https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

كتب محمد خير الوادي:

مرة اخرى ،يطفو اسم منتجع كامب ديفيد الامريكي  سيء الصيت  على سطح الاحداث. وهو اسم ارتبط بالذاكرة العربية مع  المأسي التي انطلقت  من هذا المنتجع عام 1978، وادت الى شق الصف العربي  ،وكسرت حاجز العداء مع اسرائيل  ،ووضعت اسس التطبيع  معها.

وبعد  نحو اربعة عقود ، اجتمع في كامب ديفيد نفسه  قادة كل من اليابان وكوريا الجنوبية برعاية امريكية ، بهدف  ” كسر حواجز العداء  التاريخي  ”   بين البلدين ، والتي حالت – حتى الان دون تحقيق  تعاون كامل بينهما. وتتلخص تلك الحواجز في الارث الوحشي  للاحتلال الياباني لشبه الجزيرة الكورية  عام 1910، والذي دام  35 عاما ، ارتكب  الجنود اليابانيون خلالها  جرائم دموية بحق الكوريين ، لا سيما النساء منهم .

في الواقع ، فان واشنطن  تضغط منذ اربعة عقود  بكل قوة على  طوكيو وسيؤول ” لكسر حاجز العداء النفسي ”  بينهما، وطي صفحة الماضي المؤلم. ولكن جراح الماضي  النازفة بقيت ماثلة في العلاقات الكورية اليابانية  .  ويبدو ان بايدن تمكن هذه  المرة  ،من دفع قادة  كل من  اليابان وكوريا الجنوبية الى الاعلان رسميا – عبر بيان مشترك – عن الخروج من نفق المآسي التاريخية المظلم  ،  والبدء بمرحلة تاريخية جديدة  مشرقة  في العلاقات بين البلدين .

ولانجاز ذلك ،  استغلت امريكا الاوضاع المتوترة في جنوب شرقي آسيا ، لا سيما حول تايوان  وفي الممرات البحرية .وضخمت  واشنطن الخطر الصيني ، وساعدها في ذلك “عروض العضلات ” المستمرة  من جانب كوريا الشمالية ، والتي ما انفكت تطلق الصواريخ في سماء اليابان ، وتهدد بمحو كوريا الجنوبية .

واعتقد،ان استعراض ما جاء في  البيان المشترك الثلاثي الذي صدر عن قمة كامب ديفيد، سيسلط الضوء على حجم التغييرات التي  بدأت تنذر عن نفسها  في منطقة جنوب شرقي آسيا .

اولا : فيما يتعلق بالصين . صحيح ان  البيان اكد ان التعاون بين الدول  الثلاث الموقعة عليه لا يستهدف اي طرف ثالث ، ولكن في حقيقة الامر ، فان كوريا واليابان قد تراجعتا  فعليا عن حيادهما  التقليدي  ازاء المنافسة الاستراتيجية المستعرة بين الصين وامريكا ،  واعلنتا انحيازهما  النهائي  للموقف الامريكي.

فقد اعلنت الدولتان تمسكهما بمبدأ حرية الملاحة في جميع بحار جنوبي شرقي آسيا ، ومعارضتهما   لفرض اي اجراء احادي يمس ذلك . ودان البلدان  الخطوات الصينية  في  ضم الجزر المتنازع عليها وعسكرتها  ، وفرض الصين لقوانينها   في الممرات البحرية الدولية ، كما شجب البيان كذلك ما وصفه ” بالاعمال الخطيرة والعدوانية  للصين في بحر جنوب الصين ” .ودعا البيان الى  الحفاظ على السلام والاستقرار في تايوان ، اي الى عدم تغيير  الوضع الحالي في تلك الجزيرة التي تعتبرها الصين جزءا منها ،وتصر على استعادتها .

ثانيا  : فيما يخص التعاون العسكري .اتفقت الاطراف الثلاثة على رفع مستوى التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث بشكل غير مسبوق ، واطلاق مناورات عسكرية سنوية متعددة المهام ،وتمتين التعاون في مجال الاسلحة الباليستية  ، والتشاور  والتنسيق السريعين في حال نشوب ازمات طارئة . وقد سبق ذلك اعلان اليابان  مضاعفة انفاقها العسكري عدة مرات ، وشراء صواريخ استراتيجية من امريكا تصل المدن الصينية ، واقتناء  مقاتلات ف -35  الامريكية . كما ارسلت امريكا حاملة طائرات على متنها اسلحة نووية للمرابطة في المياه الكورية الجنوبية ، وسمحت حكومة سيول لامريكا بزيادة عدد انظمة  ثاد الصاروخية االموجودة على الاراضي الكورية الجنوبية ، وزيادة  قدراتها النارية ومداها .

وهذا كله يجري بذريعة التصدي لتهديات كوريا لشمالية !

ثالثا: وفي المجال الاقتصادي ، اتفقت الدول الثلاث على زيادة تعاونهما الاقتصادي على الاصعدة  كلها ، لا سيما  ، في مجالات سلاسل التوريد  والرقائق والذكاء الاصطناعي والصناعات الدقيقة المستقبلية . وواضح من هذا التوجه، ان الدول الثلاث باتت تشعر بخطورة الاعتماد على الصين في هذه المجالات ،ولذلك تسعى الى تعزيز قواعدها الانتاجة المشتركة  الخاصة بها   .

باختصار ، فان قمة كامب ديفيد الثلاثية  قد طوت الخلافات التاريخية التي كانت تسمم العلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية ، وارست لتعاون عسكري وعلمي واقتصادي طويل الامد بين الدول الثلاث ، هدفه الاخير احتواء الصين والتصدي لكوريا  الشمالية .

برأ ي، فان بيان كامب ديفيد  هذا ،  سيكون بمثابة  المنصة المتينة   لبناء حلف ناتو اسيوي ، يضم كلا من اليابان وكوريا الجنوبية واوستراليا والفيليبين ،وربما ماليزيا وتايلاند وتايوان وفيتنام . وواضح ، ان  الهدف الاساسي لمثل هذا التجمع الذي يتشكل الان ، هو احتواء الصين واضعافها .ولا يفيد شيئا نفي  سوليفان – مستشار  الامن الامريكي  –  والذي قال ، ان  اطراف كامب ديفيد لا تنوي  انشاء  ناتو آسيوي . فالوقائع كلها تسير في هذا الاتجاه . ولذلك عبرت بكين عن قلقها الشديد ازاء نتائج قمة كامب ديفيد ، واعتبرتها محاولة  لتحويل منطقة آسيا والمحيط الهادي الى ساحة منافسة جيو- سياسية .

وكما حمل كامب ديفيد المآسي للعرب ، فانه لن يجلب  سوى الويلات لمنطقة جنوب شرقي آسيا .

19/8/2023

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × 5 =

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube