https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

نتهت قمة ويلز الأطلسية في الرابع والخامس من الشهر الجاري بنتائج متواضعةللغاية بالنسبة إلى الرئيس الأوكراني بيوتر بوروشينكو، الذي حضر القمة علىأمل الحصول على دعم عسكري ومالي كبير في مواجهة روسيا. لقد كان بوروشينكوينتظر أن تتخذ هذه القمة تحديداً خطوة في اتجاه ضم بلاده إلى ما يسمى «برنامج العمل للعضوية في الحلف»، وهو برنامج لا يتطلب إجراء استفتاء فيالبلد الذي يرغب بالانضمام الى الحلف كعضو كامل الصلاحيات. لكن بسببالخلافات داخل «حلف شمال الأطلسي» نفسه بين الحرس القديم والحرس الجديد لميتحقق «حُلم» الرئيس الأوكراني هذا. ومن المعروف أن بوروشينكو عندما تولىمنصب وزير خارجية أوكرانيا في العام 2009، كان من أنصار الانضمام إلىالحلف، وأكد أكثر من مرة أن هذه العملية قد تتم خلال عام واحد أو عاميناثنين على أقصى تقدير. ولكنه، خلال حملة الانتخابات الرئاسية في مايو / أيار 2014، اعترض على ما طرحته منافسته في تلك الانتخابات رئيسة الوزراءالأوكرانية السابقة، يوليا تيموشينكو، حول ضرورة إجراء استفتاء علىالانضمام إلى «الناتو». ونعتقد أن اعتراض بوروشينكو هذا لم ينبع آنذاك منموقف مبدئي برفض انضمام بلاده إلى الحلف، وإنما نتيجة مخاوفه من دفن فكرةالانضمام إليه لسنوات طويلة آتية في حال جاءت نتيجة الاستفتاء سلبية. ويبدو أن بوروشينكو ومعه الولايات المتحدة الأميركية وقيادة «الناتو» كانوايراهنون على أن انضمام أوكرانيا إلى البرنامج المذكور لن يثير غضب موسكو،ولكن هذا غير واقعي بالطبع. فالروس يعلمون جيداً أن مجرد انضمام اوكرانياإلى هذا البرنامج سيعني فتح الأبواب أمامها مستقبلا للعضوية الكاملة فيالناتو، ومن ثم استخدام كييف كـمخفر أمامي للحلف ضد روسيا. لقد وعد الحلفروسيا بعدم التوسع نحو حدودها، ولكن هذا لم يتحقق. ففي العام 1994، كان عددأعضاء الحلف ست عشرة دولة فقط، أما اليوم فقد وصل عدد أعضائه إلى ثمانيةوعشرين بلداً. وباتت طائرات الحلف في إستونيا قادرة على الوصول إلى الحدودالروسية في دقائق معدودة. وعبارة أخرى، انضمام أوكرانيا إلى هذا الحلف مثل،ولا يزال، خطاً أحمر بالنسبة إلى روسيا. لقد تمخضت قمة ويلز عن رصد مبلغ 15 مليون يورو فقط لدعم الإصلاحات العسكريةفي أوكرانيا، وهو مبلغ زهيد للغاية. كما جرى الاتفاق على مد بعض بلدانالحلف، وليس كلها، لأوكرانيا بأسلحة وعتاد حربي غير قاتلة. وفي هذا السياق،نرى الولايات المتحدة تُعلن على لسان وزير دفاعها أنها لن تمد كييفبالأسلحة، وهو ما يمثل أيضاً خيبة أمل للرئيس الأوكراني. إن خطة السلام التي أعلن عنها الرئيس الروسي بهدف وقف إطلاق النار بين كييفوشرق أوكرانيا، والتي جاءت عشية انعقاد قمة الأطلسي في ويلز البريطانية،أضعفت بدرجة ملحوظة موقف الفريق المتشدد في مناهضته لروسيا داخل الحلف،والمكون من بولندا ودول البلطيق الثلاث، لاتفيا وليتوانيا وإستونيا. ومنثم، رأينا القمة تدعم العملية السلمية في أوكرانيا برغم بعض تحفظاتها علىخطة بوتين. واللافت، هنا، أن هذه الخطة أثارت كذلك تناقضات في صفوف السلطةالرسمية الأوكرانية. ففي الوقت الذي رحب بها الرئيس الأوكراني، وصفها رئيسحكومته ياتسينيوك بـ«الخدعة» الروسية. وهذه الخطة أيضاً جعلت الاتحادالأوروبي يتمهل في الإعلان عن فرض الحزمة الجديدة من العقوبات على روسيا،وربط هذه العقوبات بسير عملية الهدنة بين كييف وشرق أوكرانيا. وبرغم العلاقات المتوترة بين روسيا والغرب، لم تُقدم قمة ويلز على تعطيلميثاق 1997 بين موسكو وحلف «الناتو» حول أسس العلاقات بين الجانبين، وتمالإبقاء أيضاً على مجلس «روسيا ــ الناتو»، وذلك في معارضة واضحة لبعضالأصوات المتشددة داخل الحلف. ونعتقد أن هذا التوجه الأطلسي ينبع أساساً منأهمية التعاون مع روسيا في مجالات الأمن العالمي. ويكفي أن نذكر، هنا،تعاون روسيا الوثيق مع الحلف والولايات المتحدة الأميركية في نقل الشحناتالعسكرية وغير العسكرية إلى أفغانستان خلال السنوات الماضية. وربما ستكونهناك حاجة أيضاً لروسيا في خطط واشنطن والناتو في محاربة «داعش» في العراقوسوريا، وإن كانت واضحة حالياً محاولات تهميش الدور الروسي في الشرقالأوسط. ومع هذه النتائج المتواضعة لقمة الأطلسي في ويلز بالنسبة إلى الرئيسالأوكراني ومجمل النخبة الحاكمة حالياً في كييف، لا ينبغي التقليل من شأنقرارات «الأطلسيين» بتشكيل قوات للرد السريع وإنشاء قواعد عسكرية مؤقتة فيدول البلطيق وبولندا ورومانيا، أي بالقرب من الحدود الروسية مباشرة. الأمرالذي سيزعج موسكو كثيراً. ولذلك، نرى الحديث يدور في روسيا حالياً عن تعديلالعقيدة العسكرية الروسية لمواجهة ما تشعر به من تهديدات ومخاطر جديدة منجراء الأزمة الأوكرانية. إن خيبة الأمل النسبية التي أُصيبت بها كييف، وإن كانت تُظهر غير ذلك، منجراء قمة ويلز، سرَّعت، برأينا، من خطوات بوروشينكو المتعلقة بمشروع قانونحول «لا مركزية السلطة»، يمنح بعض مناطق جنوب شرق أوكرانيا صلاحيات أوسع. لكن ردود الفعل الأولية الصادرة عن المُسيطرين على هذه المناطق تعكس أنهمغير راضين عن هذا المشروع. كما أن موسكو لم تقل بعد كلمتها بشأن المشروع،فهذه الكلمة ستكون حاسمة سواء بالنسبة للتسوية السياسية أو العسكرية للأزمةالأوكرانية، وكذلك بالنسبة لتربص واشنطن والناتو بالمصالح الروسية.

السفير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube