https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

في شهر سبتمبرالعام الماضي ، زار الرئيس الأميركي جو بايدن فيتنام في تحرك هدف إلى تعزيز العلاقات بين البلدين، إذ تحاول الولايات المتحدة منذ سنوات اجتذاب النمر الاقتصادي الآسيوي الصاعد بقوة في خضم صراعها البارد مع الصين (1). وتُعَدُّ قصة فيتنام في العقود الثلاثة المنصرمة واحدة من أبرز قصص النجاح الاقتصادي في العالم، إذ استطاعت الدولة الفقيرة سابقا، التي مثَّل الفقراء فيها أكثر من 70% من السكان، أن تصبح أحد أهم مراكز التصنيع في العالم وتنافس جارتها العملاقة الصين في مجالات عديدة.
في شهر يوليو/تموز الماضي، قالت مجلة “فايننشال تايمز” الأميركية إن لحظة بزوغ فيتنام الاقتصادي قد حانت، إذ حقَّق الاقتصاد الفيتنامي معدل النمو الأسرع في قارة آسيا كلها عام 2022 بنسبة بلغت 8% (2). وكانت فيتنام واحدة من دول قليلة للغاية على مستوى العالم استطاعت تحقيق عامين متتاليين من النمو بعد جائحة كورونا وما خلَّفته من آثار مدمرة لأغلب الاقتصادات في العالم. وقد انتشل النمو السريع لفيتنام الذي تقوده الصادرات ملايين السكان من الفقر، حتى تحوَّلت البلاد إلى مجتمع مختلف جذريا عمَّا كان عليه في سبعينيات القرن العشرين (3).
على خُطى الحزب الشيوعي الصيني
كان تحوُّل الحزب الشيوعي في فيتنام على خُطى مشابهة لجاره في الصين، حيث تبنَّى أيديولوجيا أكثر انفتاحا اقتصاديا مع تسعينيات القرن العشرين، وفتح الأبواب للاستثمار الأجنبي مع إعطاء تسهيلات ضريبية واسعة. وبجانب ذلك نجحت فيتنام في تنمية القطاع التعليمي في البلاد، وعزَّزت جهود محو الأمية حتى وصلت نسبة الأمية بين السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 15-24 عاما إلى أقل من 2% عام 2019 (4).
هذا فضلا عن استثمار فيتنام في إعادة تأهيل البنية التحتية للبلاد، ونجاحها في التحوُّل إلى معقل لصناعات الملابس والأحذية على مستوى العالم. وبجانب الخطط الناجحة للحزب الشيوعي الفيتنامي، كانت هناك عوامل أخرى أهَّلت فيتنام للنجاح الاقتصادي الذي تشهده، ولعل أهمها قربها من الصين مع توافر قوة عاملة رخيصة ومتعلمة داخلها، ما أهَّلها لجذب الاستثمارات، لا سيَّما في ظل رغبة بعض الشركات في تنويع وجودها بين الصين ودول أخرى قريبة منها.
هناك عامل آخر في نهضة فيتنام، وهو تحسين علاقاتها بالولايات المتحدة منذ تسعينيات القرن العشرين، وتحديدا مع تطبيع العلاقات بينهما عام 1995. فقد أصبحت الولايات المتحدة منذ عام 2002 أكبر سوق تصدير لفيتنام، ومن المتوقع بنهاية عام 2023 أن تتجاوز التجارة بين البلدين 100 مليار دولار للعام الثالث على التوالي. ولا يمكن بحال فصل نهضة فيتنام الاقتصادية مؤخرا عن اللعبة السياسية الإقليمية والتجارية الجارية بين الصين والولايات المتحدة (5). إن فيتنام دولة متوسطة الدخل، وأهم مزاياها هي سكانها الشباب الذين يُمثِّلون نسبة كبيرة من السكان، وتوجهها السياسي المعلن في أن تصبح دولة موثوقا بها من جميع الأطراف، حيث ترى فيتنام أن هذه السياسة هي الأمثل لضمان الظروف المناسبة للتنمية الاقتصادية.

فيتنام.. كيف ربحت الحرب التجارية؟

كانت فيتنام أكبر المستفيدين اقتصاديا من الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين التي اندلعت العقد الماضي، وأدت إلى تقليل اعتماد الشركات الأجنبية على سوق واحدة، وتعزيز حاجتها إلى تنويع سلاسل التوريد الخاصة بها. ومن ثم زاحمت فيتنام الصين بنسبة أكبر بوصفها واجهة تجارية في العالم، وارتفعت حصة واردات الولايات المتحدة من فيتنام منذئذ. وقد حوَّلت شركات مثل “غوغل” و”دِل” و”مايكروسوفت” و”آبل” أجزاء من سلاسل التوريد الخاصة بها إلى فيتنام، ومن ثمَّ انتعشت فيتنام أكثر من أي وقت مضى، ما ساهم في انتشار مقولة بين المحللين مفادها إن الحرب التجارية بين الصين وأميركا قد انتهت، والفائز بها هو فيتنام (6).
في العقدين الأخيرين، وحتى قبل اشتعال الحرب التجارية، كانت فيتنام تنافس الصين بوضوح في جذب الاستثمارات الأجنبية، إذ انتبهت الشركات متعددة الجنسيات منذ وقت مبكر إلى ضرورة ألا تقتصر استثماراتها على الصين تحسُّبا لأي متغيرات سياسية، ومن ثم قفزت فيتنام من المركز 47 بين الدول المصدرة للتكنولوجيا عام 2001 إلى المركز العاشر بحلول عام 2020. إن التوقعات الخاصة بالاقتصاد الفيتنامي في المستقبل القريب إيجابية للغاية، إذ سيشهد الاقتصاد الرقمي في فيتنام نموا سنويا يصل إلى 8.9% وصولا لعام 2026 (7).

تمتلك فيتنام ميزة نسبية عن جارتها الصين متمثلة في انخفاض الأجور والضرائب، لكن مع ذلك يرى الكثير من المحللين أنه يصعب على فيتنام حاليا أن تكون مصنع العالم أو بديل الصين، رغم كل هذه الأرقام المتفائلة، إذ لا تزال مهارة الأيدي العاملة بها وجودة البنية التحتية فيها أبعد من أن تلبي الاحتياجات الكاملة للشركات التي تعمل في الصين (8). بيد أن التنافس الأميركي-الصيني دفع بعض تلك الشركات إلى التوجُّه نحو فيتنام، وهو ما استفادت منه الأخيرة، وفتح لها باب الشراكة مع الغرب.
فيتنام.. جار صيني وشريك أميركي
وضعت الديناميات السابقة فيتنام في قلب المنافسة المحتدمة بين واشنطن وبكين. وتحاول الولايات المتحدة منذئذ أن تستميل فيتنام إلى صفها مُستغلة قلق الأخيرة من توسُّع الحضور العسكري الصيني، ورغبتها في تعزيز نموها الاقتصادي. ورغم استغلال فيتنام هذه الرغبة الأميركية بكفاءة، وانتقال الكثير من أشهر العلامات التجارية إلى العمل في فيتنام بدلا من الصين، ما زالت صناعة الإلكترونيات في فيتنام قائمة بالأساس على أنشطة التجميع لا التصميم والإنتاج الذي يتم في الدول الغربية وبدأ منذ فترة يتم في الصين أيضا. وفي الوقت الحالي لا تمتلك البلاد رغم كل النهضة التعليمية التي شهدتها الخبرات والمهارات المتخصصة التي تُمكِّنها من القيام بالمهام الإنتاجية الأساسية منفردة، ومن ثمَّ فهي تظل بحاجة إلى الشراكات الاقتصادية القوية مع القوى الكبرى حتى تتحصَّل على تلك الإمكانيات كما فعلت جارتها الصين.
لقد تحدث الرئيس جو بايدن مباشرة مع الأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي “نغويَن فو تشونغ” في مارس/آذار الماضي، مؤكدا أن علاقة بلاده بفيتنام من أهم العلاقات بالنسبة لواشنطن، ومُتمنيا أن تذهب لما هو أبعد، ثم زار “أنطوني بلينكن” في الشهر التالي العاصمة الفيتنامية، قبل أن يحل الرئيس جو بايدن في هانوي مطلع الشهر الحالي (9). وترى الولايات المتحدة في فيتنام شريكا من المُمكِن أن يصبح حليفا حقيقيا، فالقناعة الأميركية هي أن فيتنام تشترك مع الولايات المتحدة في الخوف من سيطرة الصين على المحيطين الهادي والهندي.

غير أن “بيل هايتون”، الباحث في برنامج آسيا والمحيط الهادي في مركز “تشاتام هاوس” بلندن، يرى أن “القيادة الشيوعية الفيتنامية ماهرة في إخبار المسؤولين بالولايات المتحدة بما يودُّون سماعه”، وأنها أكثر تحفُّظا مما يبدو في الانضمام إلى تحالفات الولايات المتحدة. ورغم الترغيب الأميركي لفيتنام الفترة الماضية، فإن فيتنام تنظر إلى الصين بوصفها جارا لا مفر منه، ومن ثمَّ ترى أن استفزازها بأي حال لن تُحمَد عقباه. ولذا هناك لدى فيتنام سياسة ثابتة هي “اللاءات الأربعة”: عدم الانضمام لأي تحالف عسكري، أو الوقوف بجانب دولة ضد الأخرى في التنافس القائم، أو السماح بإنشاء قواعد عسكرية على أراضيها، أو التهديد باستخدام القوة ضد أيٍّ من القوى في المنطقة (10). أضف إلى ذلك أنه في أعقاب الحرب الحدودية القصيرة بين الصين وفيتنام عام 1979، تم تطبيع العلاقات بين البلدين عام 1991، وتعهَّدت فيتنام في الاتفاقية بأن تحد من تحالفاتها الأمنية لطمأنة القادة الصينيين (11).

لعبة التوازن بين واشنطن وبكين

جدير بالذكر أنه بعد زيارة بلينكن مباشرة، توجَّهت “تشونغ ثي ماي”، عضوة الأمانة العامة للحزب الشيوعي الفيتنامي وأحد أبرز السياسيين في البلاد، مع وفد رفيع المستوى لزيارة بكين، وشدَّدت في حديثها مع الرئيس الصيني على أن فيتنام مهتمة بتطوير العلاقات مع الصين. وجدير بالذكر أن الرؤية السياسية للنظام الفيتنامي تنسجم أكثر مع جارها الشمالي من انسجامها مع الولايات المتحدة. وبعيدا عن الانسجام الاشتراكي بينهما، فلدى الصين في الواقع الكثير من الأدوات التي تقلق فيتنام إذا شكَّت في نِيّات جارتها الصغيرة، فبإمكانها مثلا إجراء بحوث زلزالية في الجرف القاري لفيتنام، وإقامة السدود على نهر ميكونغ، فضلا عن إمكانية التحرش العسكري في المياه الإقليمية الفيتنامية، وهي سياسة تتبعها بكين بالفعل مع الدول التي توتَّرت علاقاتها بها في الآونة الأخيرة (12).
بخلاف ذلك، فإن تركيز الولايات المتحدة على “نشر الديمقراطية” يقلق القيادة الشيوعية في فيتنام. على سبيل المثال، قبل أن يذهب بلينكن بساعات لفيتنام نشرت وزارة الخارجية الأميركية على صفحاتها بوسائل التواصل الاجتماعي بيانا أدانت فيه الحكم بالسجن على الناشط السياسي الفيتنامي “نغوين لان ثانغ”، رغم أن الرؤساء الأميركيين من وقت أوباما أكدوا احترام النظام السياسي في فيتنام، وهو نظام حزب واحد يتمتع فيه الجيش بنفوذ كبير.
في النهاية، لا يمكن توقع ما إن كان سيناريو التحالف بين واشنطن وفيتنام سينجح في الأخير نتيجة توجُّس الأخيرة من صعود الصين، أم أن الروابط السياسية بين البلدين الشيوعيَّيْن ستطغى على الهواجس الجيوسياسية. في الوقت الراهن، تبدو هناك رغبة واضحة في تكوين شراكة قوية مع الولايات المتحدة لا ترقى إلى التحالف الكامل، ودون التأثير سلبا على العلاقات مع الصين. فقد أشار تقرير بمجلة “فورين بوليسي” الأميركية نُشِر في مايو/أيار الماضي إلى عدم رغبة فيتنام في اتخاذ خطوات أبعد في التحالف مع الولايات المتحدة، والسبب هو أنه لا توجد استفادة كُبرى يمكن أن تعود على البلاد من تعزيز العلاقات أكثر من ذلك (13). لقد دعمت فيتنام ضمنيا إستراتيجية الولايات المتحدة في المحيطين الهندي والهادي لتعزيز أمنها في مواجهة التوسُّع الصيني مؤخرا، وتلقَّت في المقابل الكثير من الدعم الدبلوماسي والاقتصادي الأميركي، من ثمَّ فإن الوضع حاليا بالنسبة لها هو الوضع الأمثل، فعلاقاتها بواشنطن متينة بما يكفي، وفي الوقت نفسه لم تتعدَّ الخطوط الحمراء مع بكين (14).
عز الدين رمضان- الجزيرة
المصادر
1- Biden says he plans to travel to Vietnam ‘shortly’.

2- Vietnam’s economic moment has arrived.

3- Vietnam Pulls Off Asia’s Fastest Growth as Economy Powers On.

4- فيتنام تنتظر تطورا تكنولوجيا في الخمسة أعوام المقبلة.

5- From Bitter Enemies to Strategic Partners: The Remarkable Transformation of US–Vietnam Relations Since the 1973 Withdrawal.

6- Is Vietnam Set to Replace China?

7- فيتنام تنتظر تطورا تكنولوجيا في الخمسة أعوام المقبلة.

8- Can Vietnam Replace China? No, But it was Never Supposed to Either.

9- As US Woos Vietnam, Hanoi Remains Tied to China, Experts Say.

10- Is a US-Vietnam Strategic Partnership Likely to Happen Soon?

11- Biden Hopes for Vietnam Breakthrough.

12- Vietnamese Party delegation on working visit to China

13- Biden Hopes for Vietnam Breakthrough.

14- As US Woos Vietnam, Hanoi Remains Tied to China, Experts Say.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 − 11 =

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube