https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

 كتب محمد خير الوادي :

كثرت التحليلات حول قرار واشنطن سحب قواتها من افغانستان بعد عقدين من التواجد هناك ونفقات فاقت  الترليون دولار ، وعشرات الآلاف من الجنود الامريكيين الذين  وقعوا بين قتيل وجريح.

ولن افصل في هذه التحليلات التي تتراوح  ما بين اطلاق صفة الهزيمة على القرار الامريكي، او المؤامرة الموجهة ضد روسيا وايران  والصين . وسأدخل مباشرة الى صلب الموضوع  عبر طرح الاسئلة التالية :

 لماذا قررت الولايات المتحدة الانسحاب من افغانستان ؟

وهل يعقل ان تسلم واشنطن هذه الدولة- كما يقال  –  هكذا دون مقابل – لاطراف خصمة لها مثل ايران اوالصين وروسيا ؟

وهل هزمت امريكا حقا في افغانستان ؟

فيما يتعلق بالسؤال الاول :

ما يلفت الانتباه ، هو ان هناك اجماعا امريكيا على الانسحاب من افغانستان . فادارة ترامب هي التي اعلنت الرغبة في ذلك  ،وأجرت جولات من المباحثات مع طالبان وتوصلت الى اتفاق  معها  ، وبايدن – رغم خصومته العميقة مع ترامب  – لم يعترض عل الاتفاق  ، لا بل انه سرٌع في  خطوات  تنفيذه .

وتعود اسباب  هذا الاجماع الامريكي الى قناعة مخططي السياسة الامريكية ، من ان تواجد القوات الامريكية في افغانستان  قد حقق اهدافه في ضرب ما يسمى بالارهاب ، ولذلك فان  الاستمرار هناك  لم يعد له معنى .اضافة الى ان ” الارهاب ” لم يعد محصورا في افغانستان( كما كان في السابق ) ، بل انتشرت منظماته في مناطق كثيرة  من العالم. وداعش ، وبوكو حرام وغيرهما ،خير  مثال على لك .

وهناك ذريعة اخرى دفعت واشنظن الى الانسحاب ،هي  العودة  الامريكية الجزئية  الى استرتيجية اوباما ،حول القيادة من الخلف، والتي تتضمن عدم التورط المباشر في الصراعات العسكرية ،وترك هذه المهمة الى الانظمة المحلية والادارات ” الصديقة ” مع تقديم الدعم لها .

وفي حالة افغانستان ، فان واشنطن تعتقد  ان   نظام  الرئيس الافغاني الحالي  اشرف غني قادر على مواجهة طالبان .

وامر اخير لا بد من الاشارة اليه بهذا الخصوص  هو، التغيير الذي حصل في الموقف الامريكي ازاء  طالبان . فبعد ان كانت واشنطن تصنف هذه الحركة في قوائم الارهاب ، عدلت  السياسة الامريكية موقفها  ودخلت في مباحثات مباشرة مع طالبان  في الدوحة  من وراء  ظهر النظام الافغاني الرسمي . ولا بد من التذكير ، ان امريكا كانت قد تحالفت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي مع طالبان ضد الوجود السوفياتي في افغانستان . ووجود مثل هذه السوابق في العلاقات بين واشنطن وطالبان ، يعني ان الامر يمكن ان يتكرر الان . باختصار ، فان افغانستان باتت ، بالنسبة الى امريكا ، عبئا كبيرا لا بد من التخلص منه.

وفيما يخص السؤال الثاني ،  فرغم اهمية الموقع الجيوسياسي  الهام لافغانستان ، فان اوساطا امريكية نافذة  مقتنعة ان هذا البلد الآسيوي  اصبح  يمثل كتلة  من  لا تنتهي من المشكلات : فهو  بحكم  التركيبة القبلية المتزمتة ، صار  عصيا على الاصلاح  الاجتماعي والسياسي . ويضربون مثلا على ذلك ، من ان الاتحاد السوفياتي قد اخفق – رغم محاولاته الجادة كلها  – في بناء نظام تقدمي شيوعي هناك ، وان مئات المليارت الامريكية وعشرات الالاف من الجنود  لم تتمكن من  احداث تغيير جوهري و” ادخال نظام ديمقراطي ليبرالي”الى هذا البلد . كما اشعلت  الامتدادات القبلية عبر الحدود مزيدا من توترات لا تنتهي مع دول اسيا الوسطى والصين وايران ، اضافة الى الصراعات القبلية الداخلية التي لا تنتهي ،وضعف الموارد الداخلية .

باختصار ، فان افغانستان – حسب بعض الاوساط الامريكية – هي عبارة عن كرة نار ملتهبة تحرق يد من يلتقطها .

لكن هذه الآراء تخفي حقيقة ، ان التدخلات الاجنبية التي لا تنتهي في شؤون هذا البلد ، هي التي تسببت  في زيادة الصراعات والازمات الداخلية في افغانستان . ونذكٌر بهذا الخصوص بالحقائق التي تشير الى مدى الازدهار التي عاشت في ظله  افغانستان الملكية قبيل التدخل السوفياتي ، لا بل ان النظام الملكي الحاكم هناك كان من اقرب اصدقاء الاتحاد السوفياتي. وانا شخصيا التقيت – اثناء دراستي في موسكو- بعشرات الطلاب الافغان الذين ارسلهم الملك الافغاني محمد ظاهر شاه  للدراسة في موسكو ، واخبروني بان عددا اكبر من الضباط الافغان  والمهندسين والمختصين يتدربون في المؤسسات السوفياتية ، وان العلاقات بين البلدي كانت  في قمة  التطور . ولا ادري لماذا تجاهل بريجنيف هذه الوقائع وقرر التدخل في افغانستان .

بقيت الاجابة على السؤال الثالث ، وهو:

هل هُزمت امريكا في افغانستان ؟

 الجواب متعلق بموقف من يطرح السؤال .

الامريكيون يقولون انهم تراجعوا وانسحبوا بعدما  حققوا  ما يريدون، وانهم تخلصوا من عبء كبير ، وانهم لن يتركوا هذا البلد ليقع لقمة سائغة بيد الصينيين او الايرانيين .

و اعداء امريكا يعتبرون ان هذا الانسحاب هو هزيمة نكراء ، سيضعف واشنطن التي  تخلت عن حليفها الافغاني ، وان هذا يمثل درسا لكل المراهنين على امريكا في العالم  .

بالمناسبة ، هذه  ليست المرة الاولى التي تتخلى فيها امريكا عن اصدقائها . حدث هذا في ايران  ومصر وتونس وامريكا اللاتينة . فالسياسة الامريكية لا ترسمها الصداقات ، بل تقوم على المصالح . فعندما ينتهي صلاحية اي نظام كان يخدم امريكا، فانها تتخلى عنه بسهولة . ومن العبث المراهنة  او الاعتقاد ان مثل هذه  الخطوات يمكن ان تضعف امريكا عالميا والبناء على ذلك.  فالدول  الكبرى تتراجع اوتتقدم وفقا لمصالحها  وما تحصل عليه من منافع ،وليس كما يرغب الاخرون ويتمنونه .

ويبقى ان  نقول ، ان الانسحاب الامريكي من افغانستان  سيفتح ابواب تلك المنطقة على الاحتمالات كلها بما فيها الاستقرار والسلام ، او الحرب والتوتر . لكن هناك امرا واحدا ثابتا هو ، ان الوقائع التاريخية  تشير الى  ان افغانستان -اذا ما انتفت التدخلات الخارجية – قادرة على النمو والازدهار وتحقيق الاستقرار ، وهي تتحول   الى  كرة  من  اللهب التي تحرق   كل محتل او طامع  اجنبي  في الاراضي الافغانية  .

12،7،2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube