https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

طالما تحدث العالم عن حرب الغاز، لكنه لم يكن يقصد سواحل الشام وإنما قصدروسيا والمنطقة العربية الإسلامية وأواسط آسيا، والأهم أنه كان يقصد شبكاتالأنابيب التي تنقل الغاز من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك. وسبق أن حصل توتر في العلاقات بين بعض الدول بسبب خطوط سير أنابيب الغاز،وعدد من الدول تعتبر أن خرائط خطوط الغاز -التي أقرتها دول أخرى- تؤثر سلباعلى مداخيلها المالية، وهناك دول أصرت على تصميم هذه الخرائط بطريقة معينةلإلحاق الأذى بدول أخرى. روسيا وإيران وقطر استنفرت قواها الدبلوماسية والسياسية حتى لا تتأثرمبيعاتها ومداخيلها من الغاز. وقد فكرت أوروبا بالمساهمة في مد أنابيب غازتلتف حول الغاز الروسي كنوع من العقوبات لروسيا، ولكن حدة موقف أوروبا فترتمع الزمن. ثروات ساحل الشامالحديث عن حرب الغاز يتمحور الآن في منطقة مياه الشام شرقي البحر الأبيضالمتوسط. ومن المعروف -منذ أكثر من عقدين- أن سواحل غزة غنية بالغاز، وهيثروة كبيرة بحيث إنها يمكن أن توفر الاحتياجات المالية للشعب الفلسطيني فيكافة أماكن وجوده، ويمكن أن تحل بسهولة مشكلة الكهرباء في قطاع غزة. لكن الاحتلال يمنع استغلال هذه الثروة، ومن المحتمل أن يستغلها يوما لصالحهإذا توفرت الشروط الدولية المناسبة. الفلسطينيون لم يثيروا هذه المسألةعلى مستوى عالمي، والمطلوب منهم الآن أن يفعلوا ذلك. المياه الإقليمية والاقتصادية لغزة تحت الاحتلال، ويُحظر على الاحتلال -وفقالقوانين الدولية- أن يستغل ثروات الأرض التي تقع تحت احتلاله. هناك مدخلقانوني أمام الفلسطينيين لإثارة القضية وإشغال الأمم المتحدة بها، لكنالمأساة أن دولة عربية وهي الأردن وقعت اتفاقيات مع الكيان الصهيونيلاستيراد الغاز الفلسطيني المغتصب صهيونيا (كما وقعت مصر قبل أيام اتفاقيةبقيمة 15 مليار دولار لاستيراد الغاز من الكيان). لقد تم اكتشاف حقول غاز ضخمة منذ سنوات في المياه الاقتصادية لبلاد الشام (ومنها فلسطين) التي كانت غائبة عن المشهد الاقتصادي، لكنها وعت الأمربعدما توصلت قبرص مع الكيان الصهيوني إلى ترسيم المياه الاقتصادية لهما. لبنان وسوريا كانا غائبين، لكن لبنان استدرك الأمر وسارع إلى ترسيم مياههالاقتصادية التي تضم حقول غاز هامة. وقد جاء هذا الترسيم متأخرا جدا عنجهود الصهاينة المسحية والتنقيبية، إذ إنهم باشروا منذ زمن بناء منصاتالحفر والاستخراج بالبحر المتوسط. ثارت قضية القاطع أو الحوض رقم 9 الذي يقول لبنان إنه ملكه وحده، واعترضالكيان الصهيوني على هذا القول وادعى أن جزءا منه على الأقل يتبع لمياهههو. وقد تدخل الأميركيون وسطاء لحل الإشكالية، واقترح أحدهم -وهو فريدريك هوف- خطا داخل القاطع رقم 9 عُرف بـ”خط هوف”. وأوصى هوف بإعطاء الصهاينة 45% منالحوض، أو ما يعادل حوالي 350 كم2 من أصل 860 كم2. لبنان لم يوافق على هذه التوصية وأصر على ملكية الحوض. وبما أن لبنان علىوشك البدء في عملية الحفر؛ فإن التوتر قد ارتفع بينه وبين الكيان الصهيوني،وبرزت التهديدات والتهديدات المضادة. رفض المقترح الأميركيسارع الأميركيون إلى التوسط بين الجهتين، وجاء ديفد ساترفيلد -مساعد وزيرالخارجية الأميركي- إلى المنطقة لاحتواء الأزمة التي قد تنفجر أي وقت. وفيالنهاية اقترح ساترفيلد تقسيم الحوض بحيث يحصل لبنان على 60% منه مقابل 40% للصهاينة. والتقدير يفيد بأن الأميركيين قدموا هذا الاقتراح بعدما حصلوا على موافقةالصهاينة، أي ان الكيان الصهيوني أبدى مرونة بهذا الشأن، ومن المحتمل أنيبدي مرونة أكبر في المستقبل إذا استمر الموقف اللبناني على ما هو عليه. اجتمع ساترفيلد مع مسؤولين لبنانيين منهم رئيس الوزراء سعد الحريري، ورئيسمجلس النواب نبيه بري، ووزير الخارجية جبران باسيل. وأعلن بري الموقفاللبناني الرافض للمقترح الأميركي. والبديل -كما أعلن بري- يتم عبر اللجنةالثلاثية المعروفة بلجنة تفاهم نيسان عام 1996، والمكونة من لبنان وأميركاوفرنسا. وهذه اللجنة في الحقيقة رباعية وليست ثلاثية، من حيث إن الكيان الصهيوني هورابعها ولكنه لا يوجد في الاجتماعات التي يشارك فيها لبنان، لكون الأخيريرفض اللقاء أو التفاوض المباشر مع الكيان الصهيوني. حاول الأميركيون مقايضة اللبنانيين بمسألة الجدار الذي يبنيه الكيان علىالحدود الاستعمارية بين لبنان وفلسطين، حيث يتهم لبنانُ الصهاينةَ بأنهميتجاوزون الخط الأزرق بين فلسطين ولبنان، ويقول إن عليهم الخروج من لبنانتماما وألا يتعدوا حدوده ولو بسنتيمتر واحد. وقد رد لبنان بأن مسألة المياه الاقتصادية اللبنانية أهم بكثير من مسألةالجدار، ويجب حل المشكلة الاقتصادية أولا، كما يجب عدم الجمع بين القضايا. يردد الإعلام اللبناني وعدد من المسؤولين اللبنانيين أن الحوض رقم 9 مياهلبنانية خالصة، ولن يتم التنازل عن أي قطرة ماء منه. وبعضهم يقول إنه إذاأراد الكيان الصهيوني الحرب فإن لبنان لن يتردد في خوضها. ما الذي كان يمكن حصوله لو أن هذه المسألة ثارت في ستينيات القرن الماضي؟ببساطة كان الكيان الصهيوني سيرسل سفنه الحربية وغواصاته وقوارب صواريخهإلى الحوض رقم 9 ليسيطر عليه، ويدمر كل هدف عسكري أو مدني عربي يقترب منه. لم يكن من الممكن آنذاك أن يجد العرب فرصة للدبلوماسية لأن الكيان كانت يدههي الطولى. الصهاينة يؤكدون الآن أن لهم نصيبا في الحوض رقم 9، لكنهم ليسوا علىاستعداد لاستعداء لبنان بطريقة سافرة لأن معادلات القوة في المنطقة تغيرتوتبدلت، ويبدو حديث الصهاينة الآن منسجما مع ميزان القوى الذي تبلور فيالمنطقة. لم يعد الكيان صاحب اليد المطلقة الذي يزبد ويرعد دون أن يجد منيوقفه. والدليل واضح في تراجعه عن 45% للقبول بـ40% من مساحة الحوض. استبعاد الحرب.. ولكنالصهاينة ليسوا مستعدين للحرب الآن لعدة أسباب، هي: – الجبهة الصهيونية الداخلية ليست قوية بما فيه الكفاية، ويمكن أن تؤدي أيحرب إلى مزيد من تفككها وفقدان الحكومة لظهيرها الاجتماعي. يحاول الكيانمنذ سنوات بناء عكازات لجبهته الداخلية والاستعانة برافعات نفسية ومالية،ولكن غضاضة المجتمع ما زالت قائمة. – عدم جهوزية القوات البرية؛ فهناك تقدير لدى الكيان بأن القوات البريةليست في أفضل حالاتها ويمكن أن تندحر، خاصة إذا تم تهديد سلاح الجو الذييشكل غطاء الأمان للدبابات والمدافع وقاذفات الصواريخ. – الكابوس الذي يمثله حزب الله؛ طبعا لا أحد يعلم بالضبط ما الذي يملكه حزبالله من أسلحة، لكن التقديرات الصهيونية تضع أمامها أعدادا كبيرة منالصواريخ التي تصل إلى مختلف أنحاء فلسطين المحتلة. لو كان الكيان واثقا منالنصر لما تردد في شن الحرب، لكن يقينه بالنصر لم يعد قائما، وهو ليسمستعدا للمغامرة بوجوده من أجل براميل غاز. أعلن حزب الله موقفه بوضوح، وهو يتلخص في الاستجابة للقيادة العسكريةوالسياسية للبنان. الحزب يقول إنه لن يأخذ مبادرة حربية على عاتقه ضدالصهاينة، بل ينتظر قرارا من المجلس الأعلى للدفاع. إذا قرر المجلس الأعلى للدفاع مواجهة الكيان الصهيوني، ووافقت القياداتالسياسية على ذلك؛ فإن الحزب سيوجه صواريخه بداية نحو منصات الغازالصهيونية المقامة قبالة الشواطئ الفلسطينية في البحر الأبيض المتوسط،وربما يقوم -في الخطوة التالية- بمهاجمة منطقة الجليل. لبنانلا يرغب في خوض الحرب بسبب أولوياته الداخلية السياسية والاقتصاديةوالإدارية. لكن الكيان الصهيوني أقل رغبة في الدخول في حرب. الكيان ليسواثقا من النصر، ولا يعرف بالضبط عدد الجبهات العسكرية التي ستُفتح ضده. هل تدخل غزة الحرب إن نشبت؟ وماذا عن الموقف السوري؟ وهل جبهة الجولانجاهزة أم لا؟ وماذا عن إيران إذا تضايق حزب الله؟ الأسئلة الصهيونية حولهذه المسائل كثيرة ولا توجد أجوبة شافية. ومن الصعب على جيش أو دولة خوضحرب يلف ظروفَها غموض كبير، ولذا يُتوقع تنازل الكيان عن بعض مطالبه. أما من ناحية حزب الله، فإنه ليس من المتوقع أن يطلب منه مجلس الدفاعالأعلى شيئا بسبب المنافسات بين الأقطاب السياسية الداخلية. الكيان تردعهظروفه الداخلية والعسكرية، ولبنان تردعه المنافسات. وأيضا ليس متوقعا أنيطلب مجلس الدفاع من الحزب تدمير منصات الغاز الصهيونية كيلا يكسب الحزبرصيدا جديدا لصالحه على المستويين اللبناني والعربي. أي أن المعايير ليست بالضرورة وطنية وإنما حزبية وفئوية وطائفية؛ ولهذا منالمستبعد نشوب حرب في الظرف الراهن من أجل الحوض رقم 9. لكن علينا ألانستبعد وجود تلك القشة البسيطة التي يمكن أن تهوي بالبعير.

الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube