https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

شهدت منطقة بحر الصين الجنوبي تصعيدًا في يوليو الماضي (2020) حين أبدت الولايات المتحدة اعتراضها الرسمي على مطالبة الصين بكل مياه تلك المنطقة تقريبًا، واعتبرته أمرًا غير قانوني وفقًا لقانون البحار الدولي، وهددت بفرض عقوبات على المسئولين والشركات الصينية التي تزعم سيادتها على المياه المتنازع عليها، وقد أرسلت سفنًا حربية وطائرات لمراقبة أنشطة الصين، وشهد الشهر ذاته تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية للقوات الجوية بجيش التحرير الشعبي الصيني ردًا على تدريبات البحرية الأمريكية، وما تعتبره الصين أنشطة استفزازية بالقرب من تايوان، وصرح جيش التحرير الشعبي في أغسطس الجاري بأن تلك التدريبات ستستمر في الأسابيع المقبلة. وبالفعل بدأت رحلة لسفينة هجومية برمائية صينية من طراز Type 075 من شنغهاي، وأجرت طائرات هليكوبتر هجومية سلسلة من التدريبات عبر البحر على سفينة حربية تابعة للبحرية في المياه قبالة مقاطعة فوجيان بشرق الصين.

سبق أن أظهرت صور للأقمار الصناعية بناء الصين جزرًا صناعية على الشعاب المرجانية في أجزاء من بحر الصين الجنوبي وحمايتها بالمنشآت العسكرية، وهو ما لاقى الكثير من المعارضة؛ حيث أقرت محكمة لاهاي في 2016 بانتهاك الصين للحقوق السيادية للفلبين عبر صيد الأسماك والتنقيب عن النفط وبناء الجزر على المعالم البحرية مثل الشعاب المرجانية، لكن رفض الرئيس الصيني “شي جين بينج” ذلك الحكم وأكد أن سيادة بلاده ومصالحها البحرية لن تتأثر. ومن هذا المنطلق، نحاول الإجابة عن طبيعة الأهمية الاستراتيجية لمنطقة بحر الصين الجنوبي والمصالح المتعارضة لدى كل من الولايات المتحدة والصين، ورابطة الآسيان، وإلى أي مدى تؤثر على طبيعة العلاقات بين هؤلاء الأطراف؟.

الأهمية الاستراتيجية لمنطقة بحر الصين الجنوبي

يعد بحر الصين الجنوبي أحد أكثر الممرات المائية التي تشهد نزاعات على المناطق البحرية، فهو طريق تجاري يربط القارات الثلاث آسيا وإفريقيا وأوروبا؛ إذ يمر به نحو ثلث الشحنات العالمية بقيمة تبلغ حوالي 3.37 تريليونات دولار كل عام، ويمر به حوالي 80% من الواردات النفطية الصينية. تزدهر هذه المنطقة بالموارد الطبيعية خاصة الغاز الطبيعي والنفط، إذ تقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أنها تحتوي على ما لا يقل عن 11 مليار برميل من النفط و190 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

ويأتي 10% من الأسماك التي يتم صيدها عالميًا من المياه المتنازع عليها. وتشهد المنطقة عمليات صيد غير مشروع. على سبيل المثال، تعرض قارب شحن فيتنامي للغرق في أبريل الماضي بعد اصطدامه بقوات من خفر السواحل الصينية. كذلك، تحظر الصين الصيد الصيفي في المياه التي تزعم أنها فوق خط عرض 12 والتي تعتبرها الفلبين وفيتنام خارج نطاق السيادة البحرية الصينية.

لا يقتصر النزاع في بحر الصين الجنوبي على الصين ودول جنوب شرق آسيا فقط، لكنه يشمل النزاع بين دول رابطة الآسيان أيضًا. على سبيل المثال، ترى فيتنام أن لها السيادة على جزر باراسيل وسبراتلي، وتؤكد الفلبين ملكيتها لسبراتلي وسكاربورو شول، وتطالب بروناي وماليزيا بالسيادة على الأجزاء الجنوبية من البحر وبعض جزر سبراتلي. يضاف إلى ذلك ما حدث مؤخرًا حين أطلق خفر السواحل الماليزي النار على زورقين فيتناميين يُعتقد أنهما متورطان في عمليات صيد غير قانوني وتصرفوا بشكل عدواني، وسبق أن شهد سبتمبر الماضي مواجهة بين دوريات الصيد الماليزية والفيتنامية على سواحل تيرينجانو.

محفزات التحرك الصيني نحو المنطقة

تعتبر الصين أن التواجد الأمريكي وشبكة تحالفاتها في آسيا يعيق مساعيها لقيادة القارة، فهي تريد السيطرة على منطقة بحر الصين الجنوبي، بما يؤهلها للتغلغل في مناطق أخرى من آسيا والتأثير فيها. المفاهيم الأمنية التي تطرحها الصين والتي بدأت منذ 1998 تهدف للتعبير عن عدم رضاها عن عالم تسيطر عليه الولايات المتحدة، وأبرزت ذلك من خلال سياستها الدفاعية التي تعبر عن وجود بديل للحرب الباردة التي قامت على الأحلاف العسكرية، حيث أرادت التأكيد على أن العالم أضحى متعدد الأقطاب يقوم على الثقة المتبادلة والتنسيق وتبادل المنفعة، واستخدمت الصين مسألة المباحثات السداسية بشأن البرنامج النووي لكوريا الشمالية ودعمها لمنظمة شنغهاي للتعبير عن منهجها السياسي والاقتصادي في القضايا التي تعنيها.

وذكر تقرير الدفاع الوطني الصيني لعام 2000 أن الاهتمام بقوة الطرف الآخر والتعاون معه والتأثير عليه سيكون أحد الملامح الأساسية لعلاقات القوى الكبرى، وأن الوضع يتجه باندفاع نحو التعددية القطبية والعولمة الاقتصادية، وقد ساعد استقرار الوضع الأمني في آسيا والتغلب على الأزمات الاقتصادية على تدعيم التفاهم المتبادل وبناء الثقة بين الصين وكوريا والآسيان.

وفي خطاب الرئيس الصيني السابق هو جينتاو عام 2006، أكد أنه يجب بناء قوة بحرية تتكيف مع الاحتياجات العسكرية للقرن الجديد، لتقوم بحماية أمن المضايق الاستراتيجية والحفاظ على خلو بحر الصين الجنوبي من التحديات الأمنية، والحفاظ على الثروة السمكية وخطوط النقل. دفع هذا إلى الخروج بما يُعرف استراتيجية “خيط اللؤلؤ” String of pearls التي تستهدف الدخول في علاقات واستثمارات وإقامة قواعد بحرية في المحيط الهندي. وقد أبرز الكتاب الأبيض لعام 2019 التأكيد الصيني على “الاستعداد القتالي والتدريب العسكري في ظروف القتال الحقيقية” خاصة في غرب المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي، وذلك منذ عام 2012 حين نفذت القوات المسلحة الصينية تدريبات مكثفة منها 80 مناورة مشتركة، وغيرها من التدريبات المشتركة لتحسين القدرات الدفاعية. يعكس ذلك رغبة الصين في أن يصبح جيشها أكثر فعالية وقدرة قتالية في القرن الحادي والعشرين، وبناء على ذلك تم وضع خمسة مسارح أساسية، يصبح أربعة منها مسئولة عن التعامل مع الحالات الطارئة في شبه الجزيرة الكورية شمالًا؛ والجزء الشرقي الخاص بتايوان، والجنوبي يقوم بإدارة تحديات جنوب شرق آسيا، خاصة تعزيز سيطرة الصين على بحر الصين الجنوبي؛ أما غربًا فيستهدف تعزيز القدرة على مواجهة التهديدات المنبثقة من وسط وجنوب آسيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 + 17 =

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube