https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

المؤلف: محمد خير الوادي – كاتب وصحفي ، عضو اكاديمية العلوم الروسية ، رئيس مركز دراسات الصين وآسيا ، سفير سابق

نُشرت المقالة في مجلة الفكر السياسي الصادرة عن اتحاد الكتاب بدمشق العدد 77 شهر ايار 2021

تبدو العلاقة الملتبسة والمعقدة القائمة الآن بين روسيا وامريكا، والتلاسن الحاد الذي جرى بين الرئيسين بايدن وبوتين  ،عصية على الفهم، كما الوضع كله في روسيا . وهذا “الاستعصاء” المعرفي  في سبر الجوهر الروسي وكل ماله علاقة به ، ليس وليد اليوم ، فمنذ عدة قرون كتب توتشيف شاعر روسيا الاكبر :  “روسيا لا تُفهم بالعقل فقط” .

على كل حال ، سأحاول الغوص في محيط العلاقات الروسية الغربية المظلم والعميق بآن وحد ، لسبر ما تيسر من اسباب النفور والكراهية التي تلف اليوم العلاقات الروسية الغربية ، مسترشدا بمقولة توتشيف الآنفة الذكر .

يُرجع بعض المختصين الروس الذين التقيت بهم، الصراع بين روسيا والغرب ، الى النفور الايدولوجي  والفكري المتبادل بين الطرفين ، والناتج عن اصطدام المصالح بينهما.

 هذه المقولة قد تصلح لتفسير الحرب الباردة التي استعرت بين الغرب وروسيا في الحقبة السوفياتية . حيث تحكمت بالجانبين ايديولوجيات متضادة ، تسعى كل منها الى الهيمنة على العالم . لكن المقولة الآنفة الذكر تعجز عن تفسير استمرار الصراع بين روسيا والغرب الآن.  لا سيما ان الوضع في روسيا اليوم بات مختلفا تماما عما كان في ظل الاتحاد السوفياتي . فلم تعد الشيوعية عقيدة رسمية للدولة الروسية ، ثم ان موسكو تخلت عن مقولة مناطحة الغرب الرأسمالي  للهيمنة على العالم .اضافة لذلك ، فان النظام الاجتماعي السائد في روسيا اليوم ، هو نفسه النظام الرأسمالي القائم في الغرب،ولو انه اكثر حدة . ومنطقيا ، يجب ان يزيل هذا التماثل الأيديولوجي اسباب النفور بين روسيا والغرب . لكن الواقع ليس كذلك . فانهيار الشيوعية لم يخفف من عداء اصحاب القر ار الروس تجاه للغرب .

وهناك تفسير آخر يقدمه القوميون الروس لهذا العداء  ، يقوم على استمرار “الحلم الاستعماري  الغربي القديم ” الذي راود نابليون وهتلر بابتلاع روسيا . وهذا الحلم لا يزال يداعب مخيلة قادة وازنين في واشنطن واوروبا حتى الآن .فالغرب يعرف ان لا مستقبل له دون الفوز بالكعكة الروسية الدسمة . فأوروبا باتت هرمة ، وامريكا استُزفت الى حد انها فقدت صفة “العالم الجديد”. ثم ان ثروات الغرب قاربت على النفاذ ، وباتت شرايينه الاقتصادية بحاجة الى دم غزير ينبع من روسيا ذات الثروات الاسطورية .فارض روسيا التي تشغل نحو ثُمن مساحة العالم تقريبا ، تحتوي على واحد من اكبر احتياطيات العالم من النفط والغاز والألومينيوم والفحم والحديد والذهب والالماس والغابات . وفيها اكبر كميات من الماء العذب على سطح المعمورة ، واراض زراعية تطعم العالم كله – اذا ما استثمرت، وهي خزان ضخم لا ينضب من الكوادر المؤهلة التي اجتذبها الغرب لتطوير نفسه. ان روسيا – في الواقع – هي خزنة العالم ،لذلك باتت هدف اللصوص الغربيين – القدامى منهم والجدد – حسب القوميين الروس . وا كبر دليل على ذلك ،هو السلوك الذي مارسته الدول الغربية ازاء روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي . فقد حاول الغرب استثمار الفوضى التي سادت في عهد يلتسين للاستيلاء على ثروات روسيا الاسطورية وإدخالها تحت عباءة ” العالم الحر ” ، وصياغة نظامها السياسي والاجتماعي بحيث يكون اصحاب القرار الروس مطواعين  للوصفات القادمة من وراء المحيط. كما خرقت امريكا بنود معاهدة الحد من الاسلحة الاستراتيجية عندما نصبت انظمة الدرع الصاروخي في اوروبا . وتنكر حلف الاطلسي لتعهداته بعدم الاقتراب من حدود روسيا وعدم ضم اي من الجمهوريات السوفياتية السابقة الى عضويته، واوجد قواعد عسكرية له في دول البلطيق – اي على الحدود الروسية ، وهو ما اعتبرته موسكو تهديدا خطيرا لأمنها الوطني . والشيء اللافت ،ان الغرب قد اجج من جديد سعير الحرب الباردة بإصراره على الاستمرار باعتبار روسيا خصما وليس شريكا ،ورفض الغاء التأشيرات بين روسيا والاتحاد الاوربي ، ومنع تصدير الاجهزة الفائقة الدقة الى روسيا .ويضيف القوميون الروس : لقد اختبرنا ” فضائل” التقارب  مع الغرب اثناء   سياسة الانفتاح التي مارستها القيادات الروسية عقب انهيار الاتحاد السوفياتي ، وكانت النتيجة سيطرة مجموعة من اللصوص على الاقتصاد ونهبه ، وتدمير فرص الانتاج المحلي،  وتهريب اموالنا الى البنوك الغربية .

لقد حقق الغرب انجازات كبيرة في هذا المجال ،ومع ذلك ، فان  امريكا اخفقت في الترويض النهائي للدب الروسي ذي الحجم الهائل ،ونزع مخالبه النووية.

ورغم وجاهة هذا التفسير لا سيما بعد فترة انهيار الاتحاد السوفياتي ، فانه لا يقدم  الجواب الشافي لاستمرا الكراهية بين الغرب وموسكو . فروسيا خلال العقدين الماضيين تغيرت كثيرا وباتت عصية – بسبب تنامي  قوتها العسكرية- على اية اطماع خارجية ، لا بل ان العكس هو الصحيح ، فاوربا التي كانت مدفوعة سابقا بنزوات توسعية تجاه روسيا ، باتت هي اليوم خائفة من تنامي  قوة الدب الروسي ، لا بل ان اوساطا سياسية كثيرة تتحدث  عن  الخطر الروسي .  والرئيس بايدن يستغل هذه المخاوف الامريكية من اجل جر اوربا  بعيدا عن التقارب مع روسيا ، ويقدم عروضا مغرية للاوريين مفادها ، ان امريكا ستؤمن لهم مظلة الحماية من التهديدات  الروسية المزعومة . ثم ان الرئيس بوتين ، قد “صفى فعليا ” المواقع الغربية في الاعلام ، واستبدل الطغمة الغربية في الاقتصاد برجال اعمال موالين له ، وقلص كثيرا من نفوذ الدول الغربية في روسيا . وباتت هذه الذريعة عاجزة عن تفسير العداء الذي يلف علاقات روسيا مع الغرب .

فأين  اذا ، تكمن جذور استمرار الكراهية العميقة، التي لا تزال  تجتاح الكرملين  الان ازاء الغرب عامة وامريكا على وجه الخصوص  ؟

للاجابة على هذا السؤال ، لا بد من الغوص سريعا في طبيعة النظام السياسي القائم في روسيا .

لقد سعى الرئيس بوتين منذ ان اصبح رئيسا عام 2000 ، – كما اشرنا –الى  وقف الزحف الغربي داخل روسيا ، ومارس سياسة مستقلة عن الدول الغربية في الشؤون الدولية ،وبدأ في رد الاعتبار لروسيا كدولة عظمى.وحاول استعادة بعض اطراف الاتحاد السوفياتي، ولذلك تدخل بقوة في اوسيتيا الجنوبية عام 2008 ، وساند القوى المحلية هناك ، وعزز وجود القوات الروسية في مولدوفيا ، وكثف الحضور الروسي العسكري في بعض دول آسيا الوسط ، وضم شبه جزيرة القروم عام 2014 ، وساند الحركات المسلحة المحلية في الاجزاء الشرقية من اوكرانيا  ، واستثمر انفجار الازمة السورية عام 2011 من اجل تعزيز حضور روسيا في الشرق الاوسط  حيث ارسل القوات الروسية  للتصدي للمخططات الارهابية.كما انتشرت المنظمات العسكرية الروسية غير الرسمية في ليبيا وبعض دول افريقيا .

بكلمات اوضح ، فقد سعى الرئيس بوتين  – بعد ان عزز القوة العسكرية الروسية – ، الى ابراز  عضلاته في الخارج . .وقد خدمته في ذلك ظروف دولية ، اهمها علاقاته الطيبة مع الرئيس الامريكي السابق ترامب ، وفي الوقت نفسه ، بدأ التأثير الروسي يتوسع في الدول الاوربية عبر تقديم الدعم لبعض الحركات السياسية الشعبوية هناك . وقدمت موسكو مساعدات لكوبا وفنزويلا . وصار الكرملين يتكلم مع الغرب من موقع قوة .

هذه التطورات ، نبهت الغرب الى خطورة روسيا وضرورة التصدي لها .

وعلى الصعيد الداخلي ، سعى الرئيس بوتين الى  بناء سلطة مركزية مطلقة ،وطرح مقولة “الديمقراطية المدارة ” اي التي يمكن ادارتها والتحكم فيها ،ورفض بالمطلق المفهوم الغربي للديمقراطية ، ومنع كثيرا من الحركات والمراكز الغربية داخل روسيا ، وضيق على المعارضة واتهما بالموالاة للغرب وزج قادتها ومنهم نافالني بالسجون ، واحكم سلطته الكاملة على الاعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي  .ورفض مبدأ تبادلية السلطة  .ولتعزيز هذا التوجه  ، اتخذ البرلمان الروسي ( الدوما ) قرارين مهمين : اولهما ، تصفير الفترات الرئاسية التي امضاها الرئيس بوتين منذ العام 2000 ، لاتاحة الفرصة له للترشح للانتخابات الرئاسية التي ستجري عام 2024، وبذلك ضمن بوتين قانونيا البقاء في السلطة حتى عام 2036. والقرار الثاني هو تأمين حصانة كاملة للرئيس وافراد اسرته بعد انتهاء وجوده في السلطة ، وهذا يعني عدم مسائلة الرئيس عن اية اخطاء ارتكبها اثناء وجوده في الكرملين وعدم خضوعه للمسائلة بعد خروجه من السلطة .

ومن اجل تأمين قاعدة شعبية لنظامه ، اقر الرئيس بوتين توجهين سياسيين  لتعبئة الفراغ الفكري عقب انهيار النظام الشيوعي  ، هما: التحالف مع الكنيسة الاثوذكسية وتقديم الدعم الكامل لها ، ومنحها حرية الحركة والتمويل ، وتنشيط القيم الدينة . والهدف من   وراء ذلك هو الفوز  بدعم الكنيسة ذات النفوذ الواسع وجذب جمهورها المتدين الى جانب الرئيس . وقد حصل بوتين على ذلك .والتوجه الاخر هو انعاش الفكر القومي الروسي والنفخ في الوطنية الروسية ، عبر اللجوء الى تمجيد التاريخ  ،ورد الاعتبار الى القياصرة الروس، وابراز مآثرهم في بناء الامبراطورية الروسية . وقد طال هذا التوجه ايضا الحرب العالمية الثانية ، حيث تنظم السلطات الروسية سنويا احتفالات مهيبة بذكرى النصر على المانيا، وتمجد  اجهزة الاعلام الرسمية بطولات الجنود الروس ،وتعرض الافلام والمواد عن ذلك . والغاية من ذلك هي الحصول على دعم الحركات القومية الروسية ، وهي كثيرة .

هذا الاستعراض السريع لطبيعة السلطة التي بناها  الرئيس بوتين ،  يقدم تفسيرا اضافيا  لنفور سيد الكرملين المستمر  من الغرب وقيمه السياسية .فالرئيس بوتين كما اشرنا – اقام سلطة مركزية مطلقة ، وهو يرفض الديمقراطية الغربية ،  لاسيما  التبادلية السياسية وحرية الاعلام، ويعتبرها غير صالحة لدولة  مترامية الاطراف مثل روسيا ، ويطمح الى الاحياء الجيوسياسي للاتحاد السوفياتي ( ولكن دون عقيدة شيوعية  او احزاب شيوعية ) ، اضافة الى بناء قوة عسكرية مهيبة .ولذلك يمكن القول بثقة ، ان التناقض  القائم الآن بين الكرملين والغرب ، هو تناقض قيمي سياسي  ، يستند الى رفض القيم السياسية الغربية ، ويسعى الى تعزيز مكانة روسيا   والحصول حصة وازنة  لها من النفوذ العالمي.ولذلك ، من باب المنطق  ، ان يصطدم هذا التوجه بمصالح الغرب السياسية والايديولوجية .

ومؤخرا اضيف سبب جديد للنفور بين الكرملين وزعيمة الغرب -الولايات المتحدة ، وتجلى في وصول الديمقراطي  بايدن الى البيت الابيض .  وقد فتح  هذا الحدث  الباب على مصراعيه لتصفية حسابات الحزب الديمقراطي الطويلة  مع الرئيس بوتين التي تراكمت منذ العام 2011، ( عندما انتقد بايدن – وكان انذاك نائبا للرئيس – بوتين ونصحه بعدم الترشح للانتخابات عام 2012). وتفاقمت  هذه الخلافات ، بعد اجتماع بوتين مع هيرالي كلينتون في موسكو عام2015،وكذلك على اثر  اتهام موسكو بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الامريكية عامي  2016  و2020، فضلا عن تحميل موسكو مسؤولية الهجمات السيبرانية الاخيرة ضد مؤسسات امريكية ،وادعاء واشنطن ان الحكومة الروسية  قد دفعت اموالا لطالبان من اجل قتل  جنود امريكيين في افغانستان  .كما تركت عدم تلبية بوتين دعوة بايدن  الى اطلاق سراح المعارض  نافالني ، اثرا سيئا على العلاقات الشخية بين الزعيمين .

لكن  تقرير المخابرات الامريكية الاخير،والذي اتهم روسيا – بتوجيه من بوتين – بالعمل على   تشويه سمعة الرئيس بايدن في الانتخابات الرئاسية الامريكية  الاخيرة ـ كان بمثابة عود الثقاب الذي اشعل النار في هشيم  العلاقات الشخصية- غير الودية اصلا- بين بايدن وبوتين . كما فاقم    التصريح غير المسبوق الذي اطلقه الرئيس الامريكي يوم 17 آذار  ، والذي وصف بوتين “بالقاتل  الذي سيحاسب على افعاله”، الاوضاع ، و اضاف رد بوتين الحازم الذي  قال فيه  : “ان القاتل هو من يصف الآخر بذلك” ،بعدا جديدا  للخلاف بين الرئيسين .

 هذا الملاسنة غير المسبوقة بين رئيسي دولتين عظميين ، فتحت  ابواب المواجهة كلها  بين البلدين .وهو تطور يفوق بخطورته الحرب الباردة التي اندلعت بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة ـ لان الخصومة اخذت – كما اشرنا بعدا شخصيا.كما ادى الى تعميق كراهية الرئيس بوتين للغرب وزعيمته الولايات المتحدة الامريكية .

والسؤال الان : كيف سينعكس هذا التوتر على العلاقات بين موسكو والغرب وواشنطن خاصة   ؟

هناك ثلاثة جبهات يمكن ان يمسها هذا التدهور :

الاولى : العلاقات الثنائية ،والتي يمكن ان  تشهد مزيدا من القطيعة  بسبب العقوبات المتبادلة . وقد بدأت الغرب خطواته الاولى في هذا المجال . فامريكا لم تقتصر على معاقبة مسؤولين روس فحسب  ، بل شملت قائمة العقوبات جهات عسكرية وقرارت  تحظر تصدير الاسلحة والمعدات الدقيقة لروسيا . وانضمت اوربا مؤخرا – اول مرة منذ ثلاثين عاما-الى نظام العقوبات ضد روسيا ، واقرت بالاجماع عقوبات ضد  مسؤولين روس .

ويدرك الغرب ، ان الاقتصاد هو خاصرة روسيا الرخوة . ولذلك  تخطط القوى الغربية  لاعتماد العقوبات الاقتصادية . واللجوء الى ذلك  يمكن ان يلحق اضرا كبيرة بروسيا  بسبب طبيعة اقتصادها القائم الآن بشكل كبير على تصدير المواد الخام من نفط وغاز وثروات خام أخرى ، ،والاعتماد الكبير على الاستيراد بدل الانتاج ، وهروب رؤوس الاموال الى البنوك الغربية ( الشيوعيون الروس  يقولون ان مائة  اسرة تتحكم بالاقتصاد قد هرٌبت نحو ثلاثة تريليونات دولار الى البنوك الغربية )  . وقد حذر لا فروف الاتحاد الاوربي  من الاقدام على تلك الخطوة ، وهدد بقطع العلاقات مع  اوربا ان تم ذلك . ولا يمكن اغفال الضغط الامريكي الهائل لاجبار اوربا على اللجوء الى العقوبات الاقتصادية  ضد روسيا  . والمعركة الدائرة اليوم حول خط انابيب غاز السيل الشمالي  ، تظهر حجم المواجهة الاقتصادية  المستقبلية التي بدأت فعليا .

والمواجهات السياسية والعسكرية  والاعلامية ستكون الجبهة الثانية . وهنا سيلجا  الغرب الى تأجيج العداء للروس  ، ومحاصرة القوى والحركات  الغربية   المتعاطفة مع روسيا،  واحياء مقولة التهديد الروسي . وستستغل واشنطن هذه المقولة من اجل  تعزيز قوات الناتو وارغام الاوربيين على  زيادة نفقاتهم العسكرية ومضاعفة القواعد العسكرية الامريكية في القارة الاوربية ، لا سيما في تلك الدول المجاورة لروسيا  ، وجر موسكو واستنزافها عبر سباق تسلح منهك ، وتكرار ما جرى مع الاتحاد السوفياتي بهذا المجال .

والجبهة الثالثة  ستظهر في تاجيج مناطق النزاعات الاقليمية ،وخلق بؤر جديدة  للتوتر في محيط روسيا .وقد بدات نذر هذه المواجهة في اوكرانيا . فبتشجيع امريكي ، اقدمت الحكومة الاوكرانية  خلال الاسابيع الماضية على اتخاذ اجراءات استفزازية  غير مسبوقة ضد روسيا ، منها اغلاق الاقنية التفزيونية المتعاطفة مع روسيا ،وملاحقة حركات نادت بالتقارب مع موسكو  واعتقال ناشطين متعاطفين معها ،وارسال مزيد من القوات والاسلحة الى خطوط وقف اطلاق النار في المناطق الشرقية من اوكرانيا  وتوتير الاوضاع العسكرية هناك، ومقاطعة السلع الروسية ومنع استيرادها ، وتصعيد اللهجة السياسية والاعلامية ضد روسيا .  وقد اعلنت واشنطن تأييدها الكامل للسلطات الاوكرانية ،وقدمت لها مساعدات مالية وعسكرية ، كما زاد الاتحاد الاوربي من وتيرة انتقاده  لروسيا واتهمها صراحة بالتدخل العسكري هناك .

وفي الوقت نفسه ، اصدرت 14 دولة بقيادة امريكا بيا نا قوي اللهجة يؤكد ان القرم جزء من اوكرانيا ، وان هذه الدول لن تعترف ابدا بشرعية ما يسمى بالاحتلال الروسي لتك المنطقة .

وبدأت الولايات المتحدة تحركات مشبوهة في كل من جورجيا وارمينيا ،لتأجيج العداء لروسيا هناك . كما شهدت بعض دول اسيا الوسطى تحركات مماثلة للغاية نفسها .ولنا ان نتوقع  محاولات امريكية لتعطيل اية تسوية للازمة السورية بمشاركة روسيا  واعادة الاعمار  ،ودفع القوى الارهابية والانفصالية الى من ممارسة مزيد من النشاط التخريبي.

باختصار ، فان كراهية الغرب لروسيا ، تتحول الآن الى افعال سياسية واقتصادية وعسكرية محددة ، وان علاقات روسيا مع الغرب قد هوت الى الحضيض ،وهي لم تشهد مثل هذا التوتر حتى  في زمن الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفياتي .

ولا بد من الاضافة التالية ، وهي ان تعزيز قوة روسيا وتوسيع حضورها الاقليمي ودورها العالمي ،كان احد الاسباب التي دفعت الغرب الى تكثيف ضغوطه على القيادة الروسية ، بغية ايقاف تقدمها الناجح على المستوى العالمي ، والتخلي عن سياستها ومنهاجها الذي عزز الحضور العالمي لروسيا ، وجعلها من اللاعبين الكبار في السياسة والدولية .

واختم مقالتي بالعودة الى ما قاله الشاعر الروسي الكبير توتشيف، من ان روسيا لا تفهم بالعقل فقط . فرغم وجود العداء الكبير في روسيا الحالية ضد الغرب واوربا  ، الا ان معظم سكان روسيا يعتبرون انفسهم اوربيين وينظرون الى  بلادهم كجزء  من اوربا ،، ويمجدون افعال مؤسس الدولة الروسية  بطرس الاكبر، الذ ي اعتبر  ان مستقبل روسيا مرتبط بمدى عمق العلاقات مع اوربا والانفتاح عليها  . وهذا الموقف الشعبي يعمق الاحجية الروسية  فعلا، ويجعلها عصية على الفهم ، ويصادق على كلام شاعرها المذكور ، بانه لا يمكن فهم روسيا  عبر تحكيم العقل والمنطق فقط .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube