https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

لنفترض أن مجلس إدارة إحدى الشركات يبحث عن رئيس تنفيذي جديد، وبعد بحثمُضْنٍ وطويل يقرر أعضاء مجلس الإدارة اختيار وافد جديد على الصناعة، بزعمأن المرشح سيجعل الشركة رائدة في السوق مرة أخرى. وبالفعل، يطرح الرئيسالتنفيذي الجديد خططا كبرى، وينفق الأشهر الستة الأول في تفكيك وانتقادسياسات وممارسات الماضي، وأحيانا من دون تناغم أو سبب. ويستأجر الرئيس التنفيذي “رجالا مطيعين”، ربما من زملائه القدامى أوأصدقائه أو حتى أقاربه. ولأن خبراتهم لا تزيد كثيرا عن خبرة الرئيسالتنفيذي -فضلا عن الحوافز الوفيرة للتزلف والتقرب إلى رئيسهم- فإنهم لايقدمون مشورة سليمة. وحتى إذا فعلوا فإن الرئيس التنفيذي لن يأخذ بمشورتهم. وإذا أضفنا إلى هذا الافتقار إلى الشفافية، والانتهاكات الواضحة لأخلاقياتالعمل ومبادئ القيادة الأساسية، فسرعان ما تتراجع مصداقية الرئيس التنفيذي. وسرعان ما يُصاب المسؤولون التنفيذيون من ذوي الخبرة في الشركة بالإحباطفي مواجهة الحرس الجديد، ويرحلون في غضون بضعة أشهر. ويغذي هذا الفرار شعورا أوسع بالخوف وعدم اليقين بين الجميع، من المستثمرينإلى الموظفين، ثم يتعزز هذا الشعور بعد أن يُصبِح من الواضح أن الرئيسالتنفيذي لا يفي بالوعود التي بذلها خلال عملية المقابلة. وفي غضون ستة أشهر تنزلق الشركة إلى حالة من الفوضى. ويُصبِح من الواضح أنالرئيس التنفيذي جرى تعيينه على أساس ثرثرة وأحاديث صاخبة فارغة. وعند هذهالنقطة، نتوقع من مجلس الإدارة التصعيد وتوجيه اللوم إلى الرئيس التنفيذيالفاشل، إن لم يكن طرده من منصبه. وإذا لم يتحرك أعضاء مجلس الإدارة بالسرعة الكافية، فهناك مجموعة واسعة منالمبلغين عن الانتهاكات ومن النقابات والمدافعين عن المستهلك وغيرهم،لإعطائهم الدفعة اللازمة؛ وبهذا تعمل هذه المجموعة كنظام من الضوابطوالتوازنات. يتخيل ترمب نفسه رئيسا تنفيذيا لأميركا؛ والواقع أنه فاز بالرئاسة جزئيالأنه قدم نفسه باعتباره قطبا ناجحا من أقطاب عالَم الأعمال. وعلى هذا،ينبغي أن تجري محاسبته على أساس نفس المعيار الذي يُحاسَب على أساسه الرئيسالتنفيذي لأي شركة عامة كبيرة متعددة الجنسيات، أي المعيار الذي يرتفعبمرور الوقت نظرا لزيادة التدقيق في ممارسات حوكمة الشركات (رغم الجهودالتي يبذلها ترمب لإزالة الضوابط التنظيمية). ولكن حتى الآن، لم يُطَبَّق هذا المعيار؛ ففي الأشهر الستة الأول منرئاسته، خلف ترمب من الضرر ما لا يستطيع أن يحدثه أي مسؤول تنفيذي منفردا. ومن الواضح أنه انتهك كل قاعدة تحكم عمله في منصبه. فقد واجه دفقا متواصلامن الاكتشافات الفاضحة حول علاقات دائرته الداخلية مع روسيا. ولم ينتج أيإنجاز تشريعي كبير. وفي الواقع؛ يبدو أن كل أسبوع يأتي ومعه تطور جديد يكفي -بمفرده أوبالتضافر مع بقية التطورات- لإقالة الرئيس التنفيذي. على سبيل المثال، إذادخل أي رئيس تنفيذي إلى أي اجتماع بأقل قدر من الاطلاع على موضوع الاجتماع -كما يفعل ترمب عادة- وأخذ يتشدق بمعلومات متعالية فارغة ومغلوطة، فإنهسرعان ما يفقد احترامه خارج الشركة ودعمه داخلها. وما عليك إلا أن تسأل إليزابيث هولمز من شركة ثيرانوس التي حاولت بناءشركتها المتخصصة في اختبارات الدم على هراء وكلمات فارغة، وانتهت بها الحالإلى خسارة كل مصداقيتها. في الأعمال التجارية، يسارع المحيطون بالإمبراطور إلى إخباره عن حقيقةملابسه الجديدة، ما لم تكن شركة عائلية من النوع الذي أداره ترمب وتسبب فيإفلاسه كثيرا. وإدارة ترمب أشبه تماما بمثل هذه “الشركة”، وهذا يعني أن كبار موظفيه ليسلديهم بديل سوى الاستقالة في مواجهة الإدارة الهزيلة (أو التي ربما حتىتتحدى القانون). وكان سكرتير البيت الأبيض الصحفي شون سبايسر أول من يلقيبالمنشفة مستسلما، بعد ستة أشهر فقط في الوظيفة. ولن يكون الأخير. وعلاوة على ذلك، يُفسِح نادي الرفاق القدامى المجال أمام بيئة تتسم بقدرأكبر من المساءلة في مجال الأعمال؛ فقد ولت تلك الأيام التي كان فيها بوسعالرئيس التنفيذي أن يتعامل بعدم احترام مع الإناث بين الزملاء والمتعاملينمع الشركة، ويفلت من العقاب. ولكن رغم ذلك، وكما حدث مع التعليقات المروعة التي ألقاها قبل أن يُصبِحرئيسا؛ أفلت ترمب مؤخرا من العقاب بعد إهانة مراسلة إيرلندية (بمقاطعتهمكالمة مع رئيس وزراء إيرلندا لمناقشة مظهرها)، وزوجة رئيس فرنسا التي علقعلى بنية جسمها. والواقع أن مثل هذه التعليقات ليست غير لائقة وفظة تمامافحسب؛ بل إنها تُظهِر أيضا قدرا لا يُصَدَّق من فساد الذوق والحكم علىالأمور. في عالم الأعمال، لن يمر نمط من هذا القبيل دون أن يُلحَظ، وفي النهايةستضطر الشركة إلى اتخاذ الإجراء الواجب. وإذا لم يتمكن الرئيس التنفيذيلشركة ملابس أميركية من الإفلات من العقاب على مثل هذا التحرش؛ فلماذاينبغي لرئيس الولايات المتحدة أن يُفلِت؟على نحو مماثل، لماذا يُسمَح لترمب بممارسة ألعاب احتيالية في التعامل معصحة الناس ورفاهتهم، ومحاولة التسلط على زملائه في الكونغرس لحملهم علىالموافقة على مشروع قانون الرعاية الصحية الذي يقضي بحرمان الملايين منالتغطية الصحية؟عندما قام الرئيس التنفيذي السابق لشركة تورينج للمستحضرات الصيدلانيةمارتن شكريلي برفع سعر الدواء “دارابريم” المعالج لداء المقوسات -وهو دواءمُنقِذ للحياة بالنسبة لمرضى الأيدز- من 13.5 دولارا للقرص الواحد إلى 750دولارا؛ انهارت سمعته. واستقال في أعقاب ادعاءات بأنه خصص أموال شركات كانيعمل فيها سابقا لاستخدامات شخصية. والآن، يقضي شكريلي العديد من أيامه فيالمحكمة. على النقيض من ذلك، يظل ترمب آمنا في منصبه كرئيس، وهو ما يرجع جزئيا إلىالولاء الذي يبدو مطلقا من العديد من مؤيديه. فخلال حملته الانتخابية، أعلنترمب أنه حتى لو وقف في وسط الجادة الخامسة بمانهاتن وأطلق النار على شخصما، فإنه لن يخسر أيا من الناخبين. وهذه المرة على الأقل لم يكن ادعاؤهمجرد ثرثرة: فقد أشار استطلاع للآراء جرى مؤخرا إلى أن 45% من ناخبي ترمبلن يتخلوا عن تأييده إذا أطلق النار على شخص ما. بيد أن معدلات شعبية ترمب انخفضت إجمالا بشكل كبير، فبلغت مستويات متدنيةلم يقترب منها سوى رئيسين سابقين خلال الأشهر الستة الأول لهما في المنصب. وهذا يعني أن الأمر ينطوي على مشكلة أكثر جوهرية: فقد فشل نظام الضوابطوالتوازنات بأميركا حتى الآن في العمل بالقدر الذي تريده لها الولاياتالمتحدة -وكذلك العالم- من الفعالية. لقد أصبحت حوكمة الشركات أكثر صرامة، استنادا إلى الاعتراف المتناميبمسؤولية الشركات عن ضمان بيئة العمل الآمنة، وحظر عمل الأطفال، ومنعالدمار البيئي، وإنهاء ممارسات ضارة أخرى. وينبغي للإدارة السياسية أنتتحرك في نفس الاتجاه. إن ترمب فخور بكونه رجل أعمال؛ دعونا إذن نتعامل معهوفقا لذلك ونطلب منه أن يفارقنا.

روجيكت سينديكيت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube