https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

في أولى جولاته الخارجية منذ توليه مهام رئاسة الوزراء الشهر الماضي، شرع رئيس الوزراء الياباني الجديد شينزو آبي اليوم (الأربعاء) في زيارة تستغرق أربعة أيام إلى ثلاث دول في جنوب شرق آسيا، بدأت من خلالها تتضح ملامح سياسته الخارجية والمتمثلة في تشكيل “قوس من الإحتواء يرتسم حول الصين”.

وقال المحللون الصينيون إن سياسة “إحتواء الصين” التي ينتهجها آبي تهدف إلى إيجاد أوراق مساومة سياسية مع الصين بشأن قضية جزر دياويو عن طريق فرض ضغوط عليها من دول الجوار، وتأتى في إطار جهود آبي لكسب تأييد الشعب الياباني له. ولكن إذا أخطأ آبى في تقييم الوضع، وانجرف أبعد من ذلك في تياره اليميني، فلا يلومن إلا نفسه إذا ما أهلك نظامه بيديه.

— آبي .. ورغبة كامنة في رسم قوس حول الصين

كان آبي قد طرح في فترة ولايته الأولى ، أي في نهاية عام 2006، سياسة خارجية جديدة يطلق عليها اسم”قوس من الحرية والإزدهار”، تهدف في المقام الأول إلى توحيد صفوف كوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا والهند وتركيا وبعض الدول الأوروبية على أساس مفاهيم القيم المشتركة لرسم “قوس إحتواء حول الصين”. وإذا بآبي يعلن في فترة ولايته الثانية عن طرح هذه السياسة مرة أخرى ولكن تحت مسمى مختلف وهو “قوس الحرية عبر المحيط”، سياسة تعمل اعتمادا على القوات الأمريكية وتوحيد صفوف اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وفيتنام وأستراليا وتايلاند وميانمار والهند، وإذا أمكن روسيا، لتشكيل “دائرة حول الصين” تريد اليابان من خلالها “الدفاع ” عن جزر دياويو.

فلم يمض على تولي آبي لمهام منصبه شهر واحد حتى قام بسلسلة من التحركات الدبلوماسية الخارجية. ففي يناير الجاري، حاول آبى القيام بزيارة للولايات المتحدة، ولكنها ألغيت نظرا لازدحام جدول أعمال أوباما. فعدل آبي من خطته ليبدأ أولى جولاته الخارجية بزيارة فيتنام وتايلاند وإندونيسيا فيما زار نائبه تارو آسو ميانمار وزار وزير خارجيته فوميو كيشيدا الفلبين وسنغافورة وبروناي وأستراليا. كما أوفد مبعوثا خاصا إلى كوريا الجنوبية لمقابلة الرئيسة المنتخبة بارك جيون-هي. وأجرى اتصالات هاتفية مع زعماء روسيا وأستراليا والهند وغيرهم من زعماء الدول المجاورة للصين.

وفي معرض تعليقه على تحركات آبي الدبلوماسية، قال فنغ وي الباحث في مركز الدراسات اليابانية بجامعة فودان بمدينة شانغهاي إنها بداية لتنفيذ فكرته حول تشكيل “قوس إحتواء حول الصين” يمتد من منغوليا إلى جنوب آسيا ليحيط بالصين من جميع الجهات، وأن ثمة مغاز استراتيجية واقتصادية يابانية تنطوى على هذه التصرفات.

وفسر السيد فنغ رؤيته قائلا إن آبى بدأ يستغل خلافات بين الصين وبعض دول جنوب شرق آسيا بغية تشكيل تحالف مع تلك الدول ضد الصين في المنطقة وذلك بالتزامن مع إعلان الولايات المتحدة استراتيجيتة “العودة إلى منطقة آسيا-الباسيفيك” وعدم توقف الاحتكاكات بشأن بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي.

وعلاوة على المغزى الاستراتيجي ، لفت فنغ وي إلى أن تصرفات آبي في جنوب شرق آسيا تنطوى على أهداف اقتصادية في ضوء رغبة الكثير من الشركات اليابانية في تحويل مركز استثماراتها من الصين إلى تلك المنطقة نظرا للعلاقات المعقدة بين الصين واليابان وارتفاع سعر الأيدي العاملة في الصين، ولهذا ترى اليابان أن عدم الاعتماد بصورة شاملة على الصين وتشكيل “قوس حولها” يصبان في صالح نموها الاقتصادي وبالتالي أمنها القومي.

بيد أن اليابان لا ينبغى أن تنسى أنها لن تجد من هذه الدول بديلا عن السوق الصينية التي تتسم بكبر حجمها وبتمتعها ببنية تحتية ناضجة وبموارد وكوادر وفيرة، فضلا عن أن الكثير من الاستثمارات اليابانية في الصين مرتبطة بالسلسلة الصناعية الضخمة التي يتعذر نقلها.

— آبي .. وانجراف أبعد في التيار اليميني

ومنذ صعود آبي إلى رئاسة الوزراء، أعرب عن نيته في تحسين العلاقات الصينية – اليابانية، ولكن أفعاله لم تصدق أقواله، إذ ينهمك في زيارات خارجية “ذات مأرب محددة” ويصر على التشبث بسياسته حيال قضية دياويو، فكيف يعتزم إذن تحسين هذه العلاقات؟

ووصل حد التصعيد في العلاقات إلى درجة أن تقارير إعلامية يابانية أفادت بأن اليابان أعلنت عزمها على إطلاق “طلقات تحذيرية” إذا ما واجهت طائرة مراقبة صينية فوق جزر دياويو وذلك بعدما ارسلت مقاتلات لمواجهة عدد من الطائرات الحربية الصينية التي تحلق في “منطقة الدفاع الجوي” لليابان فوق بحر الصين الشرقي.

كما أنه في 7 يناير الجاري، وافق قسم الدفاع الوطني بالحزب الديمقراطي الليبرالي، الحزب الحاكم في اليابان، على زيادة الإنفاق الدفاعي بما يقرب من 120 مليار ين (1.37 مليار دولار أمريكي) في العام المالي القادم من 4.71 تريليون ين بموجب الميزانية الأولية للعام المالي 2012. وذلك يعكس عزم طوكيو على رفع مستوى قوات الدفاع الذاتي اليابانية .

ومن جانبه قال وو تشنغ لونغ، نائب رئيس اللجنة الوطنية الصينية لتعزيز التعاون الاقتصادي في منطقة الباسيفيك، إن كل تحركات آبي بعد توليه منصبه ترجع إلى استعجاله في إظهار تمثيله لتيار الصقور وكسب ثقة الشعب الياباني، إذ أن فوز الحزب الليبرالي الديمقراطي الذي ينتمي إليه آبي في الانتخابات لم يكن بفضل ثقة الشعب، بل نتيجة سوء أداء الحزب الديمقراطي في الفترة الماضية.

ويضيف السيد وو إن آبي يعرف بوضوح أنه إذا أراد إطالة عمره في رئاسة الوزراء، فلا بد أن يحقق انجازات ما لكسب الدعم الشعبي، لهذا يتصرف في مسألة العلاقات مع الصين وطرحه لسياسة “إحتوائها” كـ “المريض المعذب إلى كل طبيب يذهب”.

-آبي.. وسياسات مستفزة لا تجد مستجيبا

وردا على التقارير الإعلامية اليابانية السالف ذكرها، قال هونغ لي المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إن الطائرات الحربية الصينية قامت في الواقع بـ”طلعات روتينية” فوق بحر الصين الشرقي، مشيرا إلى أن الصين تعارض بشدة تحركات اليابان لتصعيد الموقف وخلق التوترات.

وذكر وو أن سياسة آبى “لإحتواء الصين” لن تصل في نهاية المطاف إلى أى نتيجة. فرغم أن سياسة آبى تغطى نطاقا واسعا في جنوب شرق آسيا، إلا أن الدول التي يمكن أن تتبعها لرسم “القوس” ليست بالكثيرة على الإطلاق .

وعرض وو وجهة نظره في نقطتين أولهما أن آبى يهتم بضم كوريا الجنوبية وبعض دول جنوب شرق آسيا إلى ذاك القوس، ولكن ذلك لن يتحقق. فمن ناحية لا تريد كوريا الجنوبية أن تضع نفسها فى الجانب المضاد للصين التي تعد أكبر شريك تجاري واستثماري بالنسبة لها وتساعدها على تسوية التوتر في شبه الجزيرة الكورية، ومن ناحية أخرى لا تريد الكثير من دول جنوب شرق آسيا الانخراط في الخلاف بين الصين واليابان في ضوء ما تحققه من فوائد جمة من تبادلاتها التجارية مع الصين، وذلك باستثناء الفلبين وفيتنام اللتين تواجهان نزاعات مباشرة مع الصين.

ثانيهما، إن الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لليابان، مازالت تراوح مكانها في استراتيجيتها” لإحتواء الصين” لأنها تتطلع بشدة إلى إخراج الاقتصاد الأمريكي من عثرته بالاستعانة بازدهار اقتصادات منطقة آسيا-الباسيفيك، ولا سيما اقتصاد الصين.

وشاطره ليو مينغ، نائب رئيس معهد دراسات آسيا-الباسيفيك بأكاديمية شانغهاى للعلوم الإجتماعية ، الرأى بشأن حتمية فشل سياسة آبي، قائلا إن الولايات المتحدة لن تدعم اليابان في سياستها هذه، فرغم رغبة الأولى في أن تكون الأخيرة رائدة لها في تحقيق استراتيجيتها بمنطقة آسيا -الباسيفيك، إلا أنها لا تريد من اليابان الاندفاع في تصرفاتها ضد الصين كي لا تندلع اشتباكات مسلحة بين البلدين، تكون نتائجها كارثية، وهذا ما لا تريد أن تراه الولايات المتحدة.

وأوضح المحللون الصينيون أن فكرة “قوس من الحرية والإزدهار” لن تأتي بالحرية والإزدهار لليابان، ولكن قد تدفعها إلى التدهور سريعا.

شينخهوا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube