https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png
حدثت في العقد الأخير تغيرات مهمة على الساحة الدولية، يتوقع ان تخلف أثراً في الصراعات المقبلة ونتائجها. وأهم التغيرات كثرة الأقطاب واشتداد المنافسة والصراع على الموارد المختلفة وأسواق تصريف السلع، وغلبة النزوع الى استخدام القوة العسكرية، وشيوع احتساب المصالح الوطنية محلاً لإيلاء الاولولية للقيم الإنسانية. والى ذلك تراجع الصراع الايديولوجي ليحل محله النهج البراغماتي في إدارة العلاقات الدولية، انطلاقا من مفهوم المنفعة والمصالح المتبادلة. وفي تلك الاثناء مضت الولايات المتحدة في التصرف كقطب أحادي في العالم.
في تلك المناخات رأت روسيا انها اصبحت من جديد، دولة اقتصادية عظمى، وقطباً مهماً في عالم متعدد الأقطاب. وهذا ما ذهبت إليه وثيقة التطور الاجتماعي ـ الاقتصادي الطويل الآجل الروسية، التي رصدت آفاق عام 2020.
تملك روسيا مزايا تنافسية مهمة أبرزها السلاح النووي وعضوية مجلس الأمن الدولي مع حق النقض، والمساحة الشاسعة والغنية بالموارد المتنوعة والاحتياطات الضخمة من مصادر الطاقة الاستراتيجية. وعلى رغم ذلك لم يكن سهلا على روسيا ان تصارع وحيدة الولايات المتحدة الأميركية، فاضطرت الى ممارسة حرب المواقع، لأن تكلفة المواجهة السياسية والعسكرية والاقتصادية عالية جداً.
هناك مبدآن اساسيان يتقيد بهما منطق السياسة الخارجية الروسية، هما العمل على مراكمة الميزات والأفضليات الصغيرة، مع تثبيت منتظم للنتائج التي يتم الحصول عليها، والمناورة ضد المزاحمين الضعفاء. والحق ان استعادة السيطرة الاقتصادية والسياسية على المناطق التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق ومنع تقدم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي صوب المصالح الحيوية الروسية، ضرورة لا غنى عنها.
ان في وسع روسيا استثمار مصادر الطاقة التي تملكها واحتياج أوروبا إليها في المناورة الاستراتيجية، فتتعهد تصدير النفط والغاز الروسي من دون انقطاع لقاء حياد الاتحاد الأوروبي السياسي، وتعاونه الاقتصادي وعلى رغم توقيع روسيا خارطة الطاقة، فإن الأوروبيين لا يريدون المواجهة مع روسيا، وباستطاعة روسيا توجيه جزء من مصادر الطاقة شرقاً نحو الصين. فتغذية اقتصادها يبعث قلق الأوروبيين. أما استعمال مصادر الطاقة ضد اوروبا وحجب النفط والغاز عنها، فإن حلف الأطلسي يرى في ذلك اعلان حرب.
ويسع روسيا كذلك التوسل بتناقضات الاتحاد الأوروبي الداخلية، والى بناء علاقة مميزة مع بعض دوله تحت عباءة الطائفية الارثوذكسية، او في اطار الانتماء المشترك الى العالم السلافي. ومن الأدوات الدبلوماسية دعم الأوروبيين المعارضين لمرابطة قوات اميركية على أراضيهم واحتمال انقسام «الناتو» وإنشاء الجيش الأوروبي المستقل بمشاركة الروس فيه. ويدعو تعظيم الرأسمال السياسي روسيا الى تولي قيادة العالم الثالث وحلف المستضعفين (تخلت روسيا عن ذلك نهائياً كما سنرى فيما بعد) في مواجهة اميركا. ان الاستقرار السياسي وتحقيق معدلات اقتصادية مرتفعة، شرطان لا غنى عنهما لروسيا في سعيها الى الاضطلاع بدور قوة عظمى. فالسياسة الخارجية الفاعلة لا تنفصل عن سياسة داخلية مناسبة.
في صيف عام 2008 وبعد الصدام العسكري بين روسيا وجورجيا، طالب هنري كيسنجر وزير الخارجية الاميركي الاسبق وفي مقال نشر في جريدة «واشنطن بوست» بضرورة وضع حد للمواجهة مع روسيا وبناء أرضية مشتركة معها. وهذا ما يبدو انه قد تم، لأن روسيا والحلف الاطلسي سيعقدان مؤتمر قمة في لشبونة يومي 19 و20 تشرين الثاني الجاري. حيث من المقرر توقيع اتفاق ثنائي، وكذلك قمة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا المقررة في أوائل كانون الأول القادم في كازاخستان.
فما الذي حدث وكيف انقلبت السياسة الخارجية الروسية رأساً على عقب؟ هذا ما شرحه اناتولي سيرويكوف وزير الدفاع الروسي (الذي كان يعمل من قبل في تجارة المفروشات). إذ يقول انه يأمل ان يكون ذلك الاجتماع بداية لعلاقة جديدة مع حلف «الناتو». ان الاجتماعات تجري على قدم وساق بين وزراء الخارجية والدفاع. وكذلك الاجتماعات بين رؤساء الاركان. اني أرى اننا سنصبح شركاء مع «الناتو» في وقت قريب. ان الخطر الكبير الذي يهدد روسيا هو الإرهاب. وإمكانية وقوع أسلحة دمار شامل بين ايدي تلك المجموعات (نفس الاخطار التي تهدد اميركا) كذلك يهدد روسيا اقتراب قوات حلف الناتو من حدودنا. ان الصناعة العسكرية الروسية لم تنتج أي أسلحة جيدة خلال الـ20 سنة الماضية. ان اسلحتنا قديمة. وقد سررنا ان تصرف اميركا النظر عن بناء النظام المضاد للصواريخ في تشيكيا وبولندا. نرى انه يجب إقامة نظام دفاعي أوروبي يشترك فيه الجميع. ان أفكارنا السياسية متقاربة جداً مع دول «الناتو» ولكننا لا نشاركهم بعض الأفكار حول البرنامج النووي الإيراني. أرى انه من المبكر الانضمام الى حلف «الناتو» بل توسيع التعاون، كما يجري الآن بالنسبة لافغانستان. انني ارجو عدم انسحاب القوات الغربية من افغانستان قبيل إنهاء مهمتها. إننا نتبادل الافكار مع الاميركيين حول تجربتنا في افغانستان. والانسحاب سيغير الوضع في آسيا الوسطى. لذلك نساعد قوات حلف «الناتو» ببيعهم طائرات مروحية من طراز «ي 17» وفي نقل الأسلحة والعتاد عبر أجواء روسيا وأراضيها. لقد قلنا للأميركيين ان احتلال افغانستان امر صعب جداً. لقد ارسل الاتحاد السوفياتي اكثر من مئة ألف جندي الى افغانستان ومع ذلك فقد فشل».
تشترك روسيا لوجستيا في الحرب الافغانية، وقد وقع الرئيسان باراك اوباما وديمتري ميدفديف اتفاقاً يمنح قوات الاطلسي ممرات جوية لنقل 50 ألف طن من الأسلحة والذخائر الى افغانستان، وذلك في شهر تموز من عام 2009. كما ان القطارات عبر البر الروسي تنقل حوالى 2000 حاوية الى القوات الاطلسية في افغانستان، لأن روسيا تخشى من أسلحة دول آسيا الوسطى (المسلحة أصلاً) وان يتسبب ذلك في نشوء عدم الاستقرار في تلك المنطقة. ولأن ذلك يساهم أيضاً في محاربة تجارة المخدرات. ويتم سنويا تهريب 70 طناً من الهيرويين عبر البر الروسي الى الغرب. السفير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube