https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

بعد هجمات 13 تشرين الثاني/نوفمبر لم يكن مستغرباً بالتأكيد أن تنحدروسائل إعلام غربية وعربية إلى أفكار سطحية لتفسّر الحدث الخطير، وللمطالبةبالانتقام الفوريّ من «الإسلاميين»، وهو مصطلح قابل للتأويل المتعسّفليعني، لدى كثير من الجهات السياسية العالمية والإقليمية والمحلية المنخرطةفي حروب المنطقة العربية، أو في معارك اليمين العنصري واليسار اللفظي فيالغرب، كل المسلمين، وليس جماعة بعينها. ينطبق الأمر، بداية، على الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند نفسه، وهو الرمزالأكبر للسلطات التنفيذية لبلاده، الذي أعلن وجود «حرب» على فرنسا من قبل «الإسلاميين». تبتدئ الإشكالية من اصطلاح «الإسلاميين» هذا الذي تواطأت قوى كبرى علىاستخدامه لوصف ظاهرة شديدة التعقيد. يربط هذا الاصطلاح ظاهرة سياسية بدين، وهو أمر لم يستخدم في توصيف أي دولةأو جهة أو قوة سياسية تنتمي إلى أديان أخرى غير الإسلام. لا يمكن طبعاً وصف الأعمال الإجرامية التي تقوم بها منظمات مثل «تدفيعالثمن» أو المستوطنين المتعصبين الذين يحرقون الأطفال بـ«الإرهاب اليهودي» لأنك ستقع (إضافة إلى الخطأ المنهجي في عزو عمل إجرامي سياسي إلى دين) تحتطائلة قوانين دولية صارمة تعاقب «اللاساميّة». وهو لا يصحّ أيضاً في وصف إرهاب يقوم به مسيحيّون، كما فعل النرويجي أندرسبهرنغ بريفيك الذي عرّف عن نفسه بأنه «مسيحيّ محافظ معاد للإسلام»، والذيقتل يوم 22 تموز/يوليو 2011 ما لا يقلّ عن 85 من الأطفال والمراهقين وحكمبالسجن 21 عاماً (وبالمناسبة فإن هذا المجرم الخطير كتب في وثيقته الأساسيةلتبرير جريمته: «حان الوقت لوقف الدعم الغبي للفلسطينيين والشروع بدعمأبناء عمومتنا الحضاريين في إسرائيل»). بتوصيفها إرهاب جماعة ما بأنه «إسلاميّ» تفتح الدول والقوى العالمية ووسائلالإعلام دائرة التجريم على أقصاها بحيث يتحمّل مسؤوليته كل المسلمين الذينيربو عددهم على المليار ونصف المليار نسمة، يعيش مئات الملايين منهم فيدول ديمقراطية ومئات ملايين أخرى أخرى في دول دكتاتورية، وبعضها مثالللنجاح والاستقرار والازدهار التنموي، وأخرى تنوء تحت ثقل الأزماتوالكوارث. وهو ما يدفع المسلمين عموماً إلى خيارات قصوى، فيقوم بعضهم بالاعتذار عنأفعال هذه الجماعات، رغم أنهم غير مسؤولين عنها، فينقلبون، بدافع من هذاالاعتذار نفسه، إلى مشاركين فيها، فيما يقوم البعض الآخر، تحت وطأة الهجومالإعلامي الشامل، بتبرير الإجرام كنوع من الآلية النفسية الدفاعية، هيالنسخة المقابلة لموقف الاعتذار عن جرم لم يفعلوه لكن الاتهام طالهم على أيحال. من المثير للسخرية أن التواطؤ العالمي على توصيف ظاهرة العنف الإرهابيّالمذكور بـ«الإسلاميّ» يتفق مع ادعاء تنظيمات «الدولة الإسلامية» و«القاعدة» وشقيقاتهما الملكيّة الحصرية للإسلام، وتأويله بهذه الطريقةالوحشية وحدها، وهو الدين الذي انتشر بعد ظهوره في بقاع جغرافية هائلة مندون أي عنف. اصطلاح «الإرهاب الإسلامي» بهذا المعنى هو اتفاق شراكة استراتيجية بينعقلية استشراقية تبناها «العالم»، وأدت إلى تمييز عنصري وجينيّ يخصّالمسلمين والإسلام بالعنف والإرهاب والتطرّف، وعقلية أخرى لتنظيمات مثل «الدولة الإسلامية» و»القاعدة»، قرّرت، هي أيضاً، في ممارساتها، أن الإسلامهو دين كراهية وعنف وتطرّف. «الدولة الإسلامية»، بهذا المعنى، هي نتاج عولميّ، يشابه في أفكاره، أفكاراليمين المتطرّف الغربي، مثل «كوكلاكس كلان» الأمريكية، و«بيغيدا» الأوروبية و»تدفيع الثمن» الإسرائيلية، وهي منظمات قد تقوم، لو تعرّضتالدول الغربية لضغوط اقتصادية أو سياسية هائلة، بما قامت به «الدولةالإسلامية». إن أعمال بعض هذه المنظمات الإجرامية حالياً تقتصر على إحراق ملاجئ ومخيماتلاجئين، أو قتلهم أو منعهم من دخول بلدان أوروبا أو أمريكا أو تدمير كنائسومساجد، وينطبق الأمر على أفعال «تدفيع الثمن» وغيرها من الحركاتالإرهابية في إسرائيل قد نجد بعضها ممثلاً في «الكنيست»، لكن بناهاالفكريّة لا تختلف في العمق عن بنى «الدولة الإسلامية»، وهي تقوم بدورها،بتأويلاتها المنحرفة لليهودية أو للمسيحية، وتوظفها في تبرير الإجراموالإرهاب والقتل .

القدس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube