https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

النقاش الدائر في غالبية الأوساط الغربية، وبعض الأوساط العربية حول الرئيسالروسي فلاديمير بوتين يركز على مسألة السعي نحو الحكم مدى الحياة، والبعضالآخر يبدي مخاوفه من عودة سباق التسلح، في ضوء ما أعلنه بوتين في «خطابالاتحاد» أخيراً في شأن القدرات الصاروخية غير المسبوقة، ويأتي ذلك وسطرؤية مشوشة تسود العالم حول كثير من القضايا والأزمات. على أن ما لا يريدالغرب طرحه أو مناقشته في شكل جاد هو لماذا سار بوتين فى هذا الاتجاه؟فعندما سقط الاتحاد السوفياتي؛ سارعت الولايات المتحدة الأميركية ومعهاالاتحاد الأوروبي في انتهاج سياسات استفزازية. ولم تكتف واشنطن بأنها أصبحتتتصدر المشهد العالمي، وإنما عملت على إذلال موسكو من أبعاد عدة، فأفترضتأولاً أنها تملك وحدها إدارة النظام الدولي ومنظمة الأمم المتحدة كما تريد،ومارست هذا لسنوات عدة. والأخطر من كل هذا هو التسارع المبالغ فيه في ضمدول حلف وارسو السابقة إلى الاتحاد الأوروبي، ثم تالياً ضم عدد منها إلىحلف الأطلنطي، ثم كانت حافة الهاوية عندما امتد الأمر إلى أوكرانيا؛الجمهورية البالغة الأهمية لروسيا من النواحي التاريخية والسياسيةوالجغرافية والاقتصادية، في سلوك على درجة كبيرة من الاستفزاز والغطرسة. تناسى الغرب درساً ربما لا يكاد يغيب عن أي من مؤلفات العلاقات الدوليةوالتنظيم الدولي الرئيسة، وهو المتعلق بمعاملة مؤتمر فرساي لألمانيا بعدهزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وغالبية هذه الكتابات حمّلت فرنساالمسؤولية الرئيسة في إذلال ألمانيا في مفاوضات ثم معاهدة فرساي، ولم تبرئبريطانيا من التجاوب مع فرنسا في هذا الصدد، وإن ادعى بعضها أن المملكةالمتحدة حاولت إثناء فرنسا عن هذه التوجهات، ولكنها تماشت معها في النهاية. أما الرئيس الأميركي ودرو ويلسون؛ المثالي أو مدّعي المثالية، فلم يكنسعيداً بهذا التوجه، ولكنه اضطر أيضاً إلى مجاراته. وعموماً اعتبرت غالبيةدراسات العلاقات الدولية والتاريخ أن إذلال ألمانيا وتركيعها كان سبباً فيظهور الحركة النازية وصعود أدولف هتلر، ووقوع الكارثة الأكبر في تاريخالبشرية حتى الآن وهي الحرب العالمية الثانية، التي وقع خلالها مِن الضحاياوالدمار ما لم تعرفه أي حرب أخرى في التاريخ من حيث الحجم والمدى. لا أعني مما سبق أن إذلال روسيا وصل إلى حد ما حدث مع ألمانيا، كما لا أظنشخصياً أن هناك حرباً عالمية ثالثة مقبلة، وإلا لكانت وقعت خلال التنافسبين العملاقين الأميركي والسوفياتي وذلك للأسباب المعروفة في هذا الصدد،ولكن من المؤكد أن التعالي والتصرفات الغربية اللاحقة على انهيار الاتحادالسوفياتي مسؤولة بدرجة ما عن التوجهات الروسية الحالية، فهذا التعاليالغربي كان وصل إلى مستويات لا مبرر لها، حتى على المستوى النفسي والدعائي،فكم هي الأفلام الأميركية التي تبارت في تصوير روسيا بعد سقوط الاتحادالسوفياتي كدولة فاشلة ترتع فيها المافيا والجريمة والدعارة، بل والفقرأيضاً، كم مرة تصرفت واشنطن في مجلس الأمن في السنوات التالية للانهيارالسوفياتي وكأن روسيا دولة صغيرة لا وزن لها ولا تأثير. ثم عندما تعافتروسيا تدريجاً وبدأت تعود إلى الساحة الدولية في شكل متصاعد، واصل الغرباستفزازاته وكانت مسألة أوكرانيا، وهنا أظن شخصياً أنه لو كان ما حدث معأوكرانيا، قد حدث شيء مشابه له في المكسيك أو كندا، لما ترددت الولاياتالمتحدة فى اجتياح البلدين بل ربما استخدمت قدراً غير مسبوق من العنفالعسكري. الكل يعرف أن إحدى حيثيات صعود وسيطرة بوتين على الساحة الروسية، أنه وفّرأموراً عدة لم تكن متاحة للشعب الروسي قبل وصوله إلى الحكم، أولاً الأمنوالاستقرار بعد فترة خطيرة غير مسبوقة في انهيار الأمن في البلاد، وثانيهاالتحسن الاقتصادي أيضاً بعد معاناة صعبة، وثالثاً والذي لا يقل أهمية، فهوالشعور الوطني بالعزة والكرامة، ومن يقرأ في تاريخ روسيا يعرف قوة الشعورالوطني، ولم يظهر تعبير روسيا الأم حديثاً ولا خلال الحقبة السوفياتية، بلهو تعبير يعود إلى روسيا القيصرية. عموماً لم يتعلم الغرب من دروسهوتجاربه، على رغم أنه ينصب نفسه دائماً معلماً للآخرين، فكرّر ما فعله معألمانيا، مثلما أخطأ ولايزال في ما يتعلق بمسألة استخدام وتوظيف الإسلامالسياسي بأداته الإرهابية، لتحقيق مصالح الغرب وإسرائيل حتى لو تضمّن هذاتهديداً محتملاً. يبقى السؤال الأهم وهو إذا كان الغرب بدرجة كبيرة مسؤولاًعن صعود التوجهات التنافسية الروسية، وإحياء هذه المشاعر لدى شعب تحكمهمشاعر الطموح والعزة القومية، فماذا يمكن أن يحدث في المستقبل، هنا نجدسؤالين، أولهما يتعلق بالتقاليد الديموقراطية في المجتمع الروسي، وهيتقاليد ضعيفة نسبياً؛ مقارنة بكثير من الأمم الأوروبية الأخرى، على أن هذاحديث ينطوي على درجة من التعميم، وربما يحتاج إلى أن نتناوله في سياقمنفصل. أما الأمر الثاني والذي سيمس الأوضاع الدولية وينعكس على العالمومنطقتنا، فهو مسألة سباق التسلح بين أميركا وروسيا، هنا يمكن أن نشير إلىملاحظات عدة: الملاحظة الأولى، أن ما يشار إليه من أن الاتحاد السوفياتيتعرض للسقوط بسبب الضغوط الاقتصادية لسباق التسلح وكذا أفغانستان صحيحولكنه لا يكفي، فهناك أسباب كثيرة معقدة تتعلق بفشل التصور الماركسياللينيني وعدم إمكانية أو صلاحيته للاستمرار، وما ارتبط به من أنماط للفسادوالتجمد البيروقراطي. الملاحظة الثانية، أنه على رغم استمرار تمتع الولايات المتحدة بمركزالصدارة الاقتصادية عالمياً حتى الآن، فإن هذا لا يعني صحة أوضاعهاالاقتصادية، والمؤكد قرب انتزاع الصين هذه المكانة خلال عقود زمنية قصيرةمقبلة، كما أن تشبع الاقتصاد الأميركي وتصاعد حدة المنافسة والعولمة كفيلةبأن تؤدي بسباق تسلح جديد إلى إنهاكها أيضاً وليس فقط موسكو ومن ثم التسريعبصعود الصين على قمة النظام العالمي. الملاحظة الثالثة، أن تجارب الحروب في العقود الأخيرة، وعلى رأسها حروبالولايات المتحدة وروسيا فى كثير من الجبهات، وعلى رأسها أفغانستان والعراقوسورية قد كشفت عن حدود استخدام القوة والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة،وأن ما ينفق عسكرياً حالياً وبخاصة من جانب الدولتين وبعض دول العالم، هومن الضخامة والسفه بحيث لا بد وأن تثار التساؤلات حول جدوى هذا الإنفاق،وما يدفع له من أثمان مالية واقتصادية واجتماعية، وفي التقدير أن هذاالعامل الأخير قد يهدئ إلى حد ما من أي اندفاع في سباق تسلح جنوني أوبالأدق أشد جنوناً مما هو الآن.

الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube