https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png
عقد المؤتمر السنوي للرابطة العالمية للصحف في مدينة هامبورج الألمانية‏  خلال الفترة من‏6-8‏ أكتوبر‏2010حضره عددا كبيرا من رؤساء الصحف العالمية ووكالات الأنباء والمواقع الالكترونية التي تقدم خدمات إخبارية وفيها تلك الأسماء الشهيرة مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست والتايمز والجارديان واللوموند وجوجل ومايكروسوفت وأبل والأهرام بالطبع وأمثالها في كل دول العالم تقريبا‏.‏
ولم يكن موضوع المؤتمر كله أقل من مناقشة الثورة الجارية في عالم الصحافة والتي تعكس بدورها ثورة جارية في كل مجتمعات العالم تقريبا من ناحية‏,‏ كما أنها تطرح ـ كما هي الحال مع كل الثورات ـ إشكاليات ومعضلات التحول والتغيير فضلا عما تطرحه من قضايا أخلاقية واجتماعية‏.‏ وبالتأكيد كان المؤتمر يناقش عددا من القضايا المحددة مثل الوسائل الحديثة المستخدمة في عرض الأخبار والتحقيقات الصحفية‏,‏ مثل الإنترنت ورسائل الموبايل النصية‏.‏
وفي الجلسات المختلفة طرحت عددا من الأسئلة والقضايا من قبيل‏:‏ تشكيل مستقبل الصحف‏(‏ واتجاهات التطور في مجال الصناعة الصحفية‏),‏ وإيجاد طرق جديدة لتمويل الصحف عالية الجودة‏,‏ وآليات نشأة غرف الأخبار متعددة الوسائل في مواجهة اللاعبين علي الإنترنت‏:‏ أي النموذجين أكثر استدامة؟‏,‏ وكيف نبتعد عن نموذج الصحافة‏;‏ هو قال بالأمس؟‏,‏ وأخبارنا وأخبار جوجل‏:‏ كيف يمكن أن نتعاون؟‏,‏ وكيف يمكن توظيف الشبكات الاجتماعية في العمل الصحفي؟‏.‏ إلي جانب ذلك‏,‏ ناقشت إحدي الجلسات التقرير العالمي للإبداع الصحفي لعام‏2010,‏ واستخدام التقنيات الحديثة في الصناعة الصحفية مثل الإنترنت ورسائل الأخبار النصية‏,‏ والاتجاهات العالمية في الصناعة الصحفية‏.‏
هذه العناوين المختلفة عكست تغيرات متلاحقة في مجال التحديث التكنولوجي والتطور المهني في عالم الصحافة‏,‏ لدرجة أن أحد الأسئلة المثارة في المؤتمرات والمنتديات الدولية كيف يمكن للصحافة البقاء في عصر الإنترنت؟‏.‏ فالصحف الورقية لم تعد اللاعب الأساسي والوحيد في صناعة الخبر‏,‏ بل صارت تزاحمها الصحف الإلكترونية‏,‏ التي تتجاوز الحدود في مختلف دول العالم‏,‏ وهو ما يعبر عنه مؤشر محدد وهو تراجع معدلات توزيع النسخ الورقية لكبريات الصحف مثل نيوريورك تايمز والواشنطن بوست وول ستريت جورنال خلال السنوات الماضية‏,‏ فضلا عن إلغاء بعض الملاحق المتخصصة والاستغناء عن بعض الصحفيين وإقالة عدد من الإداريين‏.‏ وفي مقابل الانحدار التدريجي للصحف الورقية‏,‏ يبزغ نجم جيل جديد من الصحف الشبكية في العالم‏,‏ بحيث باتت نوعية الموقع الإلكتروني سمة أساسية للمؤسسات الصحفية في هذا العصر‏,‏ بل إن هناك من يري أن الفترة المقبلة ستشهد طغيان الصحافة الإلكترونية‏,‏ والأكثر من ذلك هناك من يعتبر الصحف التقليدية في طريقها إلي الزوال‏,‏ ويدعو لما يسمي إعادة ابتكار الصحافة‏,‏ لعدد من الأسباب‏:‏
أولها‏,‏ تقليص تكلفة الورق والطباعة والنقل والشحن والتوزيع التي تشكل عادة ثلث تكلفة الصحيفة الورقية‏,‏ وفقا لكثير من دراسات الجدوي الاقتصادية والإعلامية‏,‏ وخاصة بعد الخسائر التي تمخضت عن الأزمة المالية العالمية‏.‏ فالخيارات البديلة التي توفرها التكنولوجيا تقلل النفقات وتحقق الأرباح‏.‏ وهناك بعض التقديرات التي تشير إلي أن تكلفة الصحيفة الإلكترونية توازي ما بين‏2‏ إلي‏3‏ في المائة من تكلفة الصحيفة الورقية‏.‏ وبات بإمكان الفرد الحصول علي ما يريد مجانا عبر المواقع الإلكترونية بدلا من دفع مقابل شراء الصحيفة الورقية‏,‏ وأرشيف الصحافة الإلكترونية متاح للجميع بعكس الورقية‏.‏
وثانيها‏,‏ التغطية اللحظية‏.‏ فقد أصبح بمقدور أي شخص أن يتحول إلي مراسل صحفي ينقل أبرز الأخبار مادام يمتلك كاميرا في هاتفه المحمول لأنه استطاع تصوير الحدث أينما وحينما يقع‏,‏ وهو ما يشير إلي تقلص نفوذ الصحفي كحارس للبوابة وفق تعبير دراسات الإعلام‏.‏ فالصحف الورقية تقرأ ـ في أغلب الأحيان ـ لمرة واحدة وأخبارها تتمثل فيما حدث بالأمس وليس ما يجري في التو واللحظة‏.‏
وثالثها‏,‏ التفاعلية وهو عنصر يأتي في المرحلة اللاحقة لنشر الخبر وقت وقوعه‏,‏ والتعليق علي الأخبار والتقارير والتحقيقات والمقالات‏,‏ وقراءة تعليقات وآراء الآخرين علي الموضوع‏,‏ وهو ما يعطي الفرد نوعا من الشعور بالوجود أكثر وكأنه ينتمي لأسرة تحرير الصحيفة‏.‏ أما القارئ للصحيفة الورقية فلا يستطيع التعبير عن رأيه إلا عن طريق مراسلات بريدية لإدارة التحرير‏.‏
ورابعها‏,‏ الجاذبية نتيجة استخدام الوسائط المتعددة‏multimedia‏ التي تمكن القارئ من أن يتفاعل مع المادة الصحفية من خلال النص المكتوب والصوت والصورة والفيديو وحفظ نسخة من النص الأصلي وسهولة الرجوع إليه في أي وقت أو إرساله لأي شخص‏,‏ وهو ما يؤدي إلي زيادة عدد زوار الصحيفة الإلكترونية‏.‏
والحقيقة أن الأمر كله لم يعد أفكارا مطروحة‏,‏ أو تجارب قليلة لمجموعة ممن في عقولهم مس‏;‏ وإنما بات الأمر واقعا بالفعل بالنسبة لعديد من الصحف العالمية‏.‏ وتعتبر صحيفة يو أس أيه توداي الأمريكية إحدي أهم الصحف صاحبة المبادرات والإنجازات في مجال الصحافة الورقية والرقمية‏.‏ فقد استعانت الصحيفة بـ التكنولوجيا الرقمية عبر إرسال مادتها الخبرية إلي قرائها‏,‏ عن طريق الإنترنت والهواتف الذكية المحمولة‏,‏ وذلك بهدف ضمان الحصول علي موقع بارز علي خريطة الصحف العالمية‏.‏ فضلا عن توفير قاعدة بيانات رقمية تسمي إنتر آكتف‏,‏ تساعد الفرد علي الوصول إلي الخدمة التي يريدها كالمؤسسات الصحية والتعليمية والسكنية وغيرها‏.‏ كما أجرت الصحيفة تغييرات عديدة في هيئة تحريرها‏,‏ حيث خفضت أقسامها إلي أربعة فقط‏,‏ هي‏:‏ الرياضة‏,‏ والأخبار‏,‏ والمال‏,‏ والحياة اليومية‏,‏ مع إلغاء منصب رئيس تحرير القسم‏,‏ علي أن يقوم رئيس تحرير الصحيفة بالإشراف علي هذه الأقسام بالتعاون مع رئيس كل قسم‏,‏ إلي جانب تأسيس قاعة واحدة تضم كل الصحفيين‏,‏ علي أن يعمل كل صحفي تحت إشراف رئيس قسمه الذي يطلق عليه مسمي محتوي‏Conten‏ في إشارة إلي الاهتمام بنوعية الخبر المقدم إلي القارئ عبر الهواتف الذكية الجديدة مثل آي باد‏.‏
وأقرت صحيفة واشنطن تايمز خطة تقوم علي طبع عدد محدود من نسختها الورقية لضمان البقاء وتوزيعها في مناطق منتقاة خصوصا في الهيئات التابعة للحكومة الفيدرالية والمؤسسات المهمة‏,‏ مع التركيز علي القضايا التي تتميز الصحيفة بتغطيتها لاسيما قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي‏,‏ وتقليص الاهتمام بالأخبار الرياضية والحياة اليومية‏.‏ كذلك اتجهت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور في أكتوبر‏2008,‏ إلي إلغاء نسختها الورقية والاكتفاء بنسخة إلكترونية علي موقعها علي الإنترنت علي أن تقوم بإصدار نسخة ورقية في الأسبوع‏,‏ وإرسال نسخة إلي المشتركين عبر البريد الإلكتروني من خلال برنامج بي دي إف‏PDF,‏ كما اكتفي عدد من المطبوعات مثل إنفو وورلد وبي سي وورلد بالصدور إلكترونيا فقط‏.‏
ومن ناحيتنا في الأهرام مع طائفة أخري من كبريات الصحف العالمية مثل آساهي اليابانية فإن الاتجاه كان الاستمرار في الصحافة المطبوعة مع وضعها في دائرة إعلامية أكبر ذات طبيعة متكاملة بحيث تنطلق الأخبار والتحليلات والقصص والمتابعات الصحفية المختلفة إلي ما يناسبها من وسائل رقمية أو ورقية أو فضائية حسب ما يناسب كل وسيلة منها من حيث السرعة والوقت والمساحة والعمق في المضمون للتعامل مع نوعيات متعددة من القراء والمشاهدين والمتابعين تحتاج عرضا متنوعا ومناسبا للقصة الجارية أو الحدث الجاري‏.‏ مثل هذا العمل المتكامل ما بين أنواع جديدة من الصحف‏,‏ وأنواع جديدة ومبتكرة من الكمبيوتر وتوابعه في عالم الاتصالات‏,‏ وأشكال فائرة من الفضائيات التليفزيونية العالية الدقة والثلاثية الأبعاد سوف تتطلب ثورة كاملة في الأشكال الحالية للمؤسسات الصحفية وتركيبتها القائمة علي صالة التحرير ذات الطبيعة الخطية من المحرر إلي القارئ‏,‏ وتحولها إلي شبكة عنكبوتية تتداخل فيها أشكال مختلفة من التعبير والتشكيل حتي تصل إلي قارئ ومشاهد ومتابع‏.‏
وربما كان التغير المادي علي تكلفته العالية أقل المشكلات التي تجري مواجهتها عند التجاوب مع هذه الثورة‏;‏ أما تغيير البشر والموارد البشرية في العموم فهو أكثرها صعوبة وعنتا حينما يسود الميل إلي تجاهل ما يجري من ثورة‏,‏ والاستسلام لوسائل الماضي باعتبارها تلك التي تناسب ظروفنا وأن ما جاء بغيرها هو إما جزء من مؤامرة أجنبية أو أنه مغادرة لما أعطانا إياه الآباء والأجداد من خصوصية متفردة‏.‏
ولكن هذه القصة في حد ذاتها ليست جديدة بالمرة‏,‏ فمنذ تم اختراع الطباعة‏,‏ وظهور الكتب ومن بعدها الصحافة والبرق والتلغراف والإذاعة والتليفزيون والثورات التكنولوجية المتعاقبة خلال العقدين الأخيرين فإن المقاومة للجديد كانت شرسة في كل مرة‏.‏ ولكن الحقيقة في النهاية‏,‏ وفي كل مرة‏,‏ هي أنه لا بديل عن قبول الأمر الواقع الوحيد‏:‏ التغيير في كل جوانبه‏!.‏الاهرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube