https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

تظل الانتخابات البرلمانية الهندية، التي جرى الإعلان عن نتائجها، منتصفمايو (أيار) الماضي، من بين الأشياء المهمة القليلة التي تستوقفك فيمايجري في العالم من حولنا، وفي أمور محددة! تستوقفك لأسباب لا حصر لها، ويبدو كل سبب منها أقوى من الآخر، ثم يبقى واحدمنها فقط في النهاية، هو الأقوى بلا منافس، وهو الأشد إثارة للانتباه، وهوالذي يستوقفك دون غيره! تستوقفك، مثلا، لأن حزب المؤتمر العريق هناك، الذي يرتبط في أذهان الهنودوغير الهنود، باستقلال البلاد، قد خسر ثقة الناخب، وكانت خسارته فادحة، بعدعشرة أعوام متصلة قضاها في الحكم. وتستوقفك، لأن الناخب الهندي لم يهمه في كثير، ولا في قليل، أن يكون «المؤتمر» هو حزب أنديرا غاندي، ثم ابنها راجيف غاندي من بعدها، ومن بعدهمازوجته سونيا غاندي، ومعها ابنها راهول غاندي.. فكل هذه الأسماء، على رأسالحزب، منذ نشأته، لم تنجح في إقناع الناخبين بأن يعطوا أصواتهم للحزب،فكانت النتيجة أنهم انصرفوا عنه انصرافا لا بد أنه سوف يكون موضع دراسةجادة من جانب المهتمين بالشأن في نيودلهي. وتستوقفك، لأن الحزب الذي فاز هو الحزب القومي الهندوسي «بهاراتيا جاناتا» الذي حصل على 279 مقعدا، من أصل 543 مقعدا، هي إجمالي مقاعد البرلمان، بمايعني أنه قادر وحده، ودون تحالف مع أي حزب آخر، على أن يشكل حكومته.. ولذلك، قيل بعد فوزه، شيئان مهمان للغاية؛ أولهما أن هذه هي المرة الأوليالتي يحقق فيها حزب هندي أغلبية مطلقة في انتخاباتهم، منذ 1984. وثانيهماأن هذه ميزة كبرى للحزب، لأنه حين يشكل الحكومة منفردا، لن يكون في حاجةإلى حلفاء له فيها، يشاكسونه، ويشاكسهم. وتستوقفك، لأنها كانت انتخابات عجيبة، من حيث المدة التي استغرقتها، فقدجرت في ستة أسابيع، وعلى تسع مراحل، وربما يعود ذلك إلى حجم سكان البلد،الذي بلغ مليارا و200 مليون من البشر، وهي على كل حال، لا يمكن كانتخابات،أن يكون لها مثيل في العالم، لا من حيث مدتها التي استغرقتها، ولا من حيثمراحلها التسع. وتستوقفك، لأن سونيا وابنها، قد خرجا ليعترفا معا، وبشجاعة مثيرة للإعجاب،بالمسؤولية عن الهزيمة، وبأن أداءهما في أثناء الانتخابات كان دون المستوى،كما أن أداء حزبهما، على مدى عشر سنوات، لم يكن عند المستوى الذي يتطلعإليه طموح كل هندي. ذلك أن ما حدث عندهم، إذا جرى عندنا، فإن الحزب الخاسر إما أن يلجأ إلى عدمالتسليم بالنتيجة، وعدم الاعتراف بها، كلية، وإما أن يظل يشكك فيها، وفيسلامة العملية الانتخابية، مهما كانت نزاهتها، وشفافية الإجراءات فيها.. فلم يكن هناك شيء أسهل على حزب المؤتمر، من أن يطعن في مدى قدرة الحزبالهندوسي على أن يحكم بلدا بحجم الهند، لأسباب تتصل بتاريخه القريب كحزب،ولكن «المؤتمر» لم يفعل. ولم يكن هناك أيضا شيء أسهل على «المؤتمر» من أن يعيد تذكير العالم، بأنولاية جوجارات، التي حكمها ناريندا مودي، رئيس الحزب الفائز، كانت قد شهدتأحداث عنف كبرى، ضد المسلمين عام 2002. وأن ناريندا وقتها، لم يحرك ساكنا،إزاء عنف ضد أبرياء هز العالم في وقته! كان في إمكان «المؤتمر» أن يسلك هذا الطريق، دفاعا عن صورته أمام ناخبيه،وأمام الهنود عموما، ولكنه لم يفعل، لأنه أدرك أن الهنود في عمومهم، يعرفونهذا تماما، كما يعرفه هو كحزب، وبالتالي فإن الكلام في هذا الاتجاه، منجانبه، كان سيظل من نوع تحصيل الحاصل. ويستوقفك فيها، أن المتحدث باسم المؤتمر، قد قال إن ناريندا قد وعدالناخبين بالقمر والنجوم، وإنهم قد صدقوه، بما يعني أن الحزب الخاسر، يرىأن الحزب الفائز، قد خدع الهنود كما لم يخدعهم حزب من قبل، وأن خدعته قدانطلت عليهم، وأن عليهم أن يتحملوا مسؤولية اختيارهم، ما داموا قد صدقوه. ولا أحد يعرف ما إذا كان المقصود بحكاية القمر والنجوم، هو كلام ناريندا عنأنه سيجعل من القرن الحادي والعشرين، قرن الهند، خلال عشر سنوات، أم لا؟! لا يعرف أحد.. غير أن كل ما يمكن أن يستوقفك في الانتخابات، من نوع ما أشرتإليه، منذ أول هذه السطور، كوم، بينما السبب الذي يبدو أن الهنود قداختاروا ناريندا من أجله، كوم آخر تماما. فأنت من خلال استعراض تفاصيل العملية على بعضها، سوف يتبين لك أن الناخبالهندي لم يقرر اختيار «ناريندا» لأنه هندوسي، ولا لأنه – مثلا.. مثلا – غير متزوج، وبالتالي فسوف تكون الهند كلها، هي كل حياته، ولا لأنه قضى جزءامن شبابه متأملا في جبال الهملايا، وأنه بالتالي أيضا يتمتع بذهن على درجةعالية من الصفاء، ولا لأنه لا يعتز في حياته بشيء، قدر اعتزازه بمجموعة منالعصافير يربيها في بيته، وبالتالي للمرة الثالثة، فهو أرأف الناسبالحيوانات والطيور.. فما الحال مع مقام الإنسان في قلبه؟! لا.. لم ينتخبه لهذا كله، وإنما انتخبه لأنه، فيما أتصور، قد حكم ولايةجوجارات لـ13 عاما، وحقق فيها نموا بلغ في معدله عشرة في المائة، وهو منأعلى معدلات النمو في العالم كله، كما أن أي دولة تبلغه، فإنها تظل تعتبرنفسها في درجة راقية، إذا ما قورنت بأي دولة على وجه الأرض.

الشرق الاوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube