https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

تأليف: مجموعة باحثين

تقدم الباحثة نسرين مصطفى –عضو مجلس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية بمصر- في دراستها نبذة عن التيارات السياسية في إيران والشأن العام، والأساليب التي يتبعها النظام الحاكم  بشأن التيارات السياسية المخالفة، وتسلط الدراسة الضوء على التيارات الفكرية الجديدة التي كان لها دور في الحياة السياسية في إيران في الفترة من 2010 وحتى 2018، وتلقي مزيداً من الوصف والشرح والتحليل والاستقراء للتيارات السياسية، وعلاقة تلك التيارات بالنظام الحاكم في إيران، وتقدم رؤية استشرافية لدور تلك التيارات في الساحة السياسية في إيران.

وتشير إلى أبرز التيارات الفكرية في إيران التي تنقسم إلى تيارين أساسيين هما: التيار الأصولي المتشدد أو المحافظ المدعوم من النظام الإيراني ومؤسساته وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني وبيت خامنئي من جهة، والتيارين الإصلاحي والمعتدل (الليبرالي) من جهة أخرى. توصلت الدراسة إلى عدد من الرؤى الاستشرافية منها: أن الخطاب السياسي لمؤسسات الدولة لن يتخلى عن سياسة القبضة الحديدية،. وإن الشباب سيكون عاملاً فاعلاً في الحياة السياسية خلال الفترة القادمة. أما بخصوص دور المرأة فيها سيكون لها دور فاعل في الوقوف في الفعاليات القادمة. كما أن الأقليات في إيران ستكون عاملاً فاعلاً في المعادلة السياسية، وستتجه التيارات السياسية إلى كسب ودها. كما سيسعى الشارع لاختيار شخصية لا تنتمي لأي تيار سياسي حتى يمكن الاصطفاف خلفها والتعبير عن رأيه وطموحاته بعيداً عن المصالح والمواءمات السياسية. كما تشير الدراسة إلى أن التيار الإصلاحي أثبت فشله، لذا سيسعى للتحرك في اتجاه الجماهير لاحتواء غضبهم وتلبية رغباتهم، خصوصاً بعد أن أثبتت الاحتجاجات الفجوة بين الإصلاحيين والشارع الإيراني.

إيران بين حركتين احتجاجيتين 2009 و2017

تتعامل دراسة الباحث المصري محمد محسن أبو النور -متخصص في الشؤون الإيرانية- مع الحركتين على أنهما انفجار اجتماعي كبير، أو ظاهرة إنسانية مؤثرة في سيرورة الحياة السياسية بإيران، وتنأى بنفسها عن وصفها بـ«الانتفاضة» أو «الثورة» أو «العصيان» وما إلى ذلك من العبارات التي عادة ما تُشفع بالحركتين عند تحليل أصولهما وتحري مجراهما في حيزي السياسة والاجتماع من وسائل الإعلام المناهضة للنظام الإيراني أو التابعة له.

تقدم الدراسة مقارنة بين المحددات السياسية وانتشار الحركتين جغرافياً في عشر نقاط نلخصها في التالي: نقطتا انطلاق الحركتين مختلفتان، فالأولى اتخذت من العاصمة السياسية طهران مرتكزاً لها، بينما انطلقت الثانية من ميدان مغمور في مدينة مشهد عاصمة محافظة خراسان الرضوية. إحداهما من داخل النظام والأخرى من خارجه. الأولى اندلعت احتجاجاً -فقط- على نتائج الانتخابات الرئاسية، بينما بدأت الحركة الثانية فجأة لأسباب اقتصادية/ اجتماعية، ثم تصاعدت وتيرة الاحتجاجات ورُفِعَ سقفها السياسي وطالبت النظام بالرحيل. مكانة السياسة الخارجية في الحركتين متباينة، فالحركة الأولى لم تأتِ على ذكر السياسات الخارجية للنظام الحاكم بالمرة، بينما ركزت الحركة الثانية على السياسة الخارجية للنظام باعتبارها المسبب الرئيس لحالات الفقر والكساد وبوار الأراضي وانكماش رقعة الزراعة، على اعتبار أن إنفاق النظام على العمليات الخارجية، ودعم الجماعات المسلحة في اليمن وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين حد من جهود التنمية الداخلية. تباين النطاق الجغرافي للحركتين، فالأولى اندلعت في طهران وامتدت إلى عدد قليل من المدن الكبرى مثل شيراز وأصفهان وتبريز بينما شملت الحركة الثانية نحو (22) محافظة وعمت نحو (140) مدينة كبرى. تباين التمثيل الاجتماعي في الحركتين، فالأولى انطلقت من داخل الطبقات الوسطى وطبقات التكنوقراط والطبقات ما فوق الوسطى أما الثانية فقادتها طبقات متنوعة من الشعب، واحتلت الطبقات الدنيا نصيباً وافراً من المشهد. النظام قمع الحركة الأولى على اعتبار أنها نابعة من «الطبقات الميسورة» بينما كان قمع الحركة الثانية أكثر صعوبة بحكم أن المظاهرات قادها المهمشون والفقراء والريفيون وصغار العمال والحرفيون. تباين الظهير الشعبي الداعم لكل من الحركتين. حضور مكثف للمرأة في الحركتين. تباين تمثيل الشعوب غير الفارسية، فقد انحصرت مظاهرات 2009 في أربع مدن فقط هي: طهران، وأصفهان، وتبريز، وشيراز، وهي مدن معروفة بأغلبيتها الفارسية الكاسحة، أما في احتجاجات 2017 فقد شاركت –تقريباً- كل الشعوب غير الفارسية، ويتضح ذلك من خلال التوزيع الجغرافي للمدن المشاركة في الاحتجاجات، وعلى رأسها كرمنشاه، وسنندج (معقل القومية الكردية)، وأذربيجان (معقل القومية الأذرية- التركية) وغيرها. يعتبر الباحث أن الحركتين الاحتجاجيتين في 2009 و2017 هما أضخم انفجارين اجتماعيين واجها نظام ولاية الفقيه في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبالرغم من الاختلافات البنيوية الغائرة بين المكونات الإثنولوجية والجيوبولوتيكية في الحركتين، وما أسفر عنهما من نتائج مباشرة؛ فإنهما كذلك يلتقيان في عدد من المرتكزات الرئيسة والأساسية، منها: ازدياد النقمة الاجتماعية على النظام، واتساع رقعة الرفض المجتعمي لآليات عمل المؤسسات الدستورية والقانونية والأمنية في البلاد، إلى جانب الربط المجتمعي المستحدث بين الأزمات الاقتصادية والتنموية الداخلية كعَرَضْ، والسياسات الخارجية للبلاد كمرض يتسبب في العرض الظاهر بالمجتمع من الداخل.

يرى الباحث أن هذه الاحتجاجات تؤدي إلى تنامي أزمة النظام بالمجتمع الإيراني، بحيث يبدو النظام عاجزاً أو غير راضٍ عن وضع حلول لتلك الأزمات في ضوء السقف المرتفع لمطالب المتظاهرين، خصوصاً أنهم طالبوا بإسقاط النظام رأساً؛ مما ينذر بمزيد من الأزمات وتعميق التدهور الحاصل في القطاع المصرفي وقطاعات اقتصاد البلاد الحساسة، مع دخول الحزمة الأولى من العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ. كما يشير الباحث إلى أنه ليس من المستبعد أن يتمكن المتظاهرون من الشعوب غير الفارسية (عرب تركمان بلوش أكراد أذر) من تكوين تحالفات مع القومية الفارسية لمحاولة تغيير النظام، ويمكن التنبؤ بذلك من خلال الدعم الأمريكي والدولي الكبير الذي يصب في تلك الزاوية.

القدرات العسكرية الإيرانية: نقاط الضعف

تناول الباحث المصري محمد حسن –المتخصص في الشؤون العسكرية، والسياسات الدفاعية- في دراسته نقاط الضعف في القدرات العسكرية الإيرانية. ويشير الباحث إلى أنه مع قدوم موجات الثورات العربية بداية عام 2011، أصبحت السياسة الخارجية لإيران أكثر إثارة للجدل إقليمياً وعالمياً. فانتقلت إيران من مرحلة ملء الفراغ الأيديولوجي إلى ملء الفراغ الاستراتيجي العسكري بالشرق الأوسط كنتيجة مباشرة لمغادرة كل من العراق وسوريا لمعادلة القوة العربية، والتنافس مع تركيا وإسرائيل على الدولة المركز في الإقليم. وسعت لذلك ضمن سياق استراتيجية عظمى (Grand Strategy) كان للقوة الصلبة العسكرية دور فاصل فيها، لتحقيق وتأمين الدرع المذهبية حول الاتجاهات الاستراتيجية لإيران، وبناء المجال الحيوي لها على وقع موجات التغيير الديموغرافي المصاحب لمسارات الحرب السورية، وتدهور الحالة الأمنية للعراق إبان بدء تنظيم الدولة الإسلامية نشاطه الإرهابي 2014. مما يعني تدخلاً عميقاً في دول الجوار، وانطلاقة إيرانية خارج الحدود لم تشهدها إيران منذ العهد الفارسي، مما ألقى بالضوء على القدرات العسكرية الإيرانية التي واكبت السياسة الخارجية التوسعية، والظرف الاستراتيجي الحالي المتمثل في اهتراء منظومة الأمن الإقليمي، فضلاً عن احتلالها مساحة كبرى في وثيقة الأمن القومي الأمريكي 2018، إذ وضعت تلك الاستراتيجية إيران موضع العداء المباشر للولايات المتحدة نتيجة لسياساتها بالمنطقة، وتطويرها لترساناتها الدفاعية والهجومية، وخصوصاً الصاروخية الاستراتيجية، والسعي لامتلاك قدرات نووية بالتوازي مع استمرار تطوير برنامجها الباليستي على نحو يُخل بتوازن القوى، والأمن والسلم الإقليميين والدوليين. تنطلق الورقة البحثية من فرضية أن السياسة الخارجية التوسعية لإيران، وردائها الأيديولوجي الثوري، القائم على أسس عقائدية، هي من تفرض وتحدد شكل وسقف القدرات العسكرية لإيران ضمن جملة مؤثرات سياسية واقتصادية داخلية وخارجية مُرَكّبَة، وليس العكس كما يُشاع. بيد أن معالجة نقاط الضعف ومكامن القوة لهذه القدرات العسكرية ستصبح ناقصة حال عدم التعرض للنظام السياسي الذي أفرزته الثورة الإيرانية، ليصبح التصميم المعقد الذي من خلاله وعبر قنواته العديدة تصدر القرارات والسياسات العامة المتعلقة بالقدرات العسكرية وخطط إنمائها على المدى الاستراتيجي البعيد. ومن ثم، المعالجة المباشرة للقدرات العسكرية للجمهورية الإسلامية ضمن سياقات التنافس على الدولة المركز في الإقليم، وتبعاتها من المواجهات العسكرية الخاطفة والحروب الجارية، والصراعات المحتملة بالأطراف الحيوية لإقليم الشرق الأوسط. يستعرض الباحث بالأرقام القدرات العسكرية البرية والبحرية والجوية، كما أبرز حلقات اتخاذ القرار الاستراتيجي فيه، وبعد تفنيد المؤسسات العسكرية الرئيسة التي أفرزها هذا النظام، يقيّم الباحث المؤسسات بقدراتها الدفاعية ضمن سياقات التنافس الإقليمي الحالي، من حيث الموقع الجغرافي، وجود النفط، والحرب اللامتماثلة، والبرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وكروز، التعبئة العامة والدعم اللوجيستي، العقيدة العسكرية التي يتبعها النظام.

الدولة الموازية للحرس الثوري في إيران

تلقي دراسة عمرو الديب -باحث مصري متخصص في شؤون الشرق الأوسط وروسيا- الضوء على الدور السياسي، والعسكري والاقتصادي للحرس الثوري الإيراني. فيتناول مواضيع: نشأة وتكوين قوات الحرس الثوري الإيراني، والهيكل التنظيمي الخاص به والتشكيلات العسكرية، والدور السياسي والعسكري والاقتصادي الذي يلعبه الحرس الثوري. كما تبرز الدراسة حالة الصراع الدائر بين الحرس الثوري ومؤسسة الرئاسة بإيران. ويشير الباحث إلى المواثيق واللوائح المنظمة لعمل الحرس الثوري التي حددت بشكل غامض المهام التي تم إلزامها بها. مما فتح الباب لزيادة المهام والمسؤوليات على مدى (40) عاماً من عمر الثورة الإسلامية في إيران. أيضا بسبب هذا الغموض، اختلفت النخب السياسية على واجبات ومسؤوليات الحرس الثوري الإيراني، بينما قام القادة باستمرار بزيادة نطاق مهام الحرس الثوري الإيراني. ومن ثم، اتسعت اهتمامات الحرس الثوري لتشمل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي حوَّلتها بشكل لا مناص منه، إلى فاعل سياسي ينظر إلى التطورات في إيران من خلال منظور أيديولوجيتها. كما أن النظرة الأيديولوجية/ السياسية للحرس الثوري الإيراني قد جرّته أيضًا إلى المجال السياسي، وأصبح الحرس الثوري الإسلامي أهم نخبة سياسية- عسكرية وحتى اقتصادية في إيران. ويرى الباحث أن توغل الحرس الثوري في الحياة السياسية الإيرانية كان منذ فترة الرئيس بني صدر، مرورا بالرئيس رفسنجاني، ونجاد، وأخيرا بالرئيس روحاني. وكانت دائما الكلمة العليا في أي خلاف لقوات حرس الثورة، نظرا للقوة العسكرية الكبيرة لها ونظرا لسيطرتها على مفاصل الدولة الإيرانية السياسية، الاقتصادية والإدارية. وباستمرار الدور السياسي الفعال لقوات حرس الثورة في ثمانينيات القرن الماضي، جعلها تدخل المجال الاقتصادي في بداية حكم رفسنجاني، وجعلها تستوحش اقتصاديا في الفترة الأولى من رئاسة نجاد. فلولا وجود الدور السياسي ما كان ظهر الدور الاقتصادي للحرس الثوري، والآن العكس صحيح. وبذلك تحولت قوات الحرس الثوري من دور الحارس على الثورة إلى دور النخبة المتحكمة والمناوئة لمؤسسة الرئاسة في تسيير أمور الحكم في إيران. امتلاك الحرس الثوري الإيراني لقوات عسكرية (برية، جوية، بحرية، قوات خاصة ومخابرات خاصة) وامتلاكه لكيانات اقتصادية عملاقة، بالإضافة إلى التحكم في السياسة الداخلية والخارجية لإيران، يجعله جمهورية مستقلة داخل الدولة الإيرانية. يشير الباحث إلى أن هذا الوضع السياسي يجعل من مسألة تحجيمها أمراً ليس سهلاً في المستقبل، ما دامت دولة ولايه الفقيه قائمة.

محددات الأزمات المالية في رئاسة حسن روحاني

 استعرضت الباحثة المصرية المتخصصة في تحليل السياسات الاقتصادية الدولية: ياسمين سمرة، محددات الأزمات المالية في رئاسة حسن روحاني. فترى أنه قبل صعود الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى الرئاسة في 2013 عانت قطاعات الاقتصاد الإيراني من عدد من المشكلات، تمثل أهمها في تهاوي العملة، ومعدلات نمو سلبية، وتضخم تجاوز (35%)، لكن الرئيس الإصلاحي تمكن في بداية ولايته من تقليص الانكماش الاقتصادي إلى أقل من (2%) بعدما بلغ (7%) في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. هذا السيناريو المتفائل الذي رسمه روحاني بعد نجاح الاتفاق مع الغرب أطاح به انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الاتفاق النووي 8 مايو (أيار) 2018، معلنا إعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران التي تعاني داخلياً من محاولات بائسة للسيطرة على موجات احتجاجية عارمة بدأت في 27 ديسمبر (كانون الأول) 2017؛ اعتراضاً على الأوضاع الاقتصادية المتردية والمطالبة بتوجيه التمويلات لدعم الاقتصاد المحلي بدلاً من تمويل الحروب والنزاعات الإقليمية في سوريا والعراق وغيرهما. وتشير الباحثة إلى أن إيران أمام خيارات محدودة في تلك الأزمة، الأول: ترقب انتظار ضمانات كافية من الدول الأوروبية التي لم ترحب بقرار ترمب للحفاظ على مكتسبات إيران من الاتفاق، وانتزاع تلك الدول تعهدات من البيت الأبيض، باستثناء شركاتها العاملة في السوق الإيرانية في القطاعات التي تحظرها العقوبات الأمريكية، لكن يبدو أن هذا المسار مستبعد في ظل تمسك واشنطن باستراتيجية جديدة تتضمن ضغوطا قصوى وغير مسبوقة على إيران، وتحذيرها بأن الشركات الأوروبية التي ستقوم بأعمال في إيران في قطاعات تحظرها العقوبات الأمريكية «ستتحمل المسؤولية». على الرغم من أن هناك توقعات بأن الاتحاد الأوروبي سيلجأ إلى «تشريع مانع» لحماية الشركات الأوروبية المتعاملة مع إيران من العقوبات الأمريكية، وهو الإجراء نفسه الذي اتخذه التكتل الأوروبي عندما رفع العقوبات عن كوبا، فيما استمرت العقوبات الأمريكية، إلا أن هذا الإجراء قد لا يجد طريقه في ظل عزم الإدارة الأمريكية على إحكام قبضتها على إيران واستراتيجيتها للوصول بصادرات النفط الإيراني إلى صفر، أو ما يعرف بالتصفير النفطي، إذ تفكر واشنطن في عدم منح استثناءات هذه المرة لأي من مستوردي النفط الإيراني، على عكس ما قبل اتفاق 2015. أما السيناريو الأكثر ترجيحاً فهو أن طهران ستضطر في نهاية المطاف بعد أن تتجرع آلام العقوبات مجدداً أن تقدم تنازلات لاسترضاء إدارة ترمب، بالجلوس من جديد على طاولة المفاوضات لتعديل الاتفاق النووي أو لإبرام اتفاق جديد. ما يرجح كفة هذا الاحتمال هي الأوضاع الداخلية التي يواجهها النظام بالتزامن مع أزمة الاتفاق النووي، فالضغوط الداخلية غير مسبوقة، وثمة مخاوف من تصاعد الموجات الاحتجاجية التي امتدت للتجار الأثرياء في قلب طهران، المعروفين بدعمهم التاريخي للنظام الحالي منذ الثورة الإسلامية. وإنه من شبه المؤكد أن الأوضاع الاقتصادية ستزداد سوءاً مع تزايد الضغوط التضخمية، واستمرار نزيف العملة المحلية المهددة بمزيد من الخسائر مع سريان العقوبات التي تشمل صادرات النفط.

الموقف مِن الأقليات.. التباين داخل الفكر الإسلامي في إيران

تسعى دراسة محمد السيد الصياد -باحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية بالرياض- إلى بيان طروحات وتجاذبات المراجع والتيارات الدينية الرئيسة في إيران تُجاه الأقليات الدينية، وبيان ما يعتمده ويُقره النظام السياسي من طرح ومن فعل تجاه الأقليات عموماً وأهل السُنّة خصوصاً بوصفهم الأقلية الأكبر في إيران.

في عهد الشاه كان وضع الأقليات الدينية خصوصاً السنّية منها سيئاً للغاية من ناحية الحقوق السياسية والاجتماعية، ولذا كانت الأقليات تطالب بحقوقها وشاركت في الثورة مع باقي فصائل الشعب أملاً أن تغير الثورة من أوضاعهم. لكن وبعد الثورة كُرّست مظلوميتهم في الدستور، أي تمّ دسترة ما يتعرضون له من مظلومية وسلب للحقوق السياسية والدينية.

يقدم الباحث نظرة سريعة على خريطة الحياة الدينية في إيران، فيقول: إنّ التيارات الدينية تنقسم إلى قسمين بالنسبة لموقفها من الأقليات، وخصوصاً أهل السنّة بوصفهم الأقلية الأكبر وذات التاريخ العريق في إيران. أولهما: التيار الإصلاحي الذي يمتدّ بجذوره إلى الميرزا النائينيّ وأنصار المشروطة، ويدخل ضمن هذا التيار التيارات الفكرية الحداثية والليبرالية على اختلاف بينها. والثاني: التيار المحافظ الذي يمتدّ أيضاً بجذوره إلى أنصار المستبدة والشيخ فضل الله النوري، ويدخل في هذا التيار التيارات الراديكالية الشيعية كافة على خلاف بينها.

يرى الباحث أنّ استراتيجية المحافظين سوف تستمر تجاه الأقليات وعلى رأسهم أهل السنّة، ذلك أنّ السلطة والتيار المحافظ لا يريدون تقارباً حقيقياً مع الداخل السني فضلاً عن الخارج السني، ذلك أن هذه النظرة هي نتاج قناعات طروحاتهم ورؤيتهم السياسية والفقهية، المبنية على تأسيساتهم المذهبية والحوزوية، وهي نتاج طبيعي لنظرية ولاية الفقيه بمخرجاتها ومقتضياتها.

خلافة خامنئي وأثرها في النخبة الحاكمة في إيران

يقول الباحث الروسي كيريل دجافلاخ -متخصص في الشؤون الإيرانية في مركز “رياليست” للدراسات السياسية والاستراتيجية بموسكو- في دراسته: إن الزعيم الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية (خامنئي) يبلغ من العمر (78) عاماً، مهتم بالانتقال السلمي للسلطة بعد رحيله والحفاظ على النظام الإسلامي في إيران. إلا أن هناك مجموعة متشابكة من التناقضات داخل النخبة الحاكمة الإيرانية، ما بين كبر سن الأعضاء البارزين للثورة الإسلامية، والضغط الخارجي المستمر على طهران وتزايد السخط الشعبي على القيادات الإيرانية، والذى نراه في تزايد وتيرة الاحتجاجات في الشوارع، مما يثير العديد من التساؤلات حول مستقبل الجمهورية الإسلامية بعد علي خامنئي. فيطرح الباحث التساؤل التالي: ما بعد خامنئي، ما الذي تنتظره إيران؟

في الوقت الحاضر، هناك سيناريوهان كبيران لشكل إيران في حقبة ما بعد خامنئي. السيناريو الأول يفترض الحفاظ على النظام الإسلامي. هنا نكون أمام تغيير القيادة طبقاً لأحكام الدستور. في هذه الحالة، هناك العديد من الخيارات: خيار «المرشد الوريث»، خيار «المرشد ولي العهد» أو خيار إنشاء مجلس إدارة جماعي- مجلس أعلى. وفي هذا السيناريو يمكن أن يستمر تطوير النظام الإسلامي عن طريق الإصلاحات التدريجية التي تطيل من عمر «سلطات آية الله» إلا أنه إذا تم اتباع سياسة «تشديد الخناق» من قبل السلطات الإيرانية، فسيؤدي ذلك حتما إلى تسريع انهيار النظام. السيناريو الثاني، يفترض حدوث تحولات جذرية، ستكون عواقبها تفكيك النظام الإسلامي، الأيديولوجي والنظام السياسي. يمكن أن تحدث مثل هذه التغييرات في حالة التدخل العسكري ضد إيران أو في حالة الانقلاب العسكري. بالتالي من الممكن أن يتحول النظام السياسي الإيراني إلى الأشكال التالية: جمهورية رئاسية أو برلمانية. إلا أن من المرجح أن يتحول النظام إلى الديكتاتورية العسكرية، خصوصا في الفترة الانتقالية ومن بين الخيارات الأقل احتمالا: استعادة الملكية.

تغيرت أسس وسلوك ومطالب الإيرانيين التي حدثت في المجتمع الإيراني منذ وصول خامنئي إلى السلطة، فأصبحت لا تتناسب رغبات الشباب الإيراني مع إطار النظام الإسلامي المفروض. وإن محاولات السلطات لفرض سيطرتها الكاملة على المواطنين، تتعرض لخطر متزايد وتؤدي فقط إلى نجاح قصير الأجل. تواجه النخبة الإيرانية خيارًا صعباً بين الإصلاح الجذري للنظام الحالي أو انهيار النظام. إلا أن عامل الاستقرار الذي يوحد جميع مجموعات النخبة هو علي خامنئي. إلى حد ما، فإن استمر خامنئي على قيد الحياة، فإن الجمهورية الإسلامية هي أيضاً ستستمر على قيد الحياة. لأن تحول النظام بعد وفاته، من الممكن أن يُفقد إيران الكثير من سلطتها ونفوذها، وبالتالي تؤدي إلى خسائر في طموحاتها الإقليمية الإيرانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube