https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

 

كتب محمد خير الوادي :

اثار الاعلان  الذي صدر عن  عدد من الدول  المشاركة في قمة العشرين في الهند ،  حول انشاء  ممر اقتصادي يربط الهند باوربا عبر دول في الشرق الاوسط ، ضجة دولية  كبرى ، وردود فعل مختلفة . ففي حين اعتبرته امريكا ردا على المشروع الصيني المسمى الحزام والطريق ،اكدت دول الخليج العربي ان هذه المبادرة هي تكملة للمشروع الصيني ، ونظرت اليه اوريا كوسيلة لتعزيز التجارة الدولية ،في حين  عبرت اسرائيل عن سعادتها  بهذه الخطوة لانها تدمج الكيان الصهيوني بالمنطقة  ،وتسرع من وتائر التطبيع معه .

وسنحاول في هذه المقالة ، الوقوف عند  الاسباب  الحقيقية  التي دفعت تلك الاطراف الى الاقدام على هذه الخطوة ، والنتائج المتوقعة منها .

اعتقد ، ان من اهم الاسباب التي حفزت تلك الدول –لا سيما الغربية منها – على انشاء  الممر الاقتصادي ، هي تلك المتعلقة بالتغييرات العميقة التي طرأت على الاقتصاد الصيني خلال السنوات العشر الماضية . فقد سلكت الحكومة الصينية نهجا مغايرا لذلك الذي درجت علىه بكين  خلال العقود الماضية في التعامل مع الشركات الاجنبية العاملة في  البر الصيني. فقد اعتمدت السلطات الصينية سياسة جديدة  تجاه الشركات الاجنبية ،تجلت في  اعطاء الافضلية للشركات الصينية في الجوانب  الحقوقية  والتعامل مع البنوك المحلية . ويقول الاوربيون ، ان هذه الخطوة قد انهت نظام المساواة بين الشركات الصينية والاجنبية ، وادخل الاخيرة في منافسة غير عادلة في السوق الصينية . اضافة لذلك  ، فقد فرضت  بكين   على الشركات الاجنبية الالتزام بنظام العقود بالنسبة للعاملين الصينيين  في تلك الشركات  ،ورفع  الحد الادنى لاجورهم  ، والزام الشركات  الاجنبية تقديم تامينات صحية واجتماعية  ورواتب تقاعدية لهم ، وهو توجه حمٌل  تلك الشركات اعباء مالية اضافية كبيرة ، وباتت اليد العاملة الصينية – بالنسبة لتلك الشركات -ليست رخيصة على الاطلاق .

فضلا عن ذلك ، يشتكي الاوربيون والامريكيون  من تقليص  التسهيلات   التي كانت ممنوحة لهم في اخراج الارباح واستقدام الخبراء وفتح حسابات في المصارف . ولعل اهم خطوة اقدمت عليها الحكومة الصينية في تعاملها الصارم مع الشركات الاجنبية ، هي الزام تلك الشركات باستقدام آخر مبتكراتها التقنية الى الصين . وهو امر اثار غضب تلك الاوساط الغربية .

هذه العوامل مجتمعة ، دفعت الغرب كله للبحث عن بديل رخيص للصين . وقد وجدت  العواصم الغربية ضالتها في الهند ، التي تحتل الآن الرقم الاول في العالم من حيث عدد السكان واليد العاملة  الرخيصة ، اضافة الى  وجود الكفاءات المدربة في مجالات  الكمبيوتر والاتصا لات ، مع قوانين ليبرالية في مجالي الاقتصاد والمال .واعتقد ، ان الهدف من طرح فكرة الممر الاقتصادي الذي ينطلق من الهند الى اوربا عبر الشرق الاوسط ، هو ضمان تدفق السلع الهندية الرخيصة الى الاسواق الاوربية ، والحصول على اجواء مناسبة  تمكن الشركات الاوربية من العمل المربح والمستقر في الهند.، اضافة الى خلق بنية تحتية متينة ،تضمن تدفق الطاقة الرخيصة والنظيفة  من دول الشرق الاوسط الى اوربا.

وهناك سبب آخر دفع امريكا لابداء الحماس لفكرة الممر  الاقتصادي ، وهو السعي  الامريكي الدائم  لاحتواء مبادرة طريق الحرير والحزام الصينية ، والحد من تأثيرها ، عبر توفير بديل لها .

ومفهومة هي اسباب ترحيب الهند بتلك المبادرة . فمشروع الممر سيضمن تدفق مئات المليارات من الاستثمارات الاجنبية على الاقتصاد الهندي . فعلى  سبيل المثال ، فان السعودية وحدها  قد اعلنت انها ستقدم عشرين مليار دولار للممر ، وانها سوف تستثمر   مائة مليار اخرى لتطوير البنية التحتية المتهالكة في الهند ، لا سيما في مجال الموانئء.  ولن تكون الامارات باقل سخاء من السعودية . كما ان الاتحاد الاوربي – خاصة  ايطاليا وفرنسا والمانيا – سترصد مبالغ هائلة لانجاز الممر الاقتصادي .وهذا كله يصب في مصلحة الهند ، الخصم التاريخي للصين .

وبالنسبة  لمشاركة السعودية والامارات في مشروع الممر الاقتصادي ، فان تلك الخطوة تنسجم مع التوجه العام الذي اختطه البلدان خلال السنوات الماضية ، والذي يتجلى في  تنويع علاقاتهما الخارجية ، وتغليب  مصلحتهما على كل ما عداها ، والانفتاح على الجيران ” كلهم ” ، بمن فيهم اسرائيل .

اما فيما يتعلق بافاق مشروع الممر الاقتصادي ، فبغض النظر عن رغبات امريكا في احتواء الصين والحد من تأثير مبادرة الحزام والطريق الصينية ، فان  تنفيذ الممر لن يؤثر كثيرا  على  المبادرة الصينية  التي تركز جهدها  الآن على البلدان النامية . وبآن واحد ، فان مشروع الممر، يمكن ان يفتح آفاقا كبيرة للربط التجاري والاقتصادي بين دول جنوب آسيا والشرق الاوسط واوربا ، شريطة  العثور على حل عادل للقضية الفلسطينية  . ولن  تستقر الحلقة الاسرائيلية في مشروع الممر الاقتصادي ، مالم لم يتم ضمان  حقوق الشعب الفلسطيني ، وانهاء  الظلم التاريخي الذي حل به .

12/9/2023

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − 7 =

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube