https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

المؤلف : محمد خير الوادي (3)
قصة العلاقات التاريخية

تتسم قصة العلاقات بين الصين وإسرائيل بالغرابة فعلا. فهي من الجانب الدبلوماسي، مرت في فترة إعداد
سرٌي استمرت نحو عقدين من الزمن ، وهي أطول فترة شهدتها علاقات بين جانبين ، وخلال تلك المرحلة التي امتدت من سبعينات القرن الماضي إلى بداية التسعينات، فضلت الصين إضفاء السرية المطلقة على صلاتها مع إسرائيل التي أبدت – بدورها ارتياحها للأمر . و من الجانب السياسي أخضعت بكين هذه العلاقات لحسابات باردة من الربح والخسارة انطلاقا من تأثيرها على العلاقات الصينية مع الدول العربية .
ترافقت الرغبة الإسرائيلية الجامحة في التسلل عبر سور الصيني والفوز بالجبنة الصينية ، بحملة شاملة نظمتها الأوساط اليهودية لإقناع الصينيين بان العلاقات بين الصين واليهود ليست وليدة اليوم ،وهي لا تقوم على المصلحة فحسب ، وإنما تستند –كذا- إلى جذور تاريخية طويلة ! وقد استخدمت الأوساط الصهيونية كثيرا من الأحداث التاريخية غير المؤكدة في القرنين التاسع والعاشر وأضفت عليها هالة من التضخيم والتزوير ، كما حرفت بعض الوقائع التي جرت في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي من اجل القول، أن الصلات بين الصينيين واليهود لها جذور عميقة في بطن الزمن . وقد سخٌرت الأوساط الصهيونية خبرتها العريقة كلها في إعادة تأويل الاحداث وتزويرها وتحريف كثير من التفصيلات ، واستخدمت إمكاناتها الكبيرة لانجاز هذه المهمة .
وفي هذا المجال ، يستحضر اليهود واقعة تاريخية حول ما يسمى بيهود كايفينغ . ولإضفاء بعض المصداقية على ادعاءاتهم هذه ، استأجرت الأوساط اليهودية بعض الكتاب الصينيين ، وشجعتهم على إعداد دراسات مشبوهة باللغة الصينية، نشرها مركز الدراسات اليهودية في جامعة نانجينغ الصينية ، حيث وفر اليهود المعلومات والاموال لهذا المركز من اجل إصدار ما يسمى بالموسوعة اليهودية المليئة بالأكاذيب والتزوير حول تاريخ اليهود . وحسب هذه الموسوعة التي تم ترويجها على نطاق واسع في الصين ، فان عددا من يهود ايران والهند هاجر الى مدينة كايفنغ عاصمة مقاطعة هونان الصينية الواقعة على ضفاف النهر الأصفر في القرنين التاسع والعاشر عبر طريق الحرير ، وكان هؤلاء وكلهم تجار ،برفقة عدد كبير من الايرانيين والعرب واقوام اخرى. وقد مارس اليهود – كعادتهم الأعمال التجارية واستطاعوا جمع اموال كثيرة ، وهو امر مكنهم من البدء بإقراض المال لقاء الفائدة. ويبدو أن هذه الجماعة اليهودية رشت حاشية الإمبراطورالصيني من اجل التقرب اليه، ولذلك -وحسب الرواية اليهودية-عين أباطرة أسرة تانج أحد أعضاء طبقة الماندرين (وهي الأرستقراطية الثقافية من الموظفين ) مسئولاً عنهم، فكان يزور معبدهم باسم الإمبراطور مرة كل عام، ويحرق البخور أمام المذبح. وكان المهاجرون اليهود فى بداية الأمر يتحدثون الفارسية، وكانوا متخصصين في المنسوجات القطنية وصباغتها وطباعة الألوان عليها، وهى صباغة كانت متقدمة في الهند. وكان سكان الصين يتزايدون في تلك المرحلة، الأمر الذي أدى إلى نقص حاد في المنسوجات الحريرية ونشوء حاجة إلى المنسوجات القطنية. ومن الناحية الاجتماعية والطبقية، كان اليهود ينتمون إلى طبقة التجار والصناع التي تقع بين الفلاحين من جهة وطبقة الموظفين/العلماء من جهة أخرى. ومن ثم كان طموحها الاجتماعي، مثلها مثل الطبقات التي تقع في الوسط، هو الاتصال بالطبقة العليا والابتعاد عن طبقة الفلاحين .
والشيء المثير ما يقوله بعض الباحثين اليهود، من ان يهود كايفنغ اضطروا للهجرة إلى الصين “هربا من الإرهاب الإسلامي” انذاك. لكن رحالة روسيا واسمه ف. اليكسيف وفق كتاب” اللغز الروسي” ص 26 (باللغة الروسية) والذي نشر في موسكو عام 1998، اكد انه جال على مناطق الصين في القرن الحادي عشر، وانه مر بمدينة كايفنغ ولم يجد اثر لليهود فيها، وكتب في يومياته، “قد تكون اليهودية قد مرت في تلك المناطق الصينية، ولكنها لم تترك أية آثار”. والشيء اللافت، أن بعض أبناء مدينة كايفنغ من الصينيين يروجون الآن- لأسباب مادية بحتة ومن اجل الحصول على بعض الفوائد من اسرائيل-اقوال مفادها أن “الدماء التي تسري في عروقهم يهودية”، حتى ولو كانت أشكالهم صينية. ووصل الحد إلى أنهم كتبوا إلى حكومة إسرائيل يطلبون الهجرة إليها كونهم يهودا، ولكن طلبهم هذا قوبل بالرفض من قبل بعض الاوساط في إسرائيل، التي لم تقتنع أن “دماء هؤلاء يهودية” ، حتى ان دبلوماسيا اسرائيليا صرح ان “الوثيقة” الوحيدة التي يحملها الراغبون بالهجرة من كايفينغ الى اسرائيل هي ادعاؤهم انه لا يأكلون لحم الخنزير!. لكن القصة لم تنتهي هنا ، فقد تلقفت بعض المراكز اليهودية هذه الرواية للوصول الى نتيجة خيالية تقول ، ان اليهود الذين كانوا جزءا من بطانة الحاكم الصيني تزاوجو مع الصينيين وبقيوا هناك ، ولذلك هناك الان قرابة دم بين الامتين اليهودية والصينية!ولم تقف الامور عند هذا الحد، بل بدات المنظمات الصهيونية تحاول اقناع الحكومة الاسرائيلية باهمية يهود كايفينغ كخزان بشري هائل يمكن ان يردف دولة اسرائيل. وقد باشرت هذه المنظمات بخطوات عملية لاعداد الراغبين من سكان كايفينغ للهجرة والاقامة في اسرائيل.و وارسلت منظمة شاواي اسرائيل المختصة بالبحث عن اليهود في العالم في عام 2005، وفدا الى كايفينغ من اجل الاتصال بالسكان هناك واختيار اولئك الذين “تجري في عروقهم دماء يهودية”. وقد استقدمت المنظمة عام 2008اول فوج من يهود كايفينغ ، وارسلتهم فورا الى كيبوتس سدي الياهو الواقع شمالي اسرائيل . وقد بدا المهاجرون بدراسة اللغة العبرية والديانة اليهودية وعملوا في الكيبوتس المذكور . وبعد شهر من الوصول ، نظمت لهم رحلة الى مدينة القدس المحتلة التي قدمت لهم على انها عاصمة اسرائيل التى تم توحيدها وتحريرها عام 1967. واعلن ميخائيل فرويند رئيس المنظمة ،ان المهاجرين اسرعوا الى حائط المبكى وهناك تذكروا اصولهم اليهودية! وعلقت صحيفة يديعوت احرونوت على ذلك بقولها في حزيران عام 2009، بان اليهود الصينيين القادمين الى اسرائيل قد تمكنوا بسرعة من التاقلم مع الحياة الجديدة، وانهم يقبلون بشراهة على دراسة التعاليم اليهودية وتاريخ اليهود وتاريخ دولة اسرائيل ، وانهم متحمسون جدا للمشاركة في بناء الدولة والدفاع عنها.ونشرت الصحيفة قول المهاجر سوي في الذي اعلن والدموع تنساب من عينيه: واخيرا عدنا الى ارضنا المقدسة!
انها البدايات فقط في عملية تهيئة اكبر تجمع بشري للهجرة الى اسرائيل. وليس مهما ان تجري في عروق افراد هذه التجمع دماء يهودية او صينية، المهم “اعادة تأهيله واشباعه بالأفكار اليهودية حتى يكون إفراده جاهزين لخدمة اسرائيل والمخططات الصهيونية.وليس من قبيل الصدفة ان تصر الحكومات الاسرائيلية على الاستمرار في بناء المستوطنات في الاراضي العربية المحتلة. فهذه الكتل الضخمة من البناء فارغة الان ، ولكنها لن تكون كذلك في المستقبل.وما يجري الان حول ما يسمى بيهود كايفينغ يشبه تماما ماجرى مع يهود الاتحاد السوفياتي ، حين تمكنت الصهيونية من جلب اكثر من مليون مهاجر في تسعينات القرن الماضي .ولم يدقق حاخامات اسرائيل انذاك في هوية القادمين. وبالمناسبة ، لقد اسكن هؤلاء المهاجرون القادمون من المناطق السوفياتية في الجولان والضفة الغربية الغربية، وباتوا راس الحربة في التطرف الاسرائيلي. ومن يدري ، فقد يحدث الشيء ذاته مع سكان كايفينغ، لكن هذه المرة سيكون الامر اكثر خطورة، لان الصهيونية ستضع يدها على خزان بشري ضخم لا ينضب . ولا بد من الاضافة ،ان اسرائيل تستغل الحريات التي توفرها الان الحكومة الصينية لسكانها فيما يتعلق بحق السفر والعبادة من اجل تنفيذ المخططات اليهودية . فقد سمحت السلطات الصينية لمواطنيها بالسفر الى الخارج متى يشاءون، وهذا يسهل كثيرا مهمة المنظمات الصهيونية، وهي لن تكون مضطرة للدخول في معركة مع الحكومة الصينية- كما حدث مع الاتحاد السوفياتي- وممارسة الضغوط من اجل السماح بالهجرة. كما ان ممارسة الأنشطة المتعلقة باعادة تربية السكان بالروح الدينية اليهودية امر متاح نسبيا في الصين. ان التنبه الى هذه المسألة الآن امر في غاية الاهمية. فلا بد من العمل مع الحكومة الصينية وتنبيهها الى ما تدبره الأوساط الصهيونية من خطط لنقل أعداد كبيرة من الصينيين الى اسرائيل. ولابد من افهام السلطات الصينية ان هجرة هؤلاء ليست كهجرة ملايين الصينييين الى دول اخرى من اجل العمل والاقامة ، فالقادمون الى اسرائيل سيقيمون على أراضي محتلة، وهم سيكونون طعاما للخطط العدوانية الاسرائيلية ضد العرب، وهم – مع مرور الزمن سيتحولون الى راس رمح اسرائيلي ضد العرب. والحكومة الصينية الحريصة على الصداقة مع العرب ، لايمكن ان تقبل بان تساهم بشكل غير مباشر في دعم السياسة التوسعية الاسرائيلية على حساب العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube