https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

رغم أن ألمانيا تعتبر نفسها من أكبر الدول الداعمة لأوكرانيا اقتصاديا وعسكريا في حربها مع روسيا، فإن العلاقة بين كييف وبرلين يخيم عليها التوتر والانتقادات المتبادلة. ولم تعد الانتقادات توجه خفية بين الطرفين، بل تحولت إلى تراشق علني ورفض قاطع بسبب سحب كييف دعوة للرئيس الألماني فرانك فالتز شتاينماير لزيارة أوكرانيا منتصف الشهر الماضي، والذي تعتبره كييف مسؤولا عن سياسة التقارب الألمانية الروسية لمستشار الألماني أولاف شولتس بزيارة كييف لتقديم دعمه الشخصي للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، كما فعل قبله مسؤولون أوروبيون وأميركيون كثر. والتي عمل عليها عندما كان وزيرا للخارجية في حكومة المستشار السابق غيرهارد شرودر. ومع أن أسبوعين قد مرا على تلك القصة، فإن الصدمة لدى ألمانيا لم تتلاش. وقد وصف شولتس الحادث في مقابلة أدلى بها ليل أول من أمس للقناة الألمانية الأولى بالقول إنه «كان حدثا لافتا»، وبأن الآن يقف عائقا أمام زيارته إلى العاصمة الأوكرانية. وذكر بأن كييف سحبت الدعوة من شتاينماير بعد أن كان قد انتخب لولاية رئاسية جديدة بأغلبية ساحقة، مضيفا: «لا يمكن التصرف بهذا الشكل». وأشار شولتس إلى أن برلين قدمت الكثير من المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي ساعدت الجيش الأوكراني على الصمود لهذه الفترة في وجه خصم أقوى، ليعود ويضيف بتعجب: «ولكن رئيس ألمانيا غير مرحب به». ولكن السفير الأوكراني في برلين أندري ملنيك سارع للرد على شولتس والقول بأنه «لعب دور الضحية لا يناسب مسؤولا» في موقع شولتس، مضيفا بأن ما يحصل في أوكرانيا «هو أسوأ حرب إلغاء منذ الهجوم النازي». وتابع ميلنك يقول بأن الرئيس الأوكراني ما زال مستعدا للترحيب بشولتس في كييف، ولكن «ما هو أهم من أي زيارة رمزية لأعضاء الحكومة الألمانية، هو تطبيق القرار الذي اتخذ في البرلمان لتقديم أسلحة متطورة والإيفاء بالوعود السابقة». ومرر البرلمان الألماني (البوندستاغ) قراراً بأغلبية كبيرة الأسبوع الماضي يقضي بالموافقة على إرسال ألمانيا أسلحة ثقيلة ألمانية الصنع إلى أوكرانيا، في خطوة استغرقت أسابيع من المشاورات بين الأحزاب لإقناع الحزب الاشتراكي الحاكم الذي كان مترددا، بتزويد كييف بأسلحة ثقيلة.

وبدأت التوترات بين كييف وبرلين عندما أراد شتاينماير الذي ينتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي مثل شولتس، أن يسافر إلى كييف إلى جانب رؤساء بولندا ودول البلطيق الثلاثة في منتصف أبريل الماضي، ولكنه اضطر لإلغاء رحلته في اللحظات الأخيرة بعد تلقيه رسالة من السفارة الأوكرانية في برلين. وفهم الجانب الألماني بأن شتاينماير «غير مرحب به» في كييف، خاصةً بعد تصريحات لمسؤولين أوكرانيين يؤكدون استعدادهم للترحيب بالمستشار شولتس. وتسببت الخطوة بصدمة آنذاك لدى الجانب الألماني، إذ وصفها وزير الاقتصاد روبرت هابيك الذي ينتمي لحزب الخضر بأنها كانت «خطأ دبلوماسيا» من الطرف الأوكراني، «لأن الرئيس الألماني هو ألمانيا»، بحسب هابيك. ورغم أن رئيس الجمهورية في ألمانيا لا يتمتع بأي سلطة، فهو منصب شرفي والرئيس يعد ممثلا للدولة الألمانية. ولاحقا برر السفير الأوكراني في برلين رفض كييف استقبال شتاينماير، بالقول إنه «لا علاقة لذلك بمواقف الرئيس الألماني السابقة من روسيا ومدى إبعاد نفسه عنها حاليا»، بل إن أوكرانيا «تعتبر أن زيارة المستشار أهم في الوقت الحالي لأنه هو وأعضاء الحكومة يمكنهم أن يتخذوا القرارات اللازمة المتعلقة بالتسليح والعقوبات على روسيا».

وحاولت أوكرانيا منذ ذلك الحين تهدئة الوضع، وأكد وزير خارجيتها بأن كييف «تحترم ألمانيا كدولة وشريك ومن الواضح بأن رئيس الدولة هو رمز لها ونحن نحترمه». ورغم أن الحكومة الألمانية أكدت أيضاً أنها تسعى لتخفيف التوتر حول هذه المسألة وأنها على تواصل دائم مع الحكومة الأوكرانية، إلا أن تلك «الإهانة» لم تتخطاها برلين بعد. وحتى أن وزيرة الخارجية أنالينا بيربوك أعلنت نيتها السفر إلى كييف منذ فبراير الماضي، ولكنها قالت إنها تريثت للسماح للرئيس بالزيارة أولا. وبعد أن فشلت تلك الزيارة، عادت زيارتها كذلك للتأجيل إلى موعد غير محدد.

وما زاد الوضع تعقيدا بالنسبة للمستشار الألماني، إعلان فريدريش ميرز زعيم حزب المعارضة الرئيس «الحزب المسيحي الديمقراطي» الذي كان ترأسه المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، زيارته لكييف ولقائه بمسؤولين هناك، ولم يكن زولينيسكي واحدا منهم. ورغم أن مجموعة من البرلمان تضم نوابا عن الأحزاب الثلاثة الحاكمة زارت كييف الأسبوع الماضي، فإن أعضاء الحكومة لم يقوموا بعد بأي زيارة إلى العاصمة الأوكرانية رغم زيادة الضغوط الداخلية عليهم. وفي الأسابيع الماضية، زار كييف رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ووزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل، إضافة إلى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن من بين آخرين، والتقوا جميعا بالرئيس الأوكراني هناك. والواقع أن كييف مستمرة بانتقاد برلين منذ بداية الأزمة، في البداية لترددها بتزويدها بالأسلحة الضرورية وكذلك لرفضها الموافقة على قرار أوروبي لحظر موارد الطاقة الروسية. وفي الأيام الماضية، تراجعت برلين عن قرار رفضها تقديم أسلحة ثقيلة لكييف، وكذلك عن قرارها رفض تأييد حظر كامل للطاقة. ولكنها وافقت على دعم حظر للنفط الروسي وليس الغاز الذي ما زال اعتمادها عليه كبيرا وسيستغرق التخلي عنه عامين على الأقل.

وقلصت ألمانيا اعتمادها على النفط الروسي بالثلثين تقريبا منذ بداية الحرب، وانخفضت نسبة الصادرات من النفط الروسي من ٣٥ في المائة قبل الحرب إلى ١٢ في المائة اليوم. واستعاضت برلين عن النفط الروسي بزيادة واردها من النفط النرويجي، وتستورد ألمانيا كذلك حاجاتها للنفط من كازاخستان والولايات المتحدة. ولكن مسألة الغاز أكثر تعقيدا وهي بسبب اعتمادها الأكبر عليه، ورغم أنها قلصت اعتمادها على الغاز الروسي منذ الحرب الأوكرانية بالثلث فهي ما زالت تستورد ٣٥ في المائة من حاجتها من الغاز من روسيا مقارنة بـ٥٥ في المائة قبل الحرب. وتعقد الحكومة الألمانية على مدى يومين خلوة في قصر ميزابيرغ في ضواحي برلين، لمناقشة الآثار الاقتصادية للحرب الأوكرانية والخطوات التي ما زال بإمكانها اتخاذها لزيادة الضغوط على روسيا. وقد دعت للمشاركة في تلك الخلوة اقتصاديين بارزين، إضافة إلى رئيستي وزراء فنلندا والسويد اللتين ناقشتا في اليوم الأول من الخلوة مساعيهما للانضمام لحلف شمالي الأطلسي وزيادة إنفاقهما العسكري ليصل إلى ٢ في المائة من الناتج الإجمالي، وهي النسبة التي يوصي بها الناتو للدول الأعضاء>.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube