https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

كتب محمد خير الوادي :
محظوظة المانيا بوجود زعيمة سياسية مثل ميركل .
فهذه المرأة قادت بلادها الى قمة التطور ، وانقذت المانيا  واوربا من تفشي الطاعون الشعبوي  القومي العنصري الذي جمع  بقايا النازيين والعنصريين في حركة البديل الثالث .
لقد حاول هؤلاء اسقاط ميركل ومعها التجربة الديمقراطية ذات الوجه الانساني .لم تستخدم المستشارة الالمانية العنف ضد معارضيها ، بل لجأت الى صناديق الاقتراع لكشف حقيقة الشعبويين المزيفة ، وتنفيس شعاراتهم القومية المتورمة . وكانت النتيجة ان سقط البديل الثالث ، وبقيت ميركل ممسكة بزمام الامور . كم قادت ميركل معركة انقاذ اوربا ثلاث مرات : الاولى خلال الازمة الاقتصادية الي عصفت ببعض دول القارة العجوز قبل خمس سنوات وفي طليعتها اليونان التي تعيش على اوهام عظمة الماضي الاغريقي والبيزنطي . وهنا طبقت ميركل مبدأ غاندي : بدل ان تقدم للفقيرطعاما جاهزا ،اعطه مغزلا ليعمل به ويوفر سبل الحياة الكريمة .فمنحت اليونان وغيرها من دول اوربا المأزومة قروضا سخية مكنتها من النهوض من جديد . والمرة الثانية كانت عندما اجتاح وباء الشعبوية اوربا قبل ثلاث سنوات . كانت الشعبوية خطرا حقيقيا داهما ساندته قوى العالم الكبرى : دعمه ترامب -الشعبوي الاول ، والكاره لاوربا القوية الموحدة ،والذي رحب بخروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي. ووجد شعبيو اوربا القوميون الكارهون لاوربا الموحدة ، حليفا قويا لهم هذه المرة هو بوتين ،الذي يعتبر نفسه بطرس روسيا ومنقذها ، وينظر بحسد الى بقاء جيرانه الاوربيين موحدين وديمقراطيين . وعثر شعبويو اوربا على حليف جديد غير منتظر في الصين، الطامحة الى فرض انموذجها الشمولي على العالم بما فيه اوربا . ولذلك ، عملت على شق اوربا عندما اجتذبت بكين بقروضها دول اوربا الشرقية وانفقت عليهم بسخاء ، وتقربت من ضعفاء اوربا الغربية وعلى رأسهم اليونان وايطااليا اللتان تم دمجهما في مشروع الحزام والطريق الصيني . والمرة الثالثة والاخطر التي انقذت فيها ميركل اوربا ، تجلت في اخراج دول القارة من تبعات ازمة كورونا الخطيرة . لقد راهن الجميع- من امريكا الى بريطانيا وروسيا والصين ، على انهيار الوحدة الاوربية ،وروجوا لمقولات مفادها ، ان هذه القمة ستكون الاخيرة ، وان هذه القارة مقبلة على مرحلة جديدة من التفتت والتشرذم والتناحر . وحدها ميركل كانت تؤمن وتثق ببقاء اوربا موحدة. وقد عكست ثقتها هذه هذ خلال القمة الاخيرة لدول الاتحاد الاوربي . لقد انطلقت المستشارة الالماني خلال القمة من مباديء اهمها ، ان الاخفاق ممنوع ، وان المشكلات كلها قابلة للحل ، وان التسوية يجب ان تعود بالفائدة على دول القارة كلها ، وانه ينبغي ان لا يكون هناك طرف خاسر يشعر بالضيم بين الدول الاوربية. خلال خمسة ايام عاصفة ، تخاصم قادة اوربا ، وكالوا لبعضهم الاتهامات الساخنة وانقسموا الى معسكرين : دول غنية مانحة تربط مساعداتها بشروط قاسية ، ودول متضررة متلهفة لتلقي الهبات. وكانت ميركل بمثابة الجسر بين المعسكرين ، ساعدها في ذلك مكرون رئيس فرنسا . وفتحت ميركل خزائن المانيا الغنية لدول اوربا المحتاجة، واقنعت الدول الغنية الاخرى بموقفها. وفي النهاية تم الوصول التى اتفاق تاريخي انقذ اوربا من الانهيار ، واقنع متردديها بفائدة الوحدة والعمل الجماعي، ونجت اوربا من كابوس التفتت والاختفاء . نجحت ميركل في انقاذ المانيا واوربا ،لانها كانت محط ثقة واحترام . لم يلوثها الفساد والغرور ، وعاشت حياة بسيطة شفافة في شقة متواضعة ، تذهب بنفسها لتأمين احتياجاتها المنزلية .لم نسمع ان اقرباءها أواصدقاءها احتلوا مواقع مهمة في السلطة وكدسوا الثروات. اتخذت المستشارة الالمانية موقفا انسانيا شجاعا يسجل لها ،عندما فتحت حدود المانيا امام افواج اللاجئين المعذبين الهائمين على وجوههم في اربع جهات الارض ،واكرمت وفادتهم وقدمت لهم يد العون ، في الوقت الذي اوصدت دول العالم كله ابوابها في وجههم ، ونبذتهم وحرضت عليهم واعتبرتهم طاعونا ارهابيا . لم تعشق ميركل حياة القصور ولم تغرها مفاتن السلطة، بل اختارت ان تدخل التاريخ من اوسع ابوابه ، كمنقذ لبلادها واوربا ،وكرمز يتحتذى به في الالتزام بقيم الانسانية والديمقراطية والتواضع .واختم مقالتي بحادثة ذات مغزى عميق . عام 2007 ، اصطحب بوتين كلبه معه الى مؤتمر صحفي مشترك مع ميركل ،وهو يعرف مسبقا انها تخشى الكلاب.وفسر مراقبون تصرف بوتين المقصود هذا على انه محاولة لارباك ميركل وبث الرعب فيها والتأثير على موقفها .لكن ميركل تجاهلت تماما وجود الكلب . بعد القمة طلب الصحفيون من المستشارة الالمانية التعليق على تصرف بوتين ، فاجابت : “أنا أفهم لماذا قام بذلك – ليثبت أنه رجل … إنه يخاف من ضعفه !” . انها حقا امرأة بالف قائد . 26/7/2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube