https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png
أثارت التفجيرات الأخيرة في الجمهورية– شبه الهادئة- طاجيكستان العديد من التساؤلات حول الأيدي التي تقف وراء هذه التفجيرات، وهل من الممكن أن تصبح طاجيكستان دولة متوترة وغير مستقرة مثل قرغيزيا، أو هل من عودة للحرب الأهلية مرة أخرى؟
والحقيقة كل هذه التساؤلات فرضت نفسها، خاصة أنها تزامنت مع عدة تصريحات للرئيس الطاجيكي، إمام علي رحمان، اعتبر بعضها صادمًا للمواطن الطاجيكي نفسه، ولجان حقوق الإنسان المهتم بهذا الشأن.
ومن هذه التصريحات، طلب الرئيس من المواطنين الطاجيك ضرورة سحب أبنائهم الطلاب من المدارس الدينية في الخارج، وضرورة عودتهم للوطن، واصفًا هذه المدارس بأنها تخرج دفعة من “الإرهابيين والمتشددين“.
وقال ما نصه: “أولادكم سيصبحون متطرفين وإرهابيين، وسيتحولون إلى أعداء وخونة للأمة الطاجيكية“.
كما صرح الرئيس بضرورة تخلي النساء الطاجيك عن الزي الإسلامي، معتبرًا ذلك يعود إلى عادات بلاد أخرى، وعلق على ظاهرة انتشار الحجاب قائلاً: في شوارع العاصمة وطرقها الرئيسة أرى المزيد من الفتيات والنساء يرتدين الزي الديني مقلدات بذلك أسلوب ملابس دول أخرى“.
وأضاف: كونوا شاكرين لهذا البلد، وممتنين على الحضارة والثقافة اللتين تخصان هذا البلد العتيق، وإذا أحب أي منكم طريقة اللبس في بعض الدول الأخرى، فسأبعث بكم إلى هناك“.
والحقيقة هذا الكلام كان صادمًا للمواطن الطاجيكي الذي يعتز بدينه وعقيدته، وأدى أيضًا إلى غضب بعض لجان حقوق الإنسان، والتي اعتبرت الحكومة الطاجيكية منتهكة لحقوق المواطن، وأنها لا تشجع على الحرية أو الديمقراطية.
ودائمًا ما تقوم السلطات الطاجيكية بشن حملات أمنية ضد أي من ملامح الإسلام التي تعتبره متشددًا أو المعارضة السياسية، وكثيرًا ما اعتقلت السلطات وحبست أعضاء في حركات إسلامية لا تعترف بها الحكومة.
ورغم انتهاء الحرب الأهلية الطاحنة التي عاشتها البلاد منذ خمس سنوات، إلا أن الحرب بين السلطات وأي حركة أخرى أو حزب معارض ما زالت مستمرة، وتضرب الحكومة بيد من حديد على أي وجه للمعارضة، حتى لو كان جمعية خيرية صغيرة جدًّا، وهذا أوجد حالة من الاحتقان زاد من توهجها حالة الفقر المدقع الذي يعيش فيه نسبة كبيرة من السكان، ما يجعل الشباب يلجأ إلى الحركات المتشددة، أو تكوين حركات متمردة جديدة غير منظمة.



وفي هذا العام وحده، سجنت طاجيكستان أكثر من مئة شخص بتهم الانتماء إلى جماعات محظورة، وكثيرًا ما تصفهم الحكومة بأنهم متطرفون يسعون للإطاحة بالحكومة، وسعت السلطات أيضًا لإغلاق المدارس الدينية غير المسجلة.
ومنذ أيام قلائل تعرضت الجمهورية السوفيتية السابقة لتفجيرين أحدهما في مدينة خوجاند ثاني أكبر المدن، والآخر في العاصمة دوشنبة، واستهدف التفجير الأول مركزًا للشرطة، وأسفر عن مقتل ضابطين، وإصابة 25 شرطيًا آخرين، بعدما اقتحمت سيارة مفخخة الجناح الأيمن للشرطة الجنائية في خوجند شمال البلاد.
في حين استهدف الانفجار الثاني ملهى ليلي في العاصمة دوشنبه، أسفر عن إصابة 7 أشخاص.
وهذه التفجيرات تعد الأولى منذ انتهاء الحرب الأهلية في البلاد، وحتى كتابة هذه السطور لم تعلن السلطان الطاجيكية نتيجة تحقيقاتها، ولم تقف على الدافع الحقيقي لهذه التفجيرات، إلا أنها اتهمت- قبل إجراء أي تحقيق- حركة أوزبكستان الإسلامية بأنها وراء الحادث.
والحقيقة يصعب الوقوف على الدوافع الحقيقية لمثل هذه التفجيرات، خاصة أنها جاءت مفاجئة؛ حيث إنها وقعت في بلد ظلت هادئة وبعيدة عن أي حراك تمردي أو حتى اندلاع مظاهرات للتنديد بأي قرار يتخذ.
وأظن أيضًا أن السلطات الطاجيكية نفسها تفاجأت بهذا الأمر لعدة أسباب، منها: أنها اعتادت اتخاذ القرارات ولا يناقشها أحد، وإحكامها على زمام الأمور بشدة، كذلك اطمئنانها للحزب الإسلامي الوحيد المعارض على أرضها، حزب التحرير؛ إذ إنها تتأكد أنه بعيد كل البعد عن التسبب في ثورات، أو التحريض عليها.



ويظل السؤال من وراء هذه التفجيرات؟ وما نتيجة هذا الأسلوب الاعتراضي خاصة بعد تجربة قرغيزيا القريبة منها؟
ونورد هنا عدة توقعات ربما تساعد في كشف اللغز في هذه التفجيرات، منتظرين أيضًا بجانب هذه التوقعات نتائج تحقيقات السلطات الطاجيكية في التفجيرين، ومن هذه التوقعات:
1-
ربما يكون وراء هذه التفجيرات مجموعة من الشباب المتمرد، “وهو جيل جديد ربما تصنعه ظروف البلد المعيشية الصعبة من بطالة وفقر وهجرة”، ويكون هذا الشباب مستقلاً ليس له علاقة بأي حركة تمردية منظمة، خاصة أن بعض هذه التفجيرات تم بطريقة بسيطة جدًا وبدائية نوعًا ما، وهو ما حدث في تفجير الملهى الليلي في العاصمة دوشنبه، وهو عبارة عن قنبلة صغيرة وضعت تحت طاولة الرقص في الملهى الذي يشكل الشباب معظم رواده، والدليل أن هذا التفجير لم يسفر عن خسائر كبيرة.
2-
حركة أوزبكستان الإسلامية:
وهي عبارة عن تحالف إسلامي مسلح من دول آسيا الوسطى المعارض للنظام العلماني في أوزبكستان، ويهدف إلى إنشاء دولة إسلامية، وتركز الحركة في أسلوبها الخطابي على شعارات العداء للغرب وإسرائيل.
وتتهم حكومات دول آسيا الوسطى حركة طالبان وأسامة بن لادن بتدريب وتمويل أفراد الحركة الإسلامية المكونة من خليط من العرب والباكستانيين والشيشانيين والروسيين والأوكرانيين والقرغيزستانيين والأوزبك والطاجيك.
ويعتقد أن الحركة مسؤولة عن بعض حوادث السيارات المفخخة في طشقند في فبراير/ شباط 1999، وكذلك احتجاز بعض الرهائن الأميركيين واليابانيين وجنود من قرغيزستان ما بين العامين 1999 و2000.
تقدر قوة الحركة بعدة آلاف، وتتركز الحركة في أفغانستان وطاجيكستان، إلا أن عملياتها تتعدى هذين البلدين لتشمل أيضًا أوزبكستان وقرغيزستان.



وربما تكون هي أيضًا وراء التفجيرات التي وقعت في طاجيكستان، خاصة أن الأول وقع في مركز للشرطة التي تعتبرها الحركة من أعدائها لما تقوم به من اعتقال وحبس عناصرها، وربما تكون رسالة للسلطة الحالية مفادها: “نحن موجودون، واستبعد ما حدث في الملهى الليلي أن تكون الحركة وراءه؛ لأنه حادث بسيط من ناحية، ويصعب توغل عناصر الحركة لمثل هذه الأماكن من ناحية أخرى.
3-
أجهزة أمنية مقالة:
وهم قادة الأجهزة التي قام الرئيس بإقالتها من عملها بعد فشلها في العثور على السجناء الفارين المتهمين بمحاولة الانقلاب على الحكومة، واعتبر الرئيس هذا الأمر تهاونًا في أداء الواجب جزاؤه الفصل.
ما سبق قد يولد حالة انتقام داخلي لدى هؤلاء القادة، خاصة أنهم كانوا يخدمون السلطة الحالية بكل إخلاص وتفانٍ، ما قد يجعلهم يحاولون– خفية طبعًا- أن يحدثوا بعض القلاقل لتؤكد أنهم ليسوا السبب فيما حدث، وأن ذلك ربما يتكرر وهم غير موجودين، أو أنهم يسعون بذلك إلى الإضرار بمن خلفهم في منصبهم.
والحقيقة، يعد هذا التوقع أبعد التوقعات عن الحدوث؛ حيث إن هؤلاء القادة لا يملكون هذه الجرأة خاصة في حكم قوي وسلطوي مثل الحكم الحالي وهم يعرفون أن أجهزة الدولة تستطيع كشف هذه المخططات.
4-
عناصر خارجية:
والمتابع لمنطقة آسيا الوسطى يجد أن الأيدي الخارجية لا تكف عن العبث بهذه البلاد واستقرارها، حيث إن الثورات والانقلابات ورقة رابحة جدًا في أيدي العناصر الخارجية التي تحاول كسب هذه البلاد، ونهب ثرواتها.
ومؤخرًا حدث تصادم مصالح بين موسكو وواشنطن في طاجيكستان، فالأولى قد اتفقت مع دوشنبه على نقل طائرات حربية روسية من قاعدة “قانت” القرغيزية إلى مطارعيني” في طاجيكستان، وهو الاتفاق الذي تم بين رئيسي الدولتين، وهو ما أثار حفيظة واشنطن التي تريد أيضًا استخدام هذا المطار في نقل الإمدادات إلى قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، ما جعلها تسارع بإرسال مساعد وزيرة خارجيتها، روبرت بلايك، إلى طاجيكستان في زيارة استغرقت يومين التقى خلالها رئيس البلاد.



وهذا يؤكد أن من مصلحة الطرفين، أن تحدث بعض القلاقل في الجمهورية ليتذرعوا بها في تحقيق مخططاتهم العسكرية هناك، خاصة أن طاجيكستان تمتد على حدود أفغانستان.
وختامًا: ما حدث مؤخرًا يؤكد وجود أزمة أمنية في البلاد عليها تداركها أينما يكون من يقف وراء هذه التفجيرات؟ كذلك على السلطة الحالية أن تكف عن انتقاد بعض الأمور التي تمس عقيدة المواطن وحريته، كذلك عليها فتح قنوات للحوار مع شبابها، والاستماع إليهم وإلى مشاكلهم، ومحاولة تنمية روح الوطنية عندهم؛ لإغلاق الباب أمام أي حركات إرهابية من استقطاب هؤلاء الشباب.
وأخيرًا ربما تأتي تحقيقات الحكومة في التفجيرات الأخيرة بنتائج تنسف كل هذه التوقعات التي توقعناها، لكن ليس المهم معرفة الجاني فقط، بل الأهم معرفة دوافعه وأهدافه، ومحاولة الوقوف على حلول لعدم تكرار ذلك، وإلا سنرى قرغيزيا أخرى في المنطقة. اخبار العالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube