https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

المؤلف : نيقولاي نيقولايفيتش ليسوفوي
صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب الوجود الروحي والسياسي الروسي في الأرض المقدسة والشرق الأوسط (في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين)
هو أول كتاب في التاريخ الروسي يعتمد على الوثائق المتعلقة بالتناقض التاريخي للوجود الروسي السياسي والروحي في القدس والشرق الأوسط، كما أنه يسرد، بتفاصيل دقيقة، نشاطات نصف قرنٍ من العمل الدؤوب لرجال الدين الروس من أجل بناء وجود أرثوذكسي في الأراضي المقدسة، ويبحث انتظام هذا العمل الذي كان فرديًّا حينًا، وبرعاية أعلى المرجعيات السياسية في الإمبراطورية الروسية حينًا آخر؛ ومن ثم مأسسة ذلك كلّه في: البعثة الروحية الروسيَّة إلى القدس، واللجنة الفلسطينيّة، واللجنة الفلسطينيّة التابعة لإدارة آسيا في وزارة الخارجية، والجمعية الإمبراطوريَّة الأرثوذكسيَّة الفلسطينيّة، والجمعية الروسية – الفلسطينية، في ظل الحكم الشيوعي. ويتناول الكتاب، أيضًا، مصير الإرث الروسي في الشرق الأوسط في القرن العشرين، وإعادة بعث نشاط البعثة الروحية الروسية والجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية في الظروف المعاصرة.
روسيا والشرق الأرثوذكسي: مقاييس الوضع

من أجل تقسيمٍ موضوعي للعلاقات الروسية بالشرق الأوسط إلى مراحل تاريخية، من الضروري، بحسب اعتقادنا، إظهار العوامل الأساسية التي حددت هذه العلاقات في مختلف المراحل. لذا، نقترح دراسة ثلاث مجموعات من العوامل: الدينية، والسياسية، والاقتصادية. وننبه حالًا إلى أنه في أي محاولة لتقسيم المراحل التاريخية، ينبغي أن تتميز هذه المراحل بشرطية خاصة معروفة في حال ازدياد عدد العوامل المتعلقة بالدراسة.

ننسب إلى العوامل الدينية عاملين: العلاقات بين الكنائس داخل الوحدة الكنسية للكنيسة المسكونية الأرثوذكسية من جهة، وتطور الحج الأرثوذكسي إلى الأرض المقدسة من جهة أخرى. إن الوحدة الكنسية للكنيسة الروسية الأرثوذكسية مع كنيستَي القدس وأنطاكية، وغيرهما من الكنائس الأخرى، يمكن اعتبارها كلّها مؤشرًا لا علاقة له بالزمن أو “الموضة” أو الظروف السياسية.

كان لعامل الحج تأثير قوي، على امتداد التاريخ الروسي، في بعض الأحيان؛ إذ كان يتأثر بالموضة الدارجة، وأحيانًا بالظروف العامة السياسية؛ ومنها الظروف الخارجية (الحروب أو الصراعات مثلًا)، ومنها الظروف الداخلية مثل فقر الشعب، ومنع الحج، أو كما ساد بعد ثورة أكتوبر 1917 حين حُظرت جميع النشاطات الكنسية والاجتماعية.

تُعتبر الحروب والنشاطات الدبلوماسية من العوامل السياسية. أمّا الحرب، بحسب التعريف الكلاسيكي لكلاوزفيتز، فهي “استمرار السياسة بوسائل أخرى”، كما أنها لا تنفي الدبلوماسية. ويكفي التذكير بأنّ سلم باريس لعام 1856 جرى التحضير له طوال فترة حرب القرم، ثمّ إنه من الصعب اعتبار عام 1878، من سان ستيفانو إلى برلين، فترة “الحروب المستمرة”، أو دبلوماسية ما بعد الحرب. وتتضمن الحرب العالمية الأولى (1914-1918) “موزاييكًا” دبلوماسيًا معقدًا مع معاهدة سايكس – بيكو – سازونوف، ووعد بلفور، وملحمة لورنس العربي الحربية السياسية، وغير ذلك.

تتألف العوامل الاقتصادية في المجال الذي يهمّنا من قوى عدة موجِّهة. أولًا، يدور الحديث عن المساعدات المادية التي كانت تقدّمها الإمارة، ثم القيصرية الروسية، وفي ما بعد الإمبراطورية الروسية، إلى البطريركيات الأرثوذكسية في الشرق الأوسط. وقد كانت هذه المساعدات تحمل أحيانًا طابع ضخٍّ مقطوعٍ من الدولة والكنيسة، وأحيانًا تأمين دخلٍ ثابت للبطريركيات الشرقية على حساب الممتلكات في القوقاز وبيسارابيا “مولدافيا” فيما بعد (وهذا أيضًا متعلق بالحروب والجهود الدبلوماسية). ثانيًا، علينا أن نذكر المساعدات الإنسانية للعرب المحليين، التي كانت تجري في إطار النشاط الكنسي التنويري (المدارس التي أقامتها الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية في الشرق الأوسط)، أو في إطار الدعم السياسي لهذه الدولة أو تلك، أو لأي حركات أخرى. ثالثًا وأخيرًا، العامل الاقتصادي الأهم والأكثر توثيقًا هو ممتلكات الدولة والكنيسة والجمعيات في الأرض المقدسة. حقًّا إن الممتلكات غير المنقولة وما نما خلال 150 عامًا عليها، هي قاعدة للبنية التحتية القوية، لما يسمى فلسطين الروسية، تحدد الوجود الروسي في القدس وفلسطين وتثبته.
الوجود الروحي والسياسي الروسي في الأرض المقدسة والشرق الأوسط

كان السياق الروحي والواقعي للوجود الروسي في فلسطين وباقي دول منطقة الكتاب المقدس؛ إذ شغلت بطريركية القدس موقعًا خاصًّا في العلاقات الكنسية اليونانية – الروسية. وشكّلت زيارة بطريرك القدس ثيوفانيوس لروسيا، في عام 1619، افتتاحًا للطريق نحو موسكو بالنسبة إلى كثير من الممثلين المهمين لكنيسة القدس. وتلخصت دبلوماسية ثيوفانيوس في أنه استطاع أن يعطي انطباعًا مفاده أنه، شخصيًّا، يتعلم لدى الروس ولا يتطفل عليهم بالتوجيه. كما كتب مؤرخ العلاقات الروسية مع القدس ن. ف. كابتيريف: “كانت الحياة الكنسية الروسية منذ منتصف القرن الخامس عشر وحتى نهاية القرن السادس عشر منغلقة على نفسها، وانعزلت عن الحياة الكنسية اليونانية آنذاك، وبذا أصبحت غير قابلة بقدراتها الخاصة أن تحل ما يعترضها من مسائل وقضايا. لذا كانت مضطرة إلى طلب المساعدة من الكنيسة المسكونية اليونانية”. وفي نهاية القرن السابع عشر، كان من المهم والصائب ترشيح بطاركة القدس لمهمة الحَكم والمستشار حتى في القضايا السياسية.

لقد كان الاهتمام متبادلًا: في القدس قُدرت السياسة القوية لموسكو حق تقدير؛ إذ كان في إمكان موسكو تحرير الشرق من الأتراك، وبدأت موسكو تفهم قيمة البطاركة الشرقيين؛ لا في العلاقات الكنسية فحسب، بل في العلاقات السياسية أيضًا، وبدأت تطمح كذلك إلى بناء علاقة “الند للند” وشراكة موحدي الرأي في المشاريع العسكرية – السياسية، والدبلوماسية أيضًا. لقد شكّلت هذه الحالة، من وجهة نظر حكومة موسكو، دافعًا إضافيًّا للمساعدات المالية الكريمة التي لم تُعد “تصرفًا خيريًا دينيًا، بل بدرجة واضحة حكمة في أداء الحكومة”.

ضعفت العلاقات بين روسيا والشرق الأرثوذكسي في الفترة الأولى من المرحلة الإمبراطورية. وكان السبب هو الحروب الروسية – التركية الدائمة، التي استمرت في الواقع طوال القرن الثامن عشر وفي القرن التاسع عشر أيضًا. ولم تكن مصادفة أن يسمّي أحد أفضل المتخصصين بتاريخ الإمبراطورية العثمانية بحثه الواسع “إمبراطورية في النار”، وهو وصفٌ ينطبق على روسيا أيضًا.

أصبح القرن التاسع عشر زمنًا لتطورٍ هائل بشأن التعبير الكنسي القديم الذي غيّب النسيان استخدامه من جهة كلّ من الشعب والكنيسة: الحج الأرثوذكسي الروسي. ففي حين وجد أ. ن. مورافيوف في زيارته الأولى لفلسطين (1830) بضع عشرات من الحجّاج عالقين في القدس بسبب الحرب، راوح عدد الحجّاج إلى الأرض المقدسة في منتصف القرن بين 200 و400 حاجٍّ سنويًّا. هكذا في عام 1847، من أجل الاهتمام بالعدد المتزايد من الحجّاج، أُنشئت في القدس البعثة الروحية الروسية. لكنّ نقطة التحول الحقيقية كانت فترة حرب القرم (1853-1856) التي كان نشوبها متعلقًا بمحاولة روسيا التقليدية الدفاع عن الحقوق المسلوبة للأرثوذكس في الأرض المقدسة. ومع انتهاء الحرب، وعلى الرغم من النتائج المخيبة لروسيا، تمكنت الدبلوماسية الروسية من إحداث اختراق نحو القدس، مستفيدةً من سهولة تنشيط تدفق الحجّاج. وبالتدرج، تحولت الحركة الشعبية من حركة عشوائية غرائزية إلى أداة ماهرة ليست كنسية فحسب، بل سياسية أيضًا.
روسيا والشرق الأرثوذكسي: القرن العشرون

تعلّق انبعاث الجمعية الروسية – الفلسطينية في أواسط القرن العشرين بالتغيرات الجذرية التي حصلت في الشرق الأوسط. وفي 14 أيار/ مايو 1948، جرى الإعلان عن دولة إسرائيل. وفي 30 تشرين الثاني/ نوفمبر، وصل إلى القدس أول طاقمٍ للبعثة الروحية الروسية. ثمّ صدر أمرٌ من مجلس الوزراء السوفياتي (رقم 175рс )، في 25 أيلول/ سبتمبر 1950، يقضي بعودة ناشطي الجمعية الفلسطينية، وبالتصديق على فروع ممثّليتها في دولة إسرائيل.

ارتبطت كل موجة نشاطٍ جديد للجمعية الفلسطينية، بشكلٍ أو بآخر، بتغير الوضع في الشرق الأوسط. وقد ظهرت مرحلة جديدة في حياة الجمعية مع بداية السبعينيات من القرن العشرين. وبعد حرب الأيام الستة في حزيران/ يونيو 1967، قطع الاتحاد السوفياتي علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل. وغادر إسرائيل جميع ممثلي الاتحاد السوفياتي، ومنهم ممثّل الجمعية الروسية – الفلسطينية الذي كان يقيم، منذ آذار/ مارس 1951 حتى حزيران/ يونيو 1967، في مقر قيادة الجمعية، في مجمّع سيرغي في القدس. وكان لقطع العلاقات تأثيران في الجمعية الروسية الفلسطينية. أولًا، لم تعُد ممثلية الجمعية إلى عملها حتى ذلك الوقت. ثانيًا، طالب الجهاز الحكومي – الحزبي بنشر دعاية معادية للصهيونية. وعلى هذه الركيزة، انضمّ إلى الجمعية الروسية – الفلسطينية العديد من العلماء والإعلاميين المتخصصين بالتاريخ المعاصر لإسرائيل والشرق الأوسط، وبالحرب الأيديولوجية، ومن فرع موسكو للجمعية الروسية – الفلسطينية أيضًا، فضلًا عن قسم “العلاقات الأدبية بين الشرق والغرب”.

وفي تسعينيات القرن العشرين، ظهرت موجة نشاطٍ جديدة متعلقة بإعادة العلاقات الدبلوماسية السوفياتية بدولة إسرائيل، والتغيير في المفهوم التقليدي للسياسة الخارجية في الحقبة السوفياتية. أمّا في الوقت الحالي، فيرأس الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية المؤرخ الروسي البارز، العضو المرشح لأكاديمية العلوم الروسية، ي. ن. شابوف، الذي انتُخب رئيسًا للجمعية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2003.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube