https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

صدر عن دا نشر الفارابي 2008 بيروت

مقدمة الكتاب

تجربتان فريدتان من حيث الحجم والنتائج عاشتهما الصين المعاصرة في مجالات التطور والبناء، الأولى هي الثورة الثقافية ومقدماتها وملحقاتها وقد أصيبت بالإخفاق، والثانية وهي الإصلاح والانفتاح.. وقد نجحت. واللافت للانتباه، أن التجربتين حدثتاً في بلد واحد، وفي ظل نظام سياسي واحد، ومن قبل قادة تربوا في مدرسة سياسية ونضالية واحدة، وكانت غايتهما واحدة، وهي بناء الصين المتطورة المكتفية القوية.

وقد حاولهذا الكتاب البحث في أسباب إخفاق الثورة الثقافية العظمى التي خطط لها وتزعمها الرئيس ماو تسي تونغ، وفي العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى نجاح تجربة الإصلاح والانفتاح التي وضع أساسها دينغ شياو بنغ، ولا تزال متواصلة حتى يومنا هذا. والشيء المدهش في الصين، أن الكوارث والأخطاء التي حلت بها، لم تقعدها أو تشل إرادتها، بل زادتها تصميماً على البحث عن أساليب أكثر نجاعة للنهوض. لم تصل الصين المعاصرة إلى ما هي عليه الآن من تطور وازدهار، إلا بعد أن مرت في مرحلة ولادة عسيرة، تعج بالانكسارات والتطرف والأخطاء.

لقد اعتقد الصينيون أن معاناتهم قد انتهت بقيام جمهورية الصين الشعبية، ولكن تبين أن صعوبات البناء لا تقل أبداً عن عقبات التحرير، لا سيما في ظل اختلاف الرؤى حول أساليب التطور، لقد تفاقمت الخلافات حول سبل البناء إلى حد أنها تحولت إلى صراع دموي رهيب بين رفاق الأمس.

آمن ماو تسي تونع بقناعات ثورية متطرفة بقيت تلازمه حتى آخر أيامه. وثبت أن ما هو صالح في أيام النضال السري والحروب، ليس بالضرورة كذلك في مراحل البناء. وعلى نقيض الرئيس ماو، اعتقد دينغ شياو بنغ أن الاعتدال والحذر والانفتاح وتغلبت المصالح وليس العقائد، هي كلها أساليب فعالة للنهوض الشامل للأمة الصينية.

لم تخلو مرحلة الإصلاح من مشكلات وأخطاء، ولكن قائدها تمكن بعبقرية فريدة من تحويل هذه المشكلات إلى تحديات، وسلك أسلوب الاتعاظ بالأخطاء والسعي إلى التقليل من حجمها إن لم يكن بالإمكان حلها.

ورغم التنافر التاريخي بين هاتين التجربتين، إلا أنهما كانتا متداخلتين، فلولا إخفاق الثورة الثقافية، لما كانت هناك حاجة للإصلاح والانفتاح، ولولا عثرات ماو، لما برز دنغ. إنها الثنائية الجدلية التي تقود التفكير الصيني منذ القدم: مثل تداخل الليل والنهار، والسالب والموجب والشر والخير والتخلف والتقدم.

لم تكن الغاية من هذا الكتاب استعراض تاريخ الصين الشعبية، أو سرد تفاصيل التطور لهذا البلد، وإنما الوقوف عند أبرز المحطات التي مرت بها جمهورية الصين الشعبية في المرحلة الماوية، وفي حقبة الإصلاح والانفتاح. ولكل من هاتين المرحلتين ظروفها الموضوعية وأسبابها التاريخية وقواها المحركة. ولكن الشيء اللافت للاهتمام، هو بروز العامل الذاتي في كلتا المرحلتين. فالزعماء الذين قادوا كل مرحلة، تركوا بصمات حاسمة في تحديد مسارات ومصير الشعب الصيني كله.

وهكذا فقد دار الحديث في هذا الكتاب حول حقبتين من تاريخ الصين: الأولى: تلك الممتدة من عام 1949 وهو عام تأسيس الصين الجديدة، حتى عام 1977، والحقبة الثانية تشغل حيزاً زمنياً بدأ أواخر السبعينات من القرن الماضي، ولا يزال مستمراً حتى يومنا هذا. وما يسعى من وراء هذا العمل هو تقديم تجارب الصين المعاصرة كما هي.. بكل مآسيها وإنجازاتها، بكل انكساراتها ونهوضها ومعجزاتها، مع الإشارة، إلى أن هذه التجارب لم تحدث في مختبر، بل جسدت مسيرة أمة تطمح إلى استعادة أمجادها الغابرة، وبناء حياة مزدهرة لائقة بين الأمم المعاصرة، وقد تمكنت الصين من ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube