https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

غيرت الدبلوماسية الأمريكية “رقصتها الآسيوية” خلال الأيام الأخيرة من والتز إلى الرقص الإيقاعي. حيث أشارالرئيس أوباما خلال زيارته لإستراليا إلى أن تعميق التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وأستراليا يكتسي دورا هاما في حماية السلام في منطقة آسيا والمحيط الهادي، كما أكدت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون لدى زيارتها الفليبين على ضرورة دعم العلاقات التاريخية بين البلدين لمجابهة “التحديات الجديدة” التي يطرحها القرن 21. لاحقا، سيذهب أوباما وكلينتون إلى جزيرة بالي الأندونيسية لحضور قمة دول شرق آسيا، وبذلك ستصبح أمريكا عضوا رسميا في قمة دول شرق آسيا.

عودة أمريكا لآسيا لن تكتفي بتحريك مياه المحيط الهادي فحسب، بل ستثير أمواجه الهادرة، وهذه الأمواج العاتية لن تهدأ بسرعة بل ستهيج أكثر.

كيف ستتعامل الصين مع “عودة أمريكا إلى آسيا”، و ما سيترتب عن ذلك من تبعات، هذه المسائل يجب أن تفكر فيها الصين جيدا في معالجتها لعلاقاتها مع الولايات المتحدة في المستقبل. أمريكا هي دولة براغماتية بإمتياز، و عودتها لآسيا لايعد أمرا غريبا، لأن الهدف من ذلك في النهاية هو البحث عن المصالح. كما أن سعي أمريكا للريادة سياسيا وعسكريا، يعود في النهاية إلى طمعها في الحصول على أكبر قدر ممكن من المصالح، ودعم إقتصادها بأكبر قدر ممكن.

و عندما ننظر إلى العالم اليوم، هل سنجد منطقة أخرى تحظى بمؤشرات نمو أفضل من آسيا؟ وهل هناك منطقة أخرى تتمتع بقوة نمو مثل آسيا؟ من جانب آخر، وفي ظل الركود الذي يعرفه الإقتصاد الأمريكي، يعد ركوب القطار الآسيوي السريع خيارتمليه الضرورة على الولايات المتحدة. حيث أدرك الأمريكيون أنه لايمكنهم مواصلة تجاهل آسيا، وأنه من خلال الإعتماد على النمو الآسياوي فقط، يمكنهم الإزدهار مجددا.

إن “عودة أمريكا إلى أسيا”، في الحقيقة، هي لا تعني مفهوم العودة فحسب، بل هي محاولة لبسط الزعامة الأمريكية على آسيا. وإذا أمكن لها ذلك، فإن أمريكا سيكون بإستطاعتها إعادة تشكيل آسيا كيفما تشاء، وخاصة إعادة تشكيل الصين الذي سيسمح لها بتحقيق أكبر قدر من المصالح في أسيا وخاصة في الصين التي تعرف نموا كبيرا.

هذا الواقع ينبئ بحدوث مفارقيتن إثنين في الوضع الإقتصادي و السياسي بالمنطقة الآسيوية. المفارقة الأولى تتمثل، في طريقة تعامل أمريكا مع النمو الصيني. فمن جهة، ستترك أمريكا الصين تنمو، لكن في ذات الوقت ستسعى إلى أن تنمو الصين حسب “قواعد اللعبة” التي تحددها. ومن جهة ثانية، إذا لم تنمو الصين، فستتوقف القاطرة الآسيوية، وبذلك يصعب على الولايات المتحدة أن تحقق مصالحها التي “عادت إلى آسيا” من أجلها. ورغم أن الولايات المتحدة بإمكانها الإستفادة من نمو الصين الذي لا يتماشى مع شروطها وتصوراتها، إلا أنها تبقى دائما غير مطمئنة. أما بالنسبة للإستراتيجية الأمريكية تجاه الصين فإنها لاتضع صلب إهتمامها نمو الصين من عدمه، بل تركز على طريقة النمو التي تتبعها الصين.

وفي هذه النقطة، بالذات يوجد إختلاف بين بقية الدول الآسيوية و أمريكا، وهو ما يمثل المفارقة الثانية. وفي هذا الصدد يرى رئيس مركز أبحاث الشؤون الدولية بسنغافورة السيد داي شانغ جي في تعليقه على خيار سياسات الدول الآسيوية: أن جيران الصين الآسياويين””يشعرون بجاذبية صينية لايمكن مقاومتها….في المقابل ينظرون بعين الريبة للضمانات الإستراتيجية التي توفرها الولايات المتحدة.” وهذه الدول ستسعى لمسك العصى من الوسط حيال بكين و واشنطن، كي تستفيد من نمو الإقتصاد الصيني، وتستفيد من الموقف الأمريكي في تحقيق توازن إستراتيجي في آسيا.

الإختلاف الأكبر في هذا الخيار مع الإستراتيجية الأمريكية يكمن في أن هذه الدول تسعى إلى تحقيق توازن، وأن تخلق من هذا التوازن أكبر مجال ممكن للتحرك، و تحقق عبره أكبر قدر ممكن من المصالح. بينما تسعى الولايات المتعدة إلى الزعامة في آسيا. كما أن الخلاف القائم بين الصين وأمريكا، يحتم على الدول الآسيوية عدم الإنحياز إلى طرف معين.

هاتان المفارقتان ستكونا الخيط الناظم للنمو الآسيوي في المستقبل. لكن هاتين المفارقتين تجمعان على أن ليس هناك دولة تأمل في أن ينشب صراع بين الولايات المتحدة و الصين. أمريكا نفسها لاتريد ذلك، والدول الآسيوية أكثر حرصا على أن لايحدث ذلك، وإلا فلن نتحدث حينها عن تحقيق المصالح من عدمه، بل سنتحدث عن إنهيار جماعي كبير. في ذات الوقت، كل الدول تتمنى أن تحافظ الصين على وتيرة النمو، وإلا فلن يحصل أي طرف على فائدة تذكر. وبوجود هذين العاملين فقط، يمكن أن يحدونا قدر كبير من الثقة في النمو السلمي لآسيا في المستقبل.

التنافس على التنمية يحتوي أيضا على لعبة المصالح، لكن نتيجة اللعبة من الممكن كثيرا أن تكون في صالح الدولة الكبرى التي تتمتع بحيوية أكبر في النمو، والطرف الذي يمكنه أن يوفر فرص للنمو لأكبر قدر ممكن من الدول، هو الذي سيرسخ قدميه في المنطقة. ولاشك أن أمريكا ستحاول إثارة بعض الأمواج، لكن إذا فكرنا جيدا في هذه النقطة، فإنه سيكون بإمكاننا التفرج على “الرقص الآسياوي” للولايات المتحدة، بأعصاب باردة.

صحيفة الشعب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube