت رغم استمرار الغالبية المسلمة من السكان ثم عادت تحت حكم المسلمين حتى دخل إقليم كشمير تحت سيطرة الهندوس سنة 1819م وحتى  وقت الاستعمار البريطاني للقارة الهندية سنة 1846م كما تقول الوثائق البريطانية، ومن هذه السنة بدأ مسلمو كشمير يعانون تجاوزات السيخ في حقهم ثم الحكومة الهندوسية لينفجر الصراع عام 1947، وتحتدم المعركة بين الهند والباكستان حولها.

    فشل كل الحلول

لقد فشلت كل الحلول الأممية كالعادة لمناصرة قضية مسلمي كشمير وحقهم في استفتاء تقرير المصير، على رغم من صدور ثلاثة قرارات من مجلس الأمن  في المشكلة  الكشميرية  في الأعوام 1947 – 1949 تدعم حق شعب كشمير في تقرير مصيره عن طريق استفتاء حر ونزيه ويراقب دولياً، كما نص على ذلك القرار 47، ثم  القرار91 لسنة  1951 والذي دعا إلى حسم النزاع عبر محكمة العدل الدولية، لكن الهند رفضته، كالعادة كما رفضت جميع قرارات مجلس الأمن والبالغ عددها 11 قراراً  بخصوص كشمير لم تعترف بأىٍ منها الهند تمامًا كما تفعل دولة الاحتلال الصهيوني مع الشعب الفلسطيني، في تجاهل القرارات الأممية والعمل على التهجير وتغيير التركيبة الديموغرافية وفرض الاستيطان لغير المسلمين، فقد أقرت الحكومة الهندية قانونًا جديدًا يحق للهندي وبالأخص الهندوسي والذي تقبله الحكومة من خارج الإقليم البناء والتملك في كشمير. وقد أصدرت الهند في السنتين الأخيرتين وفق تقارير رسمية قرابة أربعة ملايين ونصف المليون بطاقة إقامة لتغيير الهيكل الديموغرافي في الإقليم، في تقنين واضح للتطهير العرقي الذي وثقته الأمم المتحدة في تقريرين لها أحدهما  للمفوض السامي لحقوق الإنسان لسنة 2018 الأردني رعد بن الحسين، ثم في سنة 2019 للمفوضة الحالية ميشيل باشيليت رئيسة تشيلي السابقة، وأثبت كلا التقريرين الانتهاكات والقمع من السلطات اتجاه المواطنين الكشميرين.

    الصدام المباشر

إن التنامي العددي للمسلمين في الهند وما حولها من دون وجود دولة تقوم على العدالة والمساواة يدفع موازين القوي الصاعدة والمتناحرة على أسس طائفية وعرقية إلى الصدام المباشر، ويجعل أمام الوجود الاسلإمي إشكالية الإجابة على سؤال الشعوب، حول ما هي الخيارات أمام مجموعة عرقية ودينية تتنامى عددياً وتتعرض للاضطهاد والحرمان من حقوقها في تقرير مصيرها؟ حيث لا إجابة في معادلة القوة لحماية الأقليات سوى نموذج الكفاح المسلح للتحرر ومقاومة الاحتلال تماماً كما في فلسطين الآن، وما كان قبلها في نماذج التحرر الوطنية في العالم، أو الانجرار نحو ذلك النموذج القريب في باكستان المتمثل في جلب القوة النووية وسيطرة العسكرين هناك على الدولة كطرح بديل للبقاء في المعادلة حتى وإن كان النموذج الباكستاني هو نموذج تحت السيطرة الغربية حيث كانت حقيقة قيامه كنظام عسكري نووي ضمن معادلة القوة في معسكر أُعد سلفاً للسيطرة على دول عدم الانحياز، وما بعد الحرب الباردة، وما تلا مخرجات الحرب العالمية الثانية بين القوى الاستعمارية، لكن الأجيال القادمة من المسلمين في بلاد ما وراء النهر وبلاد الهند ستضطر -إجباراً إن لم يكن اختيارا- مع تناميها العددي وما تتعرض له من قمع وتطهير عرقي يجعلها دائما مستضعفة أن تكون رد فعل وتبحث عن القوة الحقيقية لا سيما العسكرية حين يدرك المسلمون أن القوة كيفًا لا كمًا فحسب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube